اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

جلب الديمقراطية و الليبرالية الى العراق

 

في تعليق حول كتابة (مستقبل الحرية)

 لدينا ولاية حادية وخمسين اسمها العراق!

ليس من السهل نقل الديمقراطية إلى العراق

فريد زكريا:

ترجمة- هيثم الزبيدي

ترجمة :هيثم الزبيدي

أودُ التحدث عن ثيمات كتابي الموسوم (مستقبل الحرية: الديمقراطية الليبرالية في الوطن والخارج)، أحاول تطبيقها على الولاية الحادية والخمسين. ربما لم تدركوا بعد ان لدينا ولايةً حاديةً وخمسين، ولكننا حقا لدينا. وهي تدعى العراق. وقد حصلنا عليها على أساس مبدأ العلاقات الدولية المتغطرس الذي اسماه السيد ثوماس فريدمان مبدأ حضيرةالفخّار:"ان تكسرها، تشتريها." الآن وقد امتلكناها،علينا ان نحسب ما قيمة كلفتها وكيف نتدبرها. وينطوي هذا على ضرورة ان نعرف جزءاً من العالم لم نكن نألفه من قبل ولم نتعرف  عليه كما يجب. عرّف آمبروز بيرس، في كتابه الرائع الموسوم (قاموس الشيطان)، الحرب على إنها طريقة الله في تعليم الجغرافية للأمريكيين. لدينا الآن اجندة طموحة جداً للعراق. لكن جلب الديمقراطية للعراق ليس بالأمر اليسير. واعتقد ان ما يجعله صعبا هو سببٌ يشكل الثيمة الرئيسة لكتابي  (المذكور آنفاً). ما نريد جلبه للعراق هو ليس الديمقراطية فحسب،بل الديمقراطية الليبرالية. في العقود الثلاثة او الأربعة الماضية، كانت هناك حركة كبيرة صوب الديمقراطية في معظم أرجاء العالم، لكن العديد من الحكومات التي تشكلت في تلك العملية لم تبد، ولم تشعر ولم تظهر كالديمقراطيات، ولم تفح منها رائحة الديمقراطية.

    لديكم، مثلا، حكومة هوغو تشافيز في فنزويلا التي كانت في الأساس حكومة دكتاتورية منتخبة. ولديكم حكومةٌ في روسيا يديرها فلاديمير بوتين. قام بوتين، الذي تم انتخابه بحقٍ وحرية، بعزل نصفٍ من الحاكمين وتعيين حاكمين اعلى بدلاً منهم، وطَرَد ثلث أعضاء مجلس الدوما، البرلمان الروسي، وأرعب الإعلام الروسي، الذي كان يوما إعلاما حرا نابضا بالحياة، وأرغمه على السكوت التام، وما زال يواصل حربا على الشيشان قام خلالها الجيش الروسي بقتل قرابة 100,000 من المدنيين الشيشان. أهذه حقا ديمقراطية؟

 

الليبرالية ازاء الديمقراطية

 

     يوفِّقُ النموذج الغربي للحكومة، الذي نرعاه ونحيا عليه، ما بين اثنين من التقاليد المختلفة نوعا ما، واللتين قد وصفتهما في كتابي أعلاه، ألا وهما: التقاليد الليبرالية الدستورية والتقاليد الديمقراطية. تتمركز التقاليد الديمقراطية على المشاركة  العامة في الحكومة - أي على الانتخابات أساسا. وافضل تعريفٍ للديمقراطية هو انها شكلٌ للحكومة يتم فيه اختيار النظام بانتخاباتٍ حرةٍ ونزيهة.

    من ناحية أخرى، فأن الليبرالية الدستورية لا تتمركز على عملية اختيار الحكومات، بل على أهداف الحكومات. وفي التقاليد الليبرالية الدستورية، يكون الهدف هو الحفاظ على الحرية الفردية، ذلك التقليد الذي ابتدأ مع  ماجنا كارتا، بل حتى قبل ذاك التأريخ، يكون منصبا على القيود المفروضة على السلطة الحكومية. ومن الناحية التأريخية، استوجب الأمر تطوير الحصون والمتاريس لحماية حقوق الأفراد من القوة العشوائية ـ من الدولة، من الكنيسة، أو من المجتمع.

   كثيرا ما نرجح ان هذين التقليديين متشابهان نوعما، وكثيرا ما يُنظر اليهما على انهما شيء واحد، لانهما قد اندمجا معا في العالم الغربي. ولكنهما في الواقع مختلفان تماما وقد انبثقا في مفاصل تأريخية مختلفة تماما.

 

ظهور الليبرالية الغربية

 

   ابتدأت كتابي بعام 324 للميلاد، لان ذلك – برأيي – هو تأريخ بدايات الليبرالية الغربية، منذ ان قرر قسطنطين أن يحوّل عاصمته من روما الى البيزنطة. لقد كان قراراً مهما جدا لأنه اخذ معه كل بلاطه وحاشيته جميعا وترك خلفه شخصا واحدا فقط، ألا وهو أسقف روما. وبفعله هذا بدأ [ قسطنطين] عملية فصل الكنيسة عن الدولة. وللمفارقة، أصبحت الكنيسة أول محك أو رقيب على سلطة الدولة في العالم الغربي. وكانت بحق المرة الأولى في التأريخ الإنساني التي تستطيع فيها مؤسسة مستقلة عن السلطة الحكومية ان تدقق  وتراقب عمل وقوة الحكومة.

   ثم تلتها سلسلة متعاقبة كاملة من المؤسسات والتقاليد المشابهة في العالم الغربي، وظهور الأرستقراطيات الإقطاعية التي راقبت وتفحصت سلطة الحكومة أيضا. أحيانا، لم تكن هذه الرقابات ترمي إلى حماية حرية الفرد. كانت الماجنا كارتا، مثلا، شِـرعةً (دستوريةً) ترمي إلى حماية امتيازات البارونات. كانت وثيقةً تقول للملك: " انك لا تستطيع انتهاك حقوق هؤلاء البارونات."  ولكنها، بهذا الفعل، قد راقبت السلطة الملكية المطلقة. ثم تلاها أيضا ظهور الرأسمالية، التي ربما كانت المحك او الرقيب الاشمل على سلطة الدولة لأنها أنتجت طبقة كاملة من الناس ، الا وهي الطبقة البرجوازية، التي استقت قوتها من المجتمع وليس من الدولة. أنتجت هذه الطبقة المجتمع المدني المستقل، وهو اصطلاح يشير في أصوله إلى رجال أعمال القطاع الخاص. وفي الواقع، كان القاضي النزيه( غير المنحاز)، وليس الاستفتاء العام، هو رمز الحكومة الغربية.

   لقد اخذ هذا الأمر مئات السنين لكي يتطور، وبعد ذلك حصلنا على الديمقراطية. ومن المهم جدا ان نتذكر ان بريطانيا، عندما اعتُبِرَتْ المجتمع الدستوري الأكثر ليبرالية في العالم عام 1800 ـ  بعد ان تغنى بمديحها  مونتسيكو ( الشاعر الفرنسي) ـ لم يُصّوت حينها سوى 2% من البريطان. ولكي لا نعتبر أنفسنا مختلفين في هذا الخصوص، في انتخابات عام1824، لم يصوّت سوى 5% من الأمريكان. ولكن أمريكا حرصت بقوةٍ على تسمية وحماية حكم القانون، وحقوق الملكية، والحقوق الأخرى. قادت تقاليد القانون إلى الديمقراطية ومن ثم تداخلت مع الليبرالية لانتاج الديمقراطية الليبرالية.

 

الاستبدادية المنتخبة في اوربا

 

    انحرف هذان التقليدان حتى في التأريخ الغربي. يتبادر إلى أذهان الناس أحيانا ان أدولف هتلر جاء الى السلطة في ألمانيا بانقلابٍ سرّي معين. ولكن هذا ليس صحيحا على الإطلاق. إذ انه جاء إلى سدة الحكم عقب الانتخابات الشهيرة والمخطئة في تشرين الثاني ( نوفمبر) عام 1933، ولكن كانت هناك ثلاثة انتخابات قبل ذاك فاز فيها الحزب النازي بأغلبية الأصوات. ظهرت النازية، والفاشية، والقومية الشعبية في أوربا، على أعقاب حركاتٍ شعبيةٍ حقيقية، وأحيانا من خلال الانتخابات.

   إننا لا نحاول ان نجلب الى العراق المشاركة الشعبية ـ عملية اختيار الحكومة ـ  فحسب، بل نحاول ان نجلب تقليداً طويلاً متكاملاً من النظم الدستورية والليبرالية. يستطيع أي فردٍ كان ان يجري انتخابات، ولكن من الصعب جدا ان يخلق حكم القانون، ودستور حقوق الملكية، وسلطةً حكوميةً نظيفة، شفافة واستجابية. سيكون هذا صعبا على العراق  لأنه يواجه في طريقه عقبتين أو ثلاثاً.

 

لعنة النفط

   أولاً مشكلة النفط. اسميه مشكلةً، مع ان الكثيرين في الحكومة الأمريكية يرونه حلاّ. كنا نقرأ ، قبيل الحرب، التصريح  تلو التصريح لمسؤولي الحكومة وهم يمجّدون فضائل النفط، موضحين كيف ان النفط يعني تطور الاقتصاد العراقي، ويدفع أجور جهود إعادة الإعمار، وكيف انه سيضع البلد في طريق الحداثة المنزلق.

    هناك مشكلة واحدة فقط في هذه النظرية. من بين جميع البلدان النفطية في العالم، النرويج فقط هي دولة اقتصاد رأسمالي وظيفي ذات نظام حكمٍ ليبرالي. وكانت النرويج قد حصلت على ديمقراطيتها قبل اكتشاف النفط بوقتٍ طويل. وفي كتابي (المذكور آنفاً)، اطلقت على الدول ذات الحصول السهل على واردات النفط اسم " دول التمويل الموثوق." مثل هذه الدول لا تكابد مشقة العمل على تحديث مجتمعاتها، وتحديث قوانينها، وبناء اقتصاد السوق. فما عدا النفط، كانت صادرات العالم العربي برمته ـ بسكانه البالغين 290 مليون نسمة ـ مساويةً لصادرات فنلندا بسكانها الأحد عشر مليوناً. والسبب بذلك هو ان لدى هذه المنطقة حصولا سهلا على الدخل اللامكسوب [ غير المكسوب بالجهد او البراعة].

 

أمةٌ مقسمة

    هذه المشكلة ليست اقتصادية فحسب، بل إنها سياسية أيضا،لان الحكومة عندما لا تحتاج ان تجبي الضرائب من شعبها، فإنها لا تحتاج ان تعطيه شيئاً بالمقابل. أما نحن فقد تعلمناها بالطريق الأصعب. لقد حدثت الثورة الأمريكية، لان الأمريكان شعروا بانهم يدفعون ضرائب كبيرة من دون ان يكون لهم تمثيل يذكر في البرلمان البريطاني. أما العائلة المالكة السعودية فقد عقدت صفقة مختلفة مع شعبها. فهي تقول: "لن نأخذ منكم الضرائب ولن نمثلكم."  وهذا الامر، بمعنى ما، عكس شعار الثورة الأمريكية القائل: " لا تمثيل، لا ضرائب."  ويؤثر هذا الاختلال الوظيفي السياسي على جميع مجتمعات الثراء النفطي.

    والمشكلة الجسيمة الأخرى هو ان العراق ممزق بالاختلافات. فشعبه شيعة وسنة وأكراد وتركمان، وفئات أخرى. ولأجل معرفة ما لذي يمكن ان ينجم عن هذه الاختلافات، ارجعوا إلى تأريخ أوربا، وانظروا كم كان من السهل على أصحاب الخطب الدهماء ان يحشّدوا الناس على أساس المناشدات الوطنية الفجّة. قبل عشر سنوات فقط، شاهدنا موقفا مشابها في يوغسلافيا السابقة، بلدٌ حكمه القادة الدكتاتوريون الشموليون لعقود من الزمن. تقوّض النظام القديم وانهار، ومن الفراغ راح الجميع يندفعون صوب الانتقال السريع للديمقراطية. غير انه كان على القادة السياسيين الصرب والكروات ان يقوموا بحملاتٍ للحصول على الأصوات، لم تكن مناشداتهم الشعبية جداً، والمؤثرة جداً متعلقة بالتعليم او بسياسة الضرائب، بل كانت مناشداتٍ  فجّة للعِرقِ، أو الدين، أو الطائفة، أو المجموعة الاثنية. خرجت دائرة القومية الصربية والقومية الكرواتية عن نطاق السيطرة. فكانت النتيجة تصفية عرقية، وبالتالي الشروع في الإبادة الجماعية.

    لا يجب ان يحدث هذا بالضبط في العراق، ولكن العراق يمتلك حقاً ثقافة سياسية ما زالت فتية وغضّة جدا، إذ لم تكن السياسة او الأحزاب السياسية مسموحاً بها من قبل. فأخذ الناس يتحركون ويتعبأون على أساس الراديكالية الشيعية، أو الأصولية الإسلامية، أو القومية الكردية.وربما يواجه الليبراليون العلمانيون صعوبة بالغة في تحشيد الجماهير وفي المناشدة لاجل الأصوات.

 

تأريخ من القمع

 

    أما المشكلة الأخيرة فهي ان العراق بلد شرق أوسطي. واعني بهذا انه، كسائر بلدان الشرق الأوسط، اتبع نمطاً معيناً في العقود الثلاثة او الأربعة الماضية. كان نظاما علمانيا ذا توجهات غربية تحول فيما بعد إلى نظام استبداد. فرجال الشرق الأوسط من صدام حسين وامثاله، يرتدون جميعا بدلات حديثة، وجميعهم محدثون على الطراز الغربي. وعندما تنظر إليهم شعوبهم لا  ترى سوى الطغيان والقمع.

كان هؤلاء الحكام يسجنون أي فردٍ ُيلمّح، ولو بإشارة، بمعارضةٍ سياسيةٍ او حاول ان يؤسس حزبا سياسيا ـ او حتى نادٍ روتاري. قال لي صديق مصري مؤخرا: " لو كانت مجموعة من الناس يجلسون في مقهى ويتحدثون عن السياسة، لَزُجّوا جميعا في السجن." المكان الوحيد الذي لم يمنعه أحد في الشرق الأوسط هو الجامع. لذا فأن كل التطرف والاستياء يعد وينظم في الجامع واصبح الدين اللغة المضادة في الشرق الأوسط. صدام حسين لم يكن يسمح للأحزاب، ليبرالية كانت ام محافظة، ديمقراطية ام جمهورية. ولكنه لم يجرؤ على إغلاق الجوامع شأنه بذلك شأن جميع قادة الشرق الأوسط، كما انه لم يتمكن من احتواء زعماء القبائل. لذا عندما انهار نظامه، بقيت المساجد والقبائل فقط قائمة فاعلة.

 

الليبرالية قبل الديمقراطية

 

إذا ما نظرتَ إلى الحالات الناجحة لدى البلدان غير الغربية التي قامت بتحولاتٍ نحو الديمقراطية الليبرالية الأصيلة، تجد ان جميعها  تقريبا متمركزة في شرق آسيا أو إنها كانت مستعمرات سابقة للإمبراطورية البريطانية. وان جميعها اتبع نمطا، متفرعا عن النمط الغربي ـ  حكم القانون والرأسمالية أولا، والانتخابات والديمقراطية بعد ذلك. ومن الأمور التابعة، في الحال المثالي، ان تُعدَ الدساتير الليبرالية وتضعها قبل ان تخلق الديمقراطية. إذا اجريتَ الانتخابات مطمئنا بان الدستورية ستبزغ فيما بعد دون شك، فان ذلك قد لا يتحقق.

    في أفريقيا، قام اثنان واربعون بلدا من اصل ثمانية واربعين بإجراء الانتخابات، وانتجوا حكومات كانت في الأغلب لا ليبرالية تماما. ولكن في بلدان مثل كوريا الجنوبية، تايوان، ماليزيا، وتايلاند، حيث أقاموا حكم القانون، وطبقة تجارية وطبقة وسطى مستقلة، ومن ثم الديمقراطية، تحقق لدينا شيئا بالغ الأهمية. الديمقراطية هي العمل الجاد. إنها تستحق كثيرا ان نسعى إلى نشرها، ولكنها تحتاج إلى عملية من إشاعة روح التحضر والتحرر اكبر مما يتصور الناس.


مشاركة الأخوان بين ديموقراطية (الهلاك) وديموقراطية (النجاة) (1-2)

بقلم : مجدي خليل

منذ أكثر من ربع قرن لم يكتف د. سعد الدين إبراهيم بدور المثقف التقليدي في العالم العربي من التحليل إلى الثرثرة ، ولكنه شارك بفاعلية في صنع الأحداث . فجاءت اسهاماته المهمة في نشر ثقافة حقوق الإنسان منذ أن اشترك في تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان ، واسهم بفاعلية في نشر مفهوم وآليات المجتمع المدني ، ثم تبنى قضية حقوق الأقليات عبر مؤتمره الشهير عام 1994 عن الملل والنحل والأعراق في الوطن العربي وكتابه الموسوعي بنفس العنوان . في كل من مؤتمر تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومؤتمر الأقليات لم يجد عاصمة عربية واحدة تحتضن أي من هذين المؤتمرين فكانت قبرص هي الملاذ الآمن بعيدا عن مطاردة السلطات العربية وأجهزتها .

    في كل نشاط د. سعد الدين إبراهيم الفكري والبحثي يسير بهرمونية ويتوازى ويتناغم بدرجة كبيرة مع الأجندة الدولية واتجاهات المجتمع الدولي ، ويعمل على نقل اتجاهات المجتمع الدولى الاصلاحية الى المجتمعات العربية.

 

ما هي اتجاهات المجتمع الدولي حاليا وأجندته ؟

    أوضاع العالم الإسلامي هي الشغل الشاغل للمجتمع الدولي منذ 11 أيلول ، وعلى رأس الموضوعات المطروحة، الإصلاح الديني وإمكانية إشراك ما يطلق عليهم الإسلاميين في الحكم في الدول الإسلامية وخاصة العربية .

    فنحن إذن أمام موضوعين مختلفين يتبناهما مركز أبن خلدون ود. سعد الدين إبراهيم .

    الموضوع الأول يتعلق بالإصلاح الإسلامي من التعليم إلى الخطاب الديني وهذا المحور محل اتفاق عالمي كامل ولا خلاف عليه وهو موضوع متداول ومطروح في كل مكان في الغرب من الصحافة إلى مراكز الأبحاث إلى مراكز صنع القرار .

الموضوع الثانى هو إشراك الاسلاميين فى الحكم، وهذا الموضوع محل مناقشات جادة وحيوية ومقارنات بين النموذج الايرانى والطالباني والسوداني ، والنموذج التركى والاندونيسى والمغربى. البعض هنا فى الادارة الامريكية متحمس جدا للنموذج التركى او ما يسمى" تتريك  العالم العربى"، وقد قوبل رئيس الوزراء التركى اوردغان منذ شهور بحفاوة وتصفيق حار فى كل مكان حل فيه فى العاصمة واشنطن من مراكز الابحاث الى مؤسسات صنع القرار.

    نحن إذن كما قلت أمام موضوعين مختلفين يتداولان في الغرب حاليا، الأول محل اتفاق تام ، وهو ضرورة الإصلاح الديني في العالم الإسلامي، والآخر محل مناقشة ودارسة وهو اسهام الإسلاميين في الحكم .  د. سعد الدين إبراهيم يتبنى الموضوعين في وقت واحد، وهما موضوعان من الخطورة بمكان، وإذا ما تحققا فسيعيدان تشكيل العالم العربي كله سياسيا وثقافيا  واجتماعيا ، إما إلى طريق الإصلاح أو إلي الدخول في نفق مظلم من الصعب الخروج منه . ومن ثم فالمخاوف تتزايد والمعارضة شرسة ، لأنها ستضرب التحالف التقليدي بين المؤسسات العسكرية الحاكمة وبين السلطة الدينية التقليدية، بما في ذلك معارضة ومخاوف دعاة المجتمع المدني ذاته من أن تؤدي هذه التجربة إلى كارثة على الحريات والديموقراطية.

في مقالته القيمة في الحياة في 7/10/2004 بعنوان "ديموقراطية النجاة .. الأخوان المسلمون وحركتهم في الحياة السياسية المصرية " ذكر د. سعد الدين إبراهيم اسمي بوصفي من المنزعجين من دعوته لإشراك الإسلاميين في الحكم بدون ضمانات كافية كفيلة بحماية الديموقراطية من مفترسيها وقد شاركني في مقالته نفس المخاوف .

فنحن متفقان إذن في أنه من حق كل مواطن أن يشارك في السياسة في بلده ويتطلع ويعمل من أجل الوصول إلى أعلي المناصب السياسية بما في ذلك رئاسة الدولة ، فهذه هي حقوق المواطنة كما تقرها الدساتير والمواثيق الدولية ،و متفقان في مسألة البحث عن ضمانات حقيقية كاملة تحمي النظام السياسي والديموقراطي من التلاعب به والانقضاض عليه والتعامل معه كوسيلة وليس غاية .

    إشارة د. سعد الدين إبراهيم في عنوان مقالته إلى الأخوان المسلمين تعني أنه مهتم بهم على وجه الخصوص بوصفهم الكتلة المتأسلمة الرئيسية في مصر وبعض الدول العربية ، وباعتبار أن إدماجهم في السياق السياسي المصري سيؤدي إلى إدماج مماثل للحركات الإسلامية في أغلب الدول العربية بحكم التأثير المصري في العالم العربي ووفقا لنظرية الدومينو السياسية .

 دعني أطرح سؤالين محددين ، أولا ، هل حدث تغير في سلوك الأخوان المسلمين في مصر يدعونا للتفاؤل الكبير؟ وثانيا ما هي الضمانات التي تقلل من المخاطر والمخاوف من مشاركة الإسلاميين في الحكم وتحمي النظام السياسي والدستوري والقيمى ؟.

أن التغيرات التي حدثت للإخوان المسلمين لا تدعو لتفاؤل كبير ، حيث أنها تغيرات طفيفة وتكتيكية ولم تنل من صلب مشروعهم في إقامة الدولة الإسلامية .  لن أتحدث هنا عن التاريخ القديم للإخوان المسلمين ولكن ما يهمني هو مشاركتهم الفعلية المعلنة في السياسة بشكل رسمي منذ عام 1984 بتحالفهم مع الوفد وحتى هذه اللحظة حيث أن لهم أكثر من خمسة عشر عضوا في مجلس الشعب ناهيك عن السيطرة على كثير من مفاصل المجتمع المصري .

أولا : مبادرة الأخوان المسلمين الأخيرة للإصلاح التي أعلنوها في آذار 2004 هى في جوهرها ونصوصها مشروع دولة إسلامية في التعليم والاقتصاد والإعلام  والسياسة . فتقول الوثيقة " أن الغاية لدعوتنا هي الإصلاح الشامل لإقامة شرع الله وفي ذلك صلاح الدنيا والدين"، وتضيف "لا أمل لنا في تحقيق أي تقدم يذكر في شتي نواحي حياتنا إلا بالعودة إلى ديننا وتطبيق شريعتنا "، وبوضوح تقول" وتتمثل المهمة إجمالا في تكوين الفرد المسلم والبيت المسلم والحكومة المسلمة ، والدولة التي تقود الدول الإسلامية ". وتواصل الوثيقة "تنقية أجهزة الإعلام من كل ما يتعارض مع أحكام الإسلام".، وعن النظام الاقتصادى تقرر " نحن نؤمن بالنظام الاقتصادى الذى ينبثق من إسلامنا" ،و" تحريم وتجريم الربا كمصدر للتمويل "، وعن النظام السياسى "نظام الدولة ديموقراطي في نطاق الإسلام" ، ، وبالنسبة للتعليم " التوسع في إنشاء الكتاتيب والحضانات مع التركيز على حفظ القرآن " ، واجتماعيا "توزيع الدخل والثروة من خلال مؤسسات الزكاة" ،  وعن المراة " تولي المرأة المناصب في نطاق ما يحفظ عفتها وحيادها "، وثقافيا " نؤمن بضرورة أن تنبثق ثقافتنا من مصادرها الإسلامية " حتى التلفزيون " منع المسلسلات والتمثيليات الهابطة التي تخدش الحياء وتشيع الفحش".

    هذه هي نصوص من مبادرة الإصلاح التي يفتخر بها الإخوان المسلمون ، وهي مشروع متكامل لدولة إسلامية فاشية والسؤال ماذا يختلف هذا المشروع عن ديموقراطية الوضع الإيراني ، وما أطلقت عليه إيران مؤخرا  "الديموقراطية الإسلامية "؟.

ثانيا : أتمني أن يدرس د. سعد الدين إبراهيم طلبات الإحاطة التي قدمها أعضاء الأخوان المسلمون في مجلس الشعب المصري منذ عام 1984 وحتى كتابة هذه السطور وهي في معظمها قشور وتفاهات وضد الحريات العامة وقس على ذلك ، مطاردة للكتاب والمبدعين ، محاصرة الأزهر وشيخه المستنير ، مصادرة الكتب ، تهييج العامة حتى وصلت السطحية إلى مطاردة مغنية شابة أو طلب إحاطة بمنع القبلات في الأفلام وهلم جرا من هذه التفاهات التي تبعد عن مفهوم التنمية والتقدم والازدهار والمسؤولية الحقيقية تجاه شعب وأمة.

ثالثا : ماذا فعل الأخوان في النقابات التي استولوا عليها منذ سنوات طويلة سوى الفساد والتخريب ونشر التعصب والفرقة ، وجمع الأموال لتأييد الأصوليين في كل مكان من الشيشان الىأفغانستان والبوسنة وهلم جرا وتدوير هذه الأموال في يد الإرهابيين التي استهدفوا بها أمن مصر ومسيحييها وزوارها من الأجانب . إن سيطرة الإسلاميين على النقابات هو نموذج مصغر لسيطرتهم على الدولة فهل نجحوا في النقابات حتى نستأمنهم على البلد كله .

رابعا : لم يصدر بيان واحد إخواني يدين تفجير المدنيين في العراق أو غيره من بقاع الارض التى عاث فيها الارهابيون فسادا، أو إدانة العنف بشكل فعلي ضد شركاء الوطن وصرف تعويضات لهم من أموالهم التي يدفعونها في النقابات ، بل كل ما نراه من بيانات صادرة من الأخوان كلها تصب في دعم الأصولية والتطرف والتعصب وتصب في مجملها في توسيع ما يعرف "بالاسلامة الدولية "

خامسا : تصريحات القيادات الأخوانية كلها تصب في دعم الفاشية الدينية في كل مكان، وهي تصريحات مسجلة لا يستطيعوا أن يتبرؤوا منها ، خذ مثلا ما قاله الشيخ الراحل محمد الغزالي "تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان كان إلهاما جليلا من الله، وأعتقد أن السودان لا يهنأ بشيء كما يهنأ بهذه المرحلة النقية الطيبة التي جعلته يتخلص من وباء الأحكام الوضعية".

     الشيخ الراحل صلاح أبو إسماعيل قال: " أن نميري حقق آمالنا وآمال المسلمين وآمال السودان الشقيق بتطبيق الشريعة " .  المرشد الراحل عمر التلمساني قال: " على الرئيس السوداني ألا يفسح المجال لمنتقدى تطبيق الشريعة بل يكبح جماحهم وألا يسمح لهم بالتمادي في غيهم بحجة حرية الرأي والكلمة" .

     والشيخ يوسف القرضاوي الذي كان يحلو له وصف طالبان بالإمارة الإسلامية وعند زيارته أفغانستان صرح "كنا نطمئن على الأخوة في الإمارة الإسلامية".

     هذه عينة فقط من عشرات التصريحات التي تصب كلها في خانة دعم أسوأ أنواع الفاشية الدينية المعاصرة .

سادسا : تصريحات قيادات الأخوان المسلمين واضحة في إقامة الدولة الإسلامية ، والوحدة الإسلامية والخلافة الإسلامية ، ولا نرى لهم رؤية وطنية جلية فيما يتعلق بالدولة القومية فكما يقول الشيخ محمد الغزالي " أن وطن المسلم هو عقيدته ، وأن حكومة المسلم هي شريعته ، وأن ديار المسلم ومن عليها فدى للإسلام" .

     وفي حوار لصحيفة الشرق الأوسط مع المرشد العام السابق مأمون الهضيبي صرح بأن هدفهم هو الوحدة الإسلامية وإقامة الخلافة الإسلامية فما هي الخلافة الإسلامية التي يريدها الأخوان المسلمون ؟.

هى الخلافة التى اطارت من رؤوس المسلمين اضعاف اضعاف ما اطارت من رؤوس اعدائهم.

    هي الخلافة التي عذب فيها الأئمة الأربعة . هي الخلافة التي حدثت فيها الفتنة الكبرى ، وموقعة الجمل ، وواقعة كربلاء ، وموقعة الحرة ، ومظالم الأمويين وغير الأمويين ، وضرب الكعبة بالمنجنيق مرتين ، واستباحة دماء وأموال وأعراض المسلمين ، والصراع بين الأمويين والهاشميين ، ومحنة خلق القرآن، والحروب بين طلاب السلطة ، وهدم قبر الحسين، ومذهب الخوارج، والمذهب الحربى، وأعمال الحشاشين ،وأراء القدرية ، وأفعال القرامطة ، وتفسيرات الباحثة .

     هي الخلافة التي انتشر فيها شرب الخمر والتشبيب بالنساء حتى في موسم الحج واللهو واللعب ، والغناء والرقص ، والتخنيث واللواط .وامتلأت بغداد بالمواخير وبيوت الدعارة وأماكن الفسق ومحال القمار ودور الغناء. وامتلأت مكة أرض الحرمين بالمغنيين والمغنيات بما صاحب ذلك ولزم عنه من حواشي الفساد ، وكان للرشيد زهاء ألف جارية والمتوكل أربعة آلاف جارية وكانت الجواري يفضلن عن الحرائر ووصل الأمر الى أن جارية مخمورة تصلي بالمسلمين وأن يجاهر الخلفاء بالفسق والزندقة والفجور (راجع سعيد العشماوي الخلافة الإسلامية) .

سابعا : أن مخاوف دعاة الحريات من انقضاض الأخوان المسلمين على الديموقراطية عبر صندوق الانتخابات لا تأتي من أوهام أو خيالات وإنما تصريحات زعماء الأخوان أنفسهم تغذي هذه المخاوف فكما قال المرشد العام السابق مصطفي مشهور " أننا نقبل بمبدأ التعددية الحزبية الآن لكن عندما يقوم حكم إسلامي فإننا نرفضها  أو نقبلها". (رفعت السعيد ضد التأسلم).

ثامنا : إن سلوك وهيكل تنظيم الأخوان المسلمين ذاته غير ديموقراطي، وهم يصرخون نهارا وليلا مطالبين بالديموقراطية في حين أنهم تنظيم فاشي مغلق تغلفه السرية يختار رؤساءه في المقابر ويسميها "بيعة المقابر" ولا يعرفون الديموقراطية ولا يقبلون التعددية داخلهم فكيف يقبلونها مع غيرهم وتجربتهم مع شركائهم في حزب الوسط تحت التأسيس خير دليل على ذلك .

تاسعا : إن هناك فرقاً بين تبريد العنف في العالم الإسلامي وهو مسعى غربي حاليا وبين تسريع التقدم وهو طموح ومسعى دعاة التقدم في العالم العربي . إن الدول الإسلامية التي تحدث عنها د. سعد الدين إبراهيم باعتبار أنها استطاعت التعامل بإيجابية مع الديموقراطية كل ما نجحت فيه هو تسكين العنف مؤقتا عبر مشاركة الإسلاميين ولكنها فشلت في تسريع التقدم . الحكم الديني يحمل معه فيروس التخلف وفترات الانتعاش الاستثنائية في الدول الإسلامية كانت بقدر اقترابها من المجتمع المدني والانفتاح على الآخر وعلى الحضارة الغربية .

وأخيرا ، لا يوجد بين الأقباط إلا أفراد شواذ يرحبون بالدولة الدينية ، فهناك إجماع قبطي على رفضها ، كما يرفض الأقباط المواطنة التي تأتي بناء على نص ديني وإنما نص وطني مدني دستوري يعلى الهوية الوطنية على الهوية الدينية وتكون المواطنة فيه هي مناط الحقوق والواجبات .

إن من يمنحنا حقوقنا بنص دينى يستطيع أن ينتزعها منا بنص دينى ايضا.

هذه بعض من كم هائل من المخاوف التى تجعلنى وصديقى العزيز د. سعد الدين ابراهيم نتحسس رؤوسنا اذا وصل الاسلاميون الى الحكم بدون ضمانات كافية. اننى اقدر للدكتور سعد الدين ابراهيم شجاعته ودأبه واصراره على تحريك المياه الاسنة فى النظام السياسى العربى ، ولكن إذا لم تتم الامور بطريقة صحيحة سوف تكون ديموقراطية الخراب والدمار والقتل والظلام ونكون بحق كمن يلعب الكرة بقنبلة.

ولكن هل تكفي الضمانات المحلية فقط للتعامل مع الإسلاميين ومسألة إشراكهم في الحكم أم يجب أن تكون ضمانات شاملة محلية ودولية هذا ما سنتناوله في المقالة القادمة !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)كاتب وباحث مصرى

 

       

 

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة