المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

أورهان باموق الحائز على جائزة نوبل في ذكرياته عن اسطنبول

  • ليس للمدينة مركز غيرنا!

سهيل سامي نادر
اعداد عن كتاب (اسطنبول- الذكريات والمدينة) لأورهان
باموق الذي سيصدر قريبا عن مؤسسة (المدى)

" في بحثه عن روح مدينته الحزينة، اكتشف باموق رموزا جديدة لتضافر وتصادم الحضارات."
هذا ما جاء في تقييم الأكاديمية السويدية لأعمال الروائي التركي اورهان باموق الحائز على جائزة نوبل. جملة تقرأ الأعمال الروائية لأورهان باموق قراءة خاصة، لكنها سهلة الاشتباك بتقييمات عامة معروفة عن صراع الحضارات وتصادمها وتضافرها، بل من السهل معرفة أن عينا أجنبية وراءها. إن (روح مدينته الحزينة) مؤكدة أكثر، فهي تميز نظرة باموق الى مدينته فضلا عن أعماله الروائية.
ليست مدينة اسطنبول مختبرا للتثاقف والنزاع الحضاري وحسب، بل هي قبل كل شيء تجربة حياة، حياته، وإذا ما وجدنا أن هذه المدينة قد استولت على هذه الحياة ، فليس من دون نزاع، ليس من دون مواجهات صعبة مع تاريخها الاجتماعي والسياسي. إن كلمة(حزن) سوف تتردد من هذه التجربة بالذات. والفصل العاشر من كتاب باموق(اسطنبول- الذكريات والمدينة) متوّج بثلاث كلمات: حزن، سوداوية، كآبة.
لقد سكن آل باموق في منطقة من اسطنبول احتلتها في زمن سابق منازل الباشوات العثمانيين. كل شيء هناك بات حطبا بسبب الحرائق والاهمال. قبل ذلك جرت تصفية السلاطين والامراء وكبار الموظفين العثمانيين. إن اختفاء كل هذا الماضي مع ظهور الجمهورية كان تجربة موت قاسية. يكاد هذا المصير يكون شبيهاً لما حصل لبغداد حيث اختفت المنازل القديمة مع سكانها في مدة قصيرة بدت أشبه بالموت المفاجئ والاقتلاع. يفسر هذا الموت الجانب الحيوي، والحزين، من بغداديات جواد سليم. وبالمقارنة فإن ما حصل في بغداد والمدن العراقية الاخرى فاجع على نحو استثنائي، فالموت، وما يشبه خسارة معركة تاريخية ضمن ميزان قوى غير متكافئ، شمل الطبقة الوسطى كلها تقريبا، من دون تعويض، وما زالت هذه العملية تنفذ بلؤم.
كتب اورهان باموق عن المنازل القديمة:" ارتبطت هذه المنازل الخربة والمحروقة في عقلنا بحكايات أمير مجنون، وابن مدمن أفيون يسكن قصرا، وولد أقفلوا عليه غرفة على السطح، وابنة سلطان تعرضت للخيانة، وباشا نفي أو ضربت عنقه." وعلى الجملة مثّلت هذه المنازل تفسخ الدولة العثمانية وتفتتها.
يشير باموق الى تجربة تبدو قرينة بالتجربة العراقية من حيث الحزن الذي تخلفه آثار الماضي على المدينة، والترقيع المهلهل الذي أريد إنقاذها به من دون جدوى. يقول:" كان حزن هذه الثقافة الميتة والامبراطورية الغارقة موجودا في كل مكان. بدا لي أن جهود التغريب هي انهماك بالتخلص من إشياء محملة بذكريات مؤلمة أكثر منها رغبة بالحداثة. مثلما يحدث عندما تموت حبيبة فجأة فترمى ألبستها وزينتها وأغراضها وصورها من أجل التخلص من ذكراها الهدامة. ولعدم القدرة على تأسيس عالم معاصر بديل جديد وقوي وصلب، غربي أو محلي، فقد أفادت تلك الجهود على الأغلب بنسيان الماضي، وفتح الطريق أمام احتراق المنازل وهدمها، وتبسيط الثقافة واجتزائها، وتنظيم البيوت كصورة متاحف لثقافة لم تعش."
يضيف باموق: لقد عشت هذا الحزن والغرابة وانحفرا في داخلي ...
وقف اورهان باموق بحزم ضد التغريب بقدر ما انتقد الشوفينية التركية المعادية للديمقراطية. كل من التغريب والإعجاب المجاني بالغرب يؤديان الى انحطاط تركيا المعاصرة. باموق لا ينسى في هذا الموقف الجدلي الاحالة الى السياسة، وهو يشير بوضوح الى المأزق التركي الذي تزامن فيه صعود القومية التركية بالتغريب. ثمة تتريك وتغريب تعاونا معا على اعطاء الصورة الحالية لمدينة اسطنبول التاريخية التي كانت في الأصل مدينة تعددية لتضحى أحادية.
يتساءل باموق عن سر مدينته اسطنبول: هل لأن الفقر يعيش الى جانب التاريخ العظيم؟ هل لأنها حتى بانفتاحها على التأثيرات الخارجية ما زالت الحياة الجمعية مستمرة فيها استمرار حياة الأحياء المنغلقة على ذاتها وكأنها سر، وحيثما تقف خلف الجمال النصبي الموجه الى الخارج علاقات مهلهلة ومحطمة؟ إن اجابة باموق على هذه الاسئلة تكشف عن فلسفته والزاوية التي ينظر فيها الى تجربته الشخصية وتجارب الآخرين عن المدينة. يقول في جملة اعتراضية:" ولكن كل قول بشأن خصوصيات المدينة وروحها وجوهرها يتحول الى حديث عن حياتنا على الأغلب، عن وضعنا النفسي. " ويختتم كلامه بهذه الجملة المفتاح:" ليس للمدينة مركز غيرنا".
يعبر باموق بهذه الجملة الألعاب التي تتستر خلف الموضوعية. فالمدينة في النهاية هي ما استولت به منك، وما تستولي أنت منها. إنها، بكلمة واحدة،تجربتك. بهذا الفهم قرأ باموق كل كتابات الأجانب عن اسطنبول (نيرفال، فلوبير) كما تفحص بدهشة الصور التي رسمها الرسامون عنها. كتب يقول:" بين السادسة عشرة والثامنة عشرة أردت أن أكون غربيا بوصفي مغرّبا راديكاليا، وأن تكون المدينة كلها غربية تماما من جهة، وأن أنتمي الى اسطنبول التي أحبها غريزيا وبحكم العادة والذكريات من جهة أخرى. إن فقداني امكانية الحفاظ على هذين المطلبين(ويمكن للطفل أن يكون طائشا ورجل علم كبيراً في الوقت نفسه وعلى نحو غير مسؤول) كان يحولني تدريجيا الى شخص حزين. يمكن القول أنني كنت أدرك يائسا أن اسطنبول ليست معاصرة كما ينبغي وتحتاج الى زمن طويل جدا لتتخلص من الفقر والبؤس، وتلقي عن كاهلها شعور الهزيمة. بهذا كانت حياتي تتكدر. مع تقدمي بالعمر بدأ يتسلل الى نفسي الحزن الذي تتبناه اسطنبول باستسلام من جهة وبتباه من جهة اخرى."
بعد هذا النص يشكك باموق بهذه الخبرة ويحيلها الى احزانه الخاصة التي يعرفها جيدا:" ما الذي فقدته، وحزنت من أجله الى هذا الحد؟ لماذا كنت مكدرا، وبسبب فراق من؟".
إن باموق لا ينهي نزاعات القلب هذه، لكنه وهو دائم التعلم من دون تعصب أو استسلام عرف كيف يخرج من مآزق النزاعات الثقافية التي يكاد بعضها يكون مزيفا، مثلما أغنى نزاعات قلبه بمواد الحياة المتقلبة المخادعة لكن الواقعية كذلك.
لا يخشى باموق النصوص الغربية عن مدينته ما دام يستطيع أن يعارضها من دون دعاية، وهو يعترف انه كان قد تماهى مع الرحالة الغربيين وشغل نفسه بالتأثر بهم، ومعارضتهم، لأنهم أعطوه بشأن مناظر اسطنبول الماضية وحياتها اليومية أكثر بكثير مما أعطاه له كتابها المحليون الذين يصفهم باموق بأنهم لا ينتبهون الى مدينتهم.
كتب باموق بهذا الشأن:" لأن عقلي لا يستطيع قبول النصوص القديمة للحياة التقليدية بوصفها نصا واحدا، أشعر بالحاجة الى أجنبي يفسر الحياة التي أعيشها بنص جديد، مقالة، رسم، فيلم. وعندما أشعر بقصور نظرة الغربي لي، أغدو غربي نفسي."
ينقل باموق عن الشاعر الأميركي الروسي الأصل برودسكي انطباعا كتبه عن اسطنبول وشعر معه بأنه سبّب له الاحراج:" ليس قديما، ليس مهترئا، وليس عميقا أو خارج الطراز السائد. لقد مرت السنون عليه فقط." يعلق باموق: هو محق في هذا. ويضيف: حين انهارت الأمبراطورية العثمانية، ولم تقرر الجمهورية ما ستكونه، لم تر غير تركيتها، وانقطعت عن العالم، عندها فقدت اسطنبول تعدديتها اللغوية، وأيامها المظفرة والطنانة، فمرت السنون على كل شيء وهو في مكانه لا يريم. لقد فرغت المدينة وتحولت الى مكان خاو أحادي الصوت وأحادي اللغة.
قبل ولادة اورهان باموق بقرن(بداية الخمسينيات من القرن الماضي) كانت تحكى في شوارع اسطنبول اللغات التركية والرومية والأرمنية والفرنسية والأنكليزية وحتى اللاتينية. كانت اسطنبول برج بابل. لكن استمرار (الفتح!) بعد تأسيس الجمهورية، واشتداد تتريك المدينة، وقيام الدولة بضرب من التطهير العرقي،جفّف هذه اللغات كلها. يقول بوماق:" الجزء المتبقي في ذاكرتي من أيام طفولتي بشأن هذا التطهير الثقافي هو إسكات من يتكلم بالرومية أو بالأرمنية بصوت مرتفع." ويضيف هذه الملاحظة المهمة: كان الأكراد لا يظهرون بلغتهم في المحيط أصلا. في الشارع ثمة من يقول: إحك بالتركي يامواطن!
أكثر من هذا توجد لافتات معلقة تأمر بذلك.
يمكن للتتريك أن يكون دمويا، أو يؤدي الى استشراء العنف. ففي اثناء انسحاب الانكليز من قبرص عام 1955 ألقى أحد عملاء المخابرات التركية قنبلة على البيت الذي ولد فيه اتاتورك في سالونيك لاذكاء العنف، وبالفعل ما أن نشر الحادث في الصحف حتى اجتاحت المدينة اعمال نهب وسلب ضد الروم والأرمن. ننقل عن أورهان باموق:" في احياء المدينة التي كان عدد سكان الروم فيها مرتفعا مثل (اورطاكوي) و(صاماطيا) و(فنار) وصل العنف الذي مارسته عصابات السلب الى حد الترويع. ففي بعض الأمكنة سلبوا وخربوا بعض دكاكين البقاليات الصغيرة للروم، وأحرقوا خيام صيادي السمك المصنوعة من القصب، ودهموا البيوت، واعتدوا على أعراض النساء الروميات والأرمنيات. ويمكن القول أنهم كانوا أشد قسوة من جند السلطان الفاتح الذين استباحوا اسطنبول بعد الفتح. وتبين في ما بعد أن المنظمات المدعومة من الدولة قالت بأن السلب مسموح.."
في رواية(البيت الصامت) التي ستصدر قريبا عن مؤسسة المدى كذلك، يكشف باموق في لمحات جاءت عبر الصوت الداخلي لأحد الأبطال عن الطريقة الفاشية التي اعتمدتها القوى القومية التركية لاسيما تنظيمها الذي اطلق عليه اسم (المثاليون) في ابتزاز السكان والاعتداء على القوى اليسارية التي وصلت الى حد القتل.


الأدباء.. اولئك الغرباء
 

ناظم محمد العبيدي
اذا كنا نروم الوقوف على احوال مجتمع ما، تقاليده وعاداته فاننا نستطيع ذلك عن طريق الاطلاع على أدبه المكتوب أو المروي، فلكل مجتمع بشري نشاطه الأدبي الذي يم جذوره بعيداً في مطاوي التاريخ، وكأن الأدباء وهم يحملون برغم تميزهم الذاتي عن غيرهم ذاكرة لجميع الافراد والاحداث، وتبدو المفارقة هنا حيث ننظر في طبيعة هؤلاء المبدعين، فمع اقترابهم من الآخرين في كتاباتهم وابداعاتهم، وكونهم المرآة العاكسة لاحلام الناس وآلامهم، الا ان الغربة تظل هي السمة الملازمة لطبائعهم الإنسانية، تلك السمة التي يعزوها البعض الى الحساسية والشعور المرهف لدى اهل الأدب، أو الوعي المتفرد بما تنطوي عليه الذات البشرية من قصور ونقائص لا سبيل الى تجاوزها كما عبر عن ذلك ابو العلاء المعري:
جربت دهري وأهليه فما تركت لي التجارب في ودّ امرء غرضا
الأمر الذي يضع حداً فاصلاً بين الأديب والاخرين، ومهما تعددت التفسيرات لظاهرة الغربة الا ان جوهرها عبر العصور يظل واحداً، فما يستشعره "ابو حيان التوحيدي" الأديب العباسي نتلمسه لدى "كافكا" برغم الفروقات بين الاثنين، في اللغة والبيئة والعصر الذي عاش فيه كلاهما وتبقى الغربة هي الهوية الحقيقية لكثير من الأدباء، فهل الابداع يتطلب شيئاً من العزلة والابقاء على مسافة بين المبدع والآخرين؟
ربما كان هذا شرطاً بديهياً، ولكن ماذا عن القطيعة الاجتماعية؟ أهي الرغبة في المحافظة على خصوصية الذات كي لا تقع تحت تأثير الآخر وهيمنته فاطلق الأديب والفيلسوف الفرنسي "سارتر" عبارته الشهيرة: "الآخرون هم الجحيم" ويعني بها هذا المعنى، ومثله كان تصور "كافكا" حين كتب في يومياته:
".. الخوف من أن اكون مقيداً بأي انسان الخوف من الانغمار في شخصية أخرى، حينئذ لن أعود وحيداً على الأطلاق ثانية...".
الرغبة في التوحد هنا تأتي نتيجة للغربة ذات المعنى الفلسفي الوجودي، أي ان الغربة محصلة طبيعية تواجه المفكر حين يكون منهمكاً بمعطيات تجربته الشخصية، والتي يرى انها مهددة بالتشتت اذا ما اصطدمت بارادات الاخرين بيد ان هناك مبرراً آخر يمكن الإشارة اليه، انها تلك الخيبة المصاحبة للأدباء حين يقتربون من رجال الدولة، فقد اعتاد الحاكمون والساسة على استمالة الأدباء الى جانبهم ليكونوا جزءاً من وسائل الدعاية لشخوصهم وساساتهم، وهو أمر يرفضه ذوو الاقلام الحرة والنزعات المتمردة، فيحرمون من جراء ذلك من الحظوة لدى الحكومات وتسحقهم ضرورات الحياة وتدفع بهم بعيداً عن الأضواء والإعلام الحكومي، كما حدث ويحدث للكثير من أهل الأدب وبخاصة في عهود الانظمة الاستبدادية، ليحلّ في الواجهة الإعلامية المنتفعون والانتهازيون ممن يتقنون لعبة تزييف الحقائق والمتاجرة بالكلمة، ويبدو مثال "أبي حيان التوحيدي" ملائماً لانه لم يجد في صحبة رجال الدولة العباسية في زمنه غير الخيبة واستشعار المرارة والخذلان من صحبتهم، بل انه الف في ذلك كتابه "مثالب الوزيرين" ليشرح فيه تفاصيل علاقته بالوزيرين: "ابن العميد والصاحب بن عباد"، والغريب ان هذين الوزيرين كانا قريبين من أهل الأدب وممارسة بعض فنونه، ولو عاش الرجل في الازمنة الحديثة لضمن كتابه عجائب لم تخطر له على بال، ولأصبحت معها مساوئ الوزيرين أيسر العيوب وأهونها، فما زالت ذاكرتنا تحفظ تلك الفضائح التي مورست بحق اهل الأدب طيلة عقود من الزمن، فاما ان يكون الأديب من جوقة النظام أو يطارد كمجرم استوجب القتل أو السجن والتشريد، وهذا ما دفع بالمفكرين والأدباء الى مغادرة العراق واحتمال الغربة التي الجئوا اليها اضطراراً، وتكون الغربة في هذه الحالة طوق نجاة للأديب كي لا يسقط في مهاوي الانظمة القمعية وتعسفها، وثمناً يدفع من الأديب للحرية والإبداع الحقيقي.
وما يميز الأديب العراقي انه يكابد غربتين، الغربة عن ألاخرين التي يشاركه فيها كل مبدعي العالم، لأنه يحمل هاجس الخلق واجتراح رؤية تتطلع الى أفق أبعد، والغربة الأخرى انه لم ينعم بلحظة آمنة في وطنه حيث تطارده القوى التي تسعى للإجهاز عليه وتدمير أحلامه ووجوده، فياله من قدر مؤلم ان يغتال اولئك الغرباء، الأدباء الذين يرسمون غد المجتمعات وأعلامهم القادمة.


هل وصل النقد في العراق إلى نهايته الطبيعية؟!
 

أحمد سعداوي

سؤال طالما خامر ذهني وأنا أتقصى الجهد النقدي على صفحات الثقافة في المجلات والصحف العراقية، والتي غدت الفضاء الوحيد المتاح للممارسة الثقافية العراقية، بعد غياب المجلات الثقافية المتخصصة، أو تباعد أوقات صدورها، وعدم تلبيتها في الأعم الأغلب لإلحاح الراهن الثقافي، واكتفائها بالبعد التجميعي الكسول.
الفضاء الثاني (والمجاور) للممارسة الثقافية، يتمثل بالتجمعات واللقاءات والندوات، وهذه إما انحسرت بسبب ضغط الأوضاع الأمنية بالدرجة الأساس، أو تكتفي في العادة بالبعد الاحتفائي، كما هو الحال في أصبوحات اتحاد الأدباء، والتي تبدو، رغم كل شيء، المساحة (الثقافية/الاجتماعية) الوحيدة التي مازالت تحافظ على انتظامها.
أين مساحة النقد والمتابعة النقدية في هذه الصورة؟ أنها تكاد تكون منعدمة، وجل المتابعات النقدية إما يكتبها أدباء غير متخصصين، أو تأتي من الانترنت، نقلاً عن صحف أو مواقع اليكترونية، وهي في العادة تهتم بفحص أعمال تصدر في الخارج، لأدباء عراقيين أو عرب أو مؤلفات مترجمة. أما الجهد النقدي العراقي الخاص فقد تقلص بشكل كبير.
إن فعل القراءة النقدية بعنوانها الواسع (والمتوفر حالياً) هو شيء من صميم أية ثقافة، ولكنه لا يمكن ان يردم الهوة التي يخلفها غياب النقد، وغياب الجهد الذي تقدمه أسماء ترسخ نفسها حصرياً في هذا المضمار.
وهذا الغياب لا يحتاج الى جهد كبير لتلمس أسبابه، وهو ليس وليد اللحظة الحاضرة، فجميعنا يعرف الحال التي انتهى إليها الجهد النقدي العراقي خلال التسعينيات صعوداً الى بداية الألفية الجديدة، والتي شهدت مغادرة اغلب النقاد العراقيين الى خارج العراق، ولم يتبق منهم سوى قلة لا يستطيعون لوحدهم تغطية الفعالية الإبداعية العراقية، خصوصاً مع انحسار المساحة المتاحة لجهدهم النقدي، بحيث كانت الصحف العراقية تطالب الناقد بعدد محدود من الكلمات، بما يحول مقالته أو دراسته في النهاية الى شيء مبتسر ومختزل، وهذا ما دفع الكثيرين الى العزوف عن النشر في هذه الصحف، أما المجلات الثقافية المتخصصة فغدت فصلية وبعدد محدود من الصفحات، ولا يمكنها أن تلحق بإيقاع النشاط الثقافي، أو تساهم في تنشيطه إلا بشكل محدود.
الجانب الآخر الذي طبع النشاط النقدي في العراق لا يخص البعد السياقي السابق، وإنما يخص طبيعة الممارسة النقدية، والتي غدت، بسبب ضغط المتن التنظيري المترجم، أكثر شكلانية شيئاً فشيئاً، وابتعدت عن حالة (التوسط) بين النص الإبداعي والقارئ، لتغدو بحد ذاتها نصاً، يطالب القارئ بفك مغاليق شفراته. فأصبح من الشائع قراءة نصوص نقدية تزيد القارئ التباساً، ولربما قرأنا نقداً على نص هو أكثر بساطة وأكثر تواصلاً مع القارئ، فيشوش النص النقدي القراءة الأصلية للقارئ وتربكه.
العوامل السابقة قادت النقد في العراق الى حالة من الشحوب والتأخر، وغدا العنوان النقدي فاقداً الجاذبية ولا يعطي إمتلاءً للكاتب الذي يروم العكوف على هذا الجنس الكتابي، الى الحدود التي رأينا فيها أقلاماً نقدية جديدة خطت خطوات ناجحة، تتجه الى كتابة الشعر، وتلصق صفة الشاعر المتأخرة متقدمة على صفة الناقد، وقاد الكسل الكثير من هذه الأقلام النقدية الى حدود المتابعة القرائية المجاملة، وعدم الخوض في سجال مع المفاهيم النقدية لإنتاج خطاب نقدي خاص ومتميز.
ثم أنكفأت أسماء معروفة في ساحة النقد على نفسها، ولم يعد لها صوت مسموع على الإطلاق، رغم كثرة تواجدها أمام شاشات الفضائيات وفي الاستطلاعات الثقافية.
وأكاد اجزم بأن الصورة الشائعة عن الناقد قد تلاشت وانقرضت، فلم يعد هو الاعرف بأسرار الكتابة، والاعرف بخفايا النصوص، ولم يعد المطلع الأكبر على كل جديد يصدر، وتأخر في مواكبته للمتغير الثقافي وترك هذه المهمة للمبدعين أنفسهم.
وهذا الوصف ينطبق ايضاً على الوافد النقدي والمستجد على الساحة الإبداعية من تيارات واتجاهات. وغدت المتابعة أو القراءة النقدية التي يقدمها المبدع حول القضايا التي تخص مجاله الإبداعي أكثر طغياناً، وتملأ ـ اضطراراً ـ الفراغ المريع الذي خلفه غياب الناقد المختص.
لا يمكننا، مثلاً، ان نلوم الدكتور حاتم الصكر على عدم متابعته للمتغير الثقافي العراقي، لكونه يعيش في مناخ ثقافي آخر، ويكرس جهده لمتابعة المستجدات في ذلك المناخ، والأمر نفسه ينطبق على الأسماء النقدية العراقية المهمة التي مازالت على قيد الحياة، والمتوزعة على المنافي العربية، كالدكتور عبد الله إبراهيم، والدكتور صالح هويدي، وسعيد الغانمي وآخرين، فهم الآن جزء من المشهد الثقافي العربي، والمشهد الثقافي المحلي للبلدان التي يقيمون ويعملون فيها.
ولكننا نلوم من بقي من هذه الرموز النقدية داخل العراق، ومازال بصحته وعافيته. نلومهم لأننا نقرأ لهم في بعض الأحيان متابعات وقراءات نقدية على أعمال عربية متوسطة القيمة، منشورة في صحف ومواقع الكترونية عربية، وهي جهود لا تخلو من مسحة المجاملة، مهملين ما يجري في الحراك الثقافي العراقي دون مساهمة جادة في ترسيخ قيم إبداعية وثقافية تمثل معايير لتوجيه القراءة وفرز الصالح من الطالح مما يكتب وينشر، وفي إضاءة الأفق المعرفي العام الذي تندرج فيه النصوص الإبداعية.
ونلوم أيضاً من يقوم على الشأن الثقافي الرسمي، الذي فشل فشلاً مريعاً في إعطاء صورة أكثر قوة ونجاحاً لمجلات ثقافية متخصصة، بديلة عن تلك التي كانت تصدر في العهد السابق. ومقارنة بسيطة بين أحد أعداد مجلة الأقلام الصادرة خلال ثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي، مع أي عدد صدر من هذه المجلة بعد التغيير، أو مع أي مجلة ثقافية أخرى تصدرها مؤسسة ثقافية حكومية، سترينا الفرق الشاسع، والانحدار في الخط البياني للجهد النقدي العراقي.
ولو تأملنا تلك العلاقة بين الجامعة والفضاء الثقافي العام، لأدركنا جانباً من تداعي العملية النقدية، فبعد أن كانت الجامعة تصدر بشكل تقليدي والأقلام النقدية الرصينة التي تثري الفضاء الثقافي العام، وصلنا الى مرحلة لا نكاد نعثر فيها على موهبة نقدية واحدة في فضاء الجامعة، مع تكاثر في العقول (المدرسية) التي لا شغل لها سوى الكتابة في حدود الدرس والترقي العلمي، والاعتماد على جهود السابقين دون شهوة الإضافة أو التجديد والمغايرة.
لا يمكن إنكار أن الصورة الكابية للنقد العراقي الآن هي جزء من صورة عامة لثقافة عراقية في طور المحنة، ليس لها جسد واضح المعالم، وتبدو في أفضل أحوالها جزراً معزولة عن بعضها، لورش عمل شخصية، تتواصل مع السياق العربي والعالمي، وتتوسل الاكتشاف والترقي داخل هذا السياق، بعد انعدام السياق الثقافي الوطني، الذي يعاني من انعدام المعايير الثقافية والرموز والجهود التي تصب في مسار إبرازها وتأصيلها.
والحديث عن النقد هنا، لا يتحدد بمتابعة النصوص الإبداعية، فهذا مظهر، ليس إلا، من مظاهر الفاعلية النقدية. وما هو أكثر جذرية في الفعل النقدي، هو ذلك المسح والجرد العام الذي يقدمه هذا الفعل للإنتاج الإبداعي، ثم افتراض فضاءات لقراءته، وإنتاج تصورات عامة ذات تأصيل نظري، عن مجمل الفعالية الإبداعية.
وقد لا يختلف معي الكثيرون في أن هذا الجهد الذي يقدمه النقد بكل تفرعاته واتجاهاته، يمثل في المحصلة المفصل الأهم في ربط الإنتاج الإبداعي الصرف بجسد الثقافة، وبالمفاصل الفكرية والمعرفية داخل هذا الجسد، بما يحوي من تخارج وتداخل مع الفعالية المجتمعية العامة. أي ان النقد يضع الفن أمام المتلقي في جسد الثقافة، ويضع الثقافة في جسد المجتمع، فضلاً عن وظيفته التقليدية في التوسط والتقييم، وإثارة الجدل داخل النوع الفني، وتحديد معايير عامة تنجز الثقافة عادة بالانتحاء باتجاهها أو بعيداً عنها.
علينا ان نعترف، كجواب على سؤال هذه المقالة، بأن النقد قد انقرض في الثقافة العراقية، وعلينا أن لا نمتدح هذه الثقافة كثيراً، قبل أن نرقع جسدها الممزق وتصبح على صورة لا تؤذي الناظرين.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة