المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

ثــلاثــة اجـيــال مـــن الـرســـامـيـــن  .. فاتر الرسم في معرض لندن
 

جانيت تايسن
ترجمة/ خالد خضير الصالحي
يبرز هذا المعرض فنون الكتاب المزدهرة في العراق المعاصر، ويحتفل بإصراربالإندفاع الفني في أمة ابتليت بالإستبداد والحروب. لقد محصت الاعمال من قبل الكاتبة ندى شبوط، مؤرخة الفنّ العراقي التي تعلّم في جامعة شمال تكساس، وقدّمت الأعمال التي تخص سبعة عشر فنانا عراقيا لتغطي ثلاثة أجيال. اعتمد معرض دفاتر على مجموعة ضياء العزّاوي لفنّ رسم الكتاب العراقي المعاصر، والعزاوي فنان عراقي مقيم في لندن.
حوّل الفنانون الحداثيون الكتاب إلى (كتاب الفنانين)، وهي صيغة تجريبية جدا. فقد كانت الكتب تتمتع بنمط من القداسة، فضفرت بوقار من كلمة الله المكتوبة فكان لها مكان الشرف في الفنّ العراقي والعربي. قدّم (معرض دفاتر) فنّا عراقيا معاصرا إلى المشاهدين الأمريكان، فعكس اندفاعات هذا الفن. نظّم المعرض الفني بجامعة شمال تكساس ودعم من قبل لجنة تكساس المشرفة على الفنون.
يعيش الكثير من فناني المعرض الآن في المنافي وهم: ضياء العزّاوي (المملكة المتحدة)، صادق كويش الفراجي (هولندا)، عمّار داود (هولندا)، فاخر محمد، إسماعيل فتاح الترك (العراق، توفي في سبتمبر/أيلول 2004)، غسّان غائب (الأردن)، نديم الكوفي (هولندا)، هناء مال الله (العراق)، مؤيد نعمة (العراق، توفي في نوفمبر/تشرين الثّاني 2005)، رافع الناصري (الأردن)، كريم رسن (العراق)، محمد العبيدي (العراق)، إبراهيم رشيد (السويد)،شاكر حسن ال سعيد (العراق، توفي في أبريل/نيسان 2004)، محمد الشمري (الأردن)، سامر أسامة (الأردن)، ونزار يحيى (الأردن).
تشتغل الأعمال الفنية في معرض دفاتر ضمن سياق موسّع جدا من المكان والوقت: كان السياق مركزا على العراق , حيث المكان الذي يغطّي من التأريخ آلاف السنوات، والذي يعيش العنف ويتجه نحو مستقبل مجهول. كان السياق الفاعل في تجربة دفاتر هي فكرة العراق، فكان كلّ زائر إلى هذا المعرض يحمل معه معرفته الخاصة وجهله، ومخاوفه الخاصة، وغضبه، ورغبته في رؤية ما الذي فعله فنانو بغداد.
قدّمت في معرض دفاتراعمال سبعة عشر فنانا عراقيا من ثلاثة أجيال ظهرت خلال منتصف القرن العشرين وحتى يومنا هذا، وكانت تلك الكتب من مجموعة ضياء العزّاوي، وهو فنان شارك في تأسيس جماعة الرؤية الجديدة أواخر الستينيات، ويعيش الآن في لندن. كانت أربعة من اعمال العزّاوي نفسه موجودة هنا. بعض الفنانين كانوا من مجايلي العزاوي، مثل: رافع الناصري، شاكر حسن آل سعيد، وإسماعيل فتاح الترك؛ والاثنان الأخيران كانا قد توفيا منذ 2004. وكانت الأعمال الباقية من قبل فنانين اصغر عمرا، تأثر بعضهم بشيوخهم لكنهم قدموا إلهاما وأفكارا جديدة في صيغ الفنّ.
انجزت الكتب، وعملت يدويا، فحصلت على اعتراف في مكان الشرف في الفنّ العراقي والعربي، بسبب ّصلة الكتب بالتعاليم المقدّسة. تحتلّ تخطيطات الكتب مكانا مميّزا في الفنّ الحديث , لأنها مستودعات أفكار الفنانين الأكثر مباشرة وخصوصية. وكانت النماذج التي قدّمت في (دفاتر) تعكس بقوة هذه التقاليد. فكانت أبعد ما تكون إلى النمط المعاصر لكتب الفنانين حيث طوّر الكتاب كفنّ. هكذا تجسّد تجربة (دفاتر) عدّة مستويات من: التقليد، والتجربة، وإلاعتقاد، والفكر. فكانت تمثل مستويات عالية من الحرفة، وكان المشاركون في المعرض يحملون بيانات سياسية معاصرة حول الوطن والهوية الثقافية ويشتغلون بخصوصية المعنى الخاصّ الّتي سيشاركهم فيه جمهور مجهول. وهم موضوعات خلقت نمطا من المشاركة في الحوارات الجمالية المعاصرة.
بالنسبة للعديد من الرسامين العراقيين، كانت الدفاتر نمطا من الفن وكانت اجابة غير كافية بشكل مطلق، فالصحيفة، او دفتر اليوميات تؤكد تراكما لقصة بصرية، رغم ان بنيتها لم تكن تختلف عن الكتب التقليدية التي تتصف بسهولة النقل والحمل، وهو ما يتلاءم وظروف الفنانين في العراق اليوم، انها تعبيرعن واقع وضع الفنانين العراقيين اليوم حيث لا يملكون اليوم اماكن واسعة لانجاز اعمال ضخمة فكانت الاحجام الضخمة والاوزان الثقيلة من الدفاترتشير الى ظروف متقلبة ومتنوعة، فشكلت الدفاتر تراكما للأنماط.
تؤرّخ ناقدة الفنّ العراقية مي مظفرلبدايات الفنّ المعاصر في العراق بتأسيس الحكومة الوطنية العراقية ايام الاحتلال البريطاني في 1921، بعد حلّ الإمبراطورية العثمانية، وقد تمثل الفنانون العراقيون تأثيرات ثقافية غربية وعادوا بها بعد دراستهم سنوات في الخارج، بينما حصل عدّة رجال عسكريين عراقيين على تدريب فني اكتسبوا منه معرفة شاملة من تقنيات الصورة الأكاديمية الغربية، ورعت الحكومة العراقية الجديدة آنذاك ممارسة الفنون الجميلة بتأسيس أكاديميات الفنّ، وتبنّي منظمات الفنانين وفتح المعارض والمتاحف. درس الفنانون العراقيون في الخارج، وجلبوا إلى بلادهم أفكارا جديدة ووثقوا الإرتباط بالثقافة العالمية. لكن تدفق الأفكار الوافدة تمت موازنتها بإلتزام الفنانين بالروح العراقية والعربية، فكانوا يوجهون بياناتهم البصرية حول مناطقهم الخاصة، من خلال التأريخ والتجربة الإنسانية.
في الستينيات والسبعينيات، ظهرت بغداد مركزا ثقافيا حيويا في العالم العربي، فعزز: ضياء العزّاوي، إسماعيل فتاح الترك، رافع الناصري، وشاكر حسن ال سعيد مساهمتهم الفنية بشكل ملحوظ نحو تطوير الفن العراقي. أصبح الفنّ مكوّنا مهما من سياسة الهوية الوطنية. لكن كما بدأ المناخ السياسي بالتغيير تحت حكم صدام حسين كان العديد من الفنانين قد بدأوا بترك العراق، وتورّطت البلاد في الحرب، أولا مع إيران (1980-1988) ثمّ مع الولايات المتّحدة وبريطانيا (منذ 1990). تحت ظروف قاسية كتلك واجه الفنانون القرار باتخاذ طوق من العزلة والحرمان المتزايد، أو العيش في الخارج. إستطاع الفنانون المغتربون تقدّيم اسباب البقاء للفنّ العراقي في العالم، ومنذ الثمانينيات، ابقى اولئك على ممارساتهم الفنية، فاتخذوا العزلة واقتنعوا بها.
الوضع العراقي اليوم يشكل خلطة من العنف والخراب، لكن الثقافة والتأريخ العراقي يبقيان بشكل حيوي حاضرين. يصمّم الفنانون السبعة عشرة في معرض دفاتر نمطا من الجمال والمعنى خارج هذا التعقيد: مصنوعات يدوية من الآثار الماضية القديمة لبلاد ما بين النهرين تجد طريقها إلى العديد من الأعمال. خط اليد ونمط من الخط المسماري، صور ظليّة من قبب و زقورات واجزاء من حجارة وطين، وتلميحات إلى حدائق تخلط بالإشارات إلى البنايات المحطّمة، والدم إلى مدن تحت المراقبة العسكرية، فيظهر إحساس لبيئة غنية لكنها بيئة خام من الطبيعة القاسية التي تعرضت الى تلوث وقت الحرب، من الحيوية الثقافية والإعياء العاطفي. قد يشعر المتلقي بأمل مختلط بيأس , وتعلّق عنيد بالجمال، وغضب (ربما أقل مما هو متوقّع).
يمكن أن تصرح هذه المجموعة من الأعمال الفنية بطريقة ما ان تراكم الظروف يمكن ان يلخّص بالكلمة 'العراق'؟ لكن ذلك كثير على معرض صغير واحد للفنّ، ومع ذلك فان معرض دفاتر كان يحمل الفرصة للتفكير الجديد، وبالتفكير الجديد، أمل.


متابعات.. التحولات السردية في رواية البلد الجميل
 

حسين عبد الخضر
تتطلب قراءة رواية البلد الجميل لأحمد سعداوي درجة عالية من التركيز لفك شفراتها ومعرفة رموزها ومتابعة التحولات السردية فيها ذلك لأنها تنتمي إلى النوع الجديد الذي يتميز باستخدام أساليب تقنية عالية لإنتاج النص الذي يفترض قارئا متمرسا في مجال القراءة وقادرا على بناء نصه الموازي للنص المقروء.
ترادفت التحولات السردية في الرواية لتنتج نصا ذا خصوصية مميزة من ناحية البناء الفني الجمالي اكسبه شكله الخاص. فقد اختفى الراوي وراء أقنعة متعددة ليختار في كل فصل من الفصول الثلاثة زاوية سردية معينة لتتعدد الأصوات وتتداخل أحيانا، في هذه الرواية ذات الشخصية الواحدة (حلمي) التي جاءت كل الشخصيات الباقية لتكشف جوانب حياته ومحيطه الاجتماعي الذي أسهم في بناء هذه الشخصية القلقة التي تشعر بالاغتراب وتجد صعوبة في الاندماج مع محيطها. وليس من الغريب هنا أن يكون الجمال هو سبب هذه ألازمة في تلك البيئة التي تطلب من الرجل أن يكون صلبا، خشنا وإلا تعرض إلى مختلف الاستفزازات الكفيلة بإحكام عقدة الشعور بالاغتراب والاختلاف في نفسه (لأن كابوسه الذي يسير به والذي يحسده عليه الكثيرون في الوقت نفسه، هو أنه فتاة. حتى صوته الرقيق الناعم، يذكره بهذا الكابوس، وقد فرض على نفسه بسبب ذلك فكرة غريبة، أن لا يتكلم أو ينطق بشيء قدر المستطاع. صوته جعله في النهـاية، يكتب ويخربش ويفرغ لواعجه على أي ورقة يجدها، لن أقول أنه فكر أن يشرب التيزاب أو يدخن من اجل تخشين الصوت/ الرواية ص 46).
يتعرض كل فصل من فصول الرواية إلى مرحلة من مراحل حياة (حلمي) تروى على لسان راو مختلف وبأسلوب مختلف رغم إن الرواية اعتمدت أسلوب التقطيع في كل فصولها. ويتيح تعدد البؤر السردية إمكانية كبيرة للراوي في تهشيم البنية الأفقية للزمن وإنتاج زمنه الروائي الذي يمثل في النهاية وجهة نظره في الحياة أو جانبا منها (فليست الحياة في حقيقتها حكاية متسقة، بقدر ما هي خليط متشابك يتمرد على النصية التي نريد أن نطمئن لها. إن الحياة في النهاية ليست مكاناً للقبض على الطمأنينة أبداً).
ففي الفصل الأول نجد شيئاً من الغرائبية في السرد يتلاءم مع الحالة النفسية (لحلمي) الذي يبحث عن نود في البلدان الغريبة لتصبح كل فتاة يقابلها هي (نود) بجنسية مختلفة وشخصية أخرى، لتتحقق قمة الغرائبية في الرحلة إلى الجبل حيث يفقد هذا الحلم إلى الأبد. بعد أن يمارس معها اتصاله الأخير على قمة الجبل وقد تحولت إلى فتاة أخرى، جديدة أثناء عملية الصعود من اجل الخلاص.
ونود هي الفتاة الحلمية، مانحة الرجولة له في عملية اتصال (غريبة) على سرير المستشفى. حيث تنسل إلى سريره لتمنحه نفسها في مضاجعة يكون فيها هو القطب السالب وتمضي.
تبدأ الرواية برسالة يوجهها شاب مغترب إلى صديقته لتتحول في المقطع الثالث إلى حكاية تقص لنا تجربته مع (نود) التي تتعدد صورها لتتخذ أشكالا مختلفة على طول الرواية وتؤكد لنا وظيفتها الرمزية، فهي الصديقة الأجنبية المتحررة، وابنة العم (نادية) التي يراد له الارتباط بها من خلال العادات الاجتماعية ورغبة الجدة (قسمة) في الاستمرار، ويأتي عدم ارتباطه بها ليدلل على تمرده على التقاليد الاجتماعية التي يمتلك رغبة لا شعورية في التمرد عليها وكسرها، ونادية ابنة هذه التقاليد، وربما يكون حبها له نتيجة حتمية لتكرار قصة الارتباط بينهما والتي ترددت على مسامعها مذ كانت صغيرة. ثم يأتي دور ندى، الفتاة التي يعشقها حلمي ويفلح في لارتباط بها متحديا ممانعة الأهل لكنه يفشل كما هي العادة في الاستمرار معها مثلما يفشل أيضا في الاستمرار بأي عمل يزاوله ليعطي تمثيلا إلى حالة القطيعة التي يشعر بها مع الحياة، وندى هذه متمردة أخرى اختارت اقتحام ميدان العمل رغم ما سيفضي إليه هذا الاختيار من مساس بسمعتها.
وفي الفصل الثالث من الرواية يكشف الراوي عن شخصيته (عيدان) لنعرف إن هذا العمل هو لراو واحد اعتمد في كتابته على قصة للشخصية المركزية أسس حولها روايته لينتج لنا هذا الشكل المتداخل حيث تكون عملية تحول السرد من ضمير ألمتكلم إلى الغائب مبررة وكذلك لوجود الراوي الأخر (الجدة قسمة) التي ساهمت أيضا في سرد الحدث وإنتاجه كونها الجدة التي تختزل في ذاكرتها الماضي بالإضافة إلى وجودها الفاعل في النص من خلال تأثيرها الواضح على شخصية حلمي.
لقد بث الراوي شفرات روايته التي تساعدنا على فهم الشخصية في زوايا مختلفة لخلق حالة التوازن بين المضمون والشكل في هذه الرواية التي بنيت أساسا على عقدة الشعور بالاغتراب والبحث عن وطن يشعر فيه (حلمي) بالألفة مع من حوله أو الانتماء على نحو أدق. إن المحنة في هذه الرواية ليست محنة البلد الجميل بل هي في الحقيقة محنة (الولد الجميل) الذي لا يستطيع أن يجد له مكانا طبيعيا في بلد كل ما فيه غير طبيعي فكانت العلاقة التبادلية التي كشفت من خلال الشخصية المغتربة شخصية البلد الغريب أيضا.


قصائد من ديلان توماس
 

ترجمة وتقديم/ فاضل السلطاني
كانت الاربعينيات هي عقد ديلان توماس بعد ان ضعف تأثير اعظم شاعرين انكليزيين في هذا القرن: ييتس وتي. اس. اليوت، وغياب اودن، الذي برز بشكل خاص في الثلاثينات، عن بريطانيا.
ومن مجايليه في الاربعينيات كينغسلي أميس ، وفيليب لاركن، وجون واين. وقد صنف النقاد هؤلاء الشعراء ضمن مجموعة واحدة سُمّيت بـ"جيل الحركة" على الرغم من الاختلافات الكبيرة بينهم. لكن هناك سمات مشتركة نجدها في قصائدهم: السيطرة على العاطفة (وهو ما أوصى به اليوت) والايماء، والاسلوب الرصين، وتجنب المضامين الرومانسية او البطولية في الشعر. وبكلمة واحدة اعادة "تثقيف القصيدة" أي خلق "الصورة المفكّرة" حسب تعبير هيغل.
ونرى ان ديلان توماس ـ الى جانب فيليب لاركن الذي توفي عام 1982 ـ ذهب بهذه السمات الى حدها الاقصى، مما يميزه عن مجايليه الذين ذكرناهم، وما يجعله اكثر صعوبة وغموضاً في الوقت نفسه.
لم تعد الكلمات عند توماس مجرد كلمات فقط. انها لا تشير الى اشياء، وانما هي الاشياء نفسها. وحتى حين يعالج موضوعاً مجرداً، فانه يعالجه بلغة حسية تعبر عن وضع ملموس، او يصبح ملموساً داخل القصيدة، فلا يترك اي مجال لتشكيل انطباعات عامة.
والسمة الاخرى التي تميز شعر ديلان توماس، ليس عن شعر مجايليه فقط وانما عن عموم الشعر الانكليزي، هي ذلك الايقاع السريع، المتوهج، الراقص، الذي تفجره كلماته على حدة والقصيدة ككل على رغم تعقيدات وصعوبة مضامينه الميتافيزيقية في احيان كثيرة. ويذكر ارشيبالد ماكليش في كتابه "الشعر والتجربة" ـ الذي ترجمته سلمى الخضراء الجيوسي ـ ان ديلان توماس كان قادراً على "ترقيص جمهور كامل على ايقاع قصيدته، ومن هنا اعتبره بعض النقاد "اعظم الشعراء الغنائيين في هذا القرن". اما اليوت فقال عنه ـ برصانته النقدية المعروفة ـ بأنه يعتبره دائماً "شاعراً ذا اهمية كبيرة".

رؤيا ودعاء
من
أنت
يا من تولد
في الغرفة المجاورة
الاكثر صخباً من غرفتي
حتى إني اسمع الرحم ينفتح
والظلام يجري على الروح والابن المولود
وراء الجدار نحيلاً مثل عظام طائر صغير؟
في غرفة الولادة الدموية التي تجهلها
حروقُ وتحولات الزمن
حيث بصمة قلب الانسان
لا تخضع للتعميد
الظلام وحده
يمنح بركته
للطفل
البريّ.

الآذان من البرج تسمع

الآذانُ من البرج تسمع
أياد تطرق على الباب،
العيون ترى من الإفريز
الاصابع على الاقفال.
هل افتح أم أبقى
وحيداً الى ان أموت
في هذا البيت الابيض وعينا الغريب لا ترياني؟
أيتها الأيدي، أسماً تحملين أم عنبا؟
ما وراء هذه الجزيرة التي يحدّها
بحر ناحل،
وساحل عظمي.

الارض تتمدد بعيداً عن الضجيج
والتلال بعيداً عن الهموم
لا طيور او أسماك تتقافز
فتقلق سكون هذه الجزيرة.
الآذان في هذه الجزيرة تسمعُ
الريح تمر مثل نار.
العيون في هذه الجزيرة ترى
سفناً ترسو قرب الخليج.
هل اركض نحو السفن
والريح في شعري،
أم أبقى وحيداً الى ان أموت
لا أرحب بأي بحّار؟
أيتها السفن، أسمّاً تحملين أم عنبا؟
أيدٍ تطرق على الباب،
سفن ترسو قرب الخليج
مطر يضرب الرمل والصخر.
هل أُدخل الغريب؟
سفن ترسو قرب الخليج
مطر يضرب الرمل والصخر.
هل أُدخل الغريب؟
هل استقبل البحّار؟
أم أبقى وحيداً الى ان أموت؟
يا يديّ الغريب، ويا عنابر السفن
سماً تحملين أم عنباً ؟


شاب ينادي شيخا

أنت، ايضاً، رأيت الشمس طائراً من نار
وخطوتَ على الغيوم عبر السماء الذهيبة،
عرفتَ حسد الانسان ورغباته الحمقاء،
أحببت وفقدت.
أنتَ، يا من أصبحت شيخاً، أحببت وفقدت مثلي
كلَّ ما هو جميل، ولكن ولد ليموت.
تتبّعت مثالك فوق الصقيع المتكاثر ،
عرّبتَ رأسك تحت السماء الحيّة.
وفي الظهيرة مشيت في الضوء،
عارفاً البهجة مثلي.
سنوات بيننا، ولكن ذلك لا شيء.
عبر السنوات التعبة
شابٌ ينادي شيخا:ً
"ماذا وجدت؟" يصرخ: "ما الذي تسعى اليه؟
فيجيب الشيخ من خلال دموعه:
"ما تجده هو ما تسعى اليه".


خزعل الماجدي لــ(المدى): منافي الخارج فراديس وأماكن لهو وترف قياساً الى جحيم الداخل
 

  • أمجّد الضعف الانساني وخبراته الروحية العظمى

حاوره: وديع شامخ
الشاعر خزعل الماجدي واحد من الأصوات الشعرية المهمة الذي شهد وشارك في ولادة مرحلة شعرية بكل ملابساتها. راهن على ما يصح، فأدار ظهره للساسة، ومضى الى الشعر بقامة لم يلوثها يوما بقصيدة صفراء، سار بالشعر والمعرفة الى ما يجنبه الوقوع في أغراض خارج إبداعية، اجتهد هنا واصاب، واجتهد هناك فحاول وأستثمر. اجتهد في دروب الدرس باحثا لكن الشاعر في خزعل لم ينطفئ. في الوقت الذي تهالك آخرون من الشعراء للوقوف في طوابير الأغراض الشعرية المدفوعة الثمن. وبما ان الحياة العراقية تواجه اكبر امتحان بعد سقوط الصنم، سيكون هذا الحوار مع خزعل الماجدي نوعاً من المكاشفة لدور الشاعر في الحياة قبل وبعد سقوط الصنم، وعن المدى الذي يتواصل الشاعر في ماراثوان ليس المطلوب منه ان يكون فيه منتصرا دائما. المهم ان تبقى النار في قبضة الكائن الشاعر، لا يسرقها أحد. فهل كان الماجدي سارق نار وأضواء، أم قابضاً على جمرة الشعر والحياة ؟؟
*
طقسك الشعري هو الأشد جاذبية في مجمل اهتماماتك ككاتب مسرحي ومثيولوجي ومؤرخ أديان ومنظر أدبي.. بل لعلك صاحب خصوصية شديدة في هذا الطقس فتوشح العالم والتاريخ بغلالة الشعر ولا تتنازل أبدا عن اعتبار الشعر مشغلا مقدسا، كيف ستبقى ثابتا في هذا (المشغل المقدس) ورياح الدنيا الآن تهب علينا وبكل وساخة من كل الجهات؟
ـ ما أروع وصفك للشعر بـ(المشغل المقدس).. نعم هذا هو الشعر عندي لا يتزحزح عن مكانته هذه، أنا كائن لا ارضي.. ولقد رفعني الشعر ذات يوم الى السماء وما عادت مشاغل الدنيا عندي سوى(عفطة عنز) كما تقول شقشقية الأمام علي بن أبى طالب (ع). يهبنا العالم مادة نيئة لكن الشعر هو الذي يُنضجها ولا فائدة من هذا العالم كله بلا شعر، الشعر هو روح العالم. وان النظر الى العالم من خلال الشعر يشبه النظر إليه من خلال عيني الإنسان مقابل النظر إليه من خلال عيون الحيوانات عندما لا يعود الشعر منظارا. كنت ومازلت أرى ان ما يربط المقدس الديني بالمدنس الدنيوي هو الشعر، فهو يربط جوهر الدين والدنيا معا بل إذا شئت القول ان الشعر هو جوهر الدين والدنيا.
*
ألا ترى انك تسلب الشعر عفويته ودهشته الأولى عندما تكبله بهذه الرؤى؟
ـ صحيح ان الشعر بسيط وعفوي مثل ضحكة طفل أو رفة جناح فراشة. . نعم هذه التجليات العفوية هي الشعر ولكن هذه التجليات تخضع لتماسك جوهري هو نبض الحياة الذي هو الشعر من وجهة نظري. والشعر ليس معرفة او عقلا او وعيا متماسكا، ولكنه روح خافق ينطوي على معرفة سرية نشعر بها ولا نعرف تفاصيلها.
*
لعلك تتذكر (خمسون بيضة فاسدة في سلّة الشعر السبعيني)عندما اجتمعت أنت وزاهر الجيزاني وسلام كاظم وفاروق يوسف للرد على الاتهامات التي وجهت إليكم عام 1983 والتي تتهمكم بمحدودية المعرفة بالتراث والشعر واللغة الثانيةالخ. من فَسَد برأيك الشعر أم الاتهامات؟
ـ الاتهامات طبعا.. لأنك لو عدت لها فأنك ستلاحظ مدى التهافت التي انطوت عليه، وإذا وضعنا الزمن حكما عليها فسنرى بأننا بعيدون عن أي منها مثل عدم معرفتنا للتراث والشعر وعدم الثقافة
حقيقة الأمر إننا شكّلنا الطليعة المبدعة لجيل السبعينيات وما زلنا كذلك. وأنا شخصيا أعيش عافية شعرية وروحية وفكرية جيدة وما زلت أسعى لكتابة الجديد دائما.
*
لم يشهد المشهد الشعري العراقي احتداما صارخا إلا بولادة مفهوم (الجيل) وقد تناوبتم على حراسة هذا المصطلح بعد ان تبنّاه (الستينيون) وجعلوه ترسا تحصنوا به واعتبروا أنفسهم الخلاصة الوحيدة لما قبلهم والمدرسة الوحيدة لما بعدهم.. فهل الشعر برأيك في حاجة الى سجن جديد مع تغير نوع معدن الأغلال؟
ـ لم تظهر بالعراق تجمعات فنية وادبية تحمل أسماء ومضامين عملها مثل السريالية، التكعيبية، الواقعية، الرمزية
الخ، وهو ما حصل في الغرب حيث النمو الطبيعي لظواهر الأدب والفكر، أما في العراق والوطن العربي عموما فلم تظهر مثل هذه التجمعات النوعية، فظهرت تجمعات عقدية كان من السهل إطلاق اسم العقد عليها، فالجماعة التي تظهر في الخمسينيات تعيش مناخاً واحداً وتنتج نمطا معينا من الأدب ولذلك يطلق عليها جماعة الخمسينيات وهكذا. وهذا التقسيم الجيلي يستند الى أسس واقعية على الأرض، فالعراق شهد بعد الحرب العالمية الثانية تحولات نوعية سياسيا واجتماعيا فظهر الرواد ثم جيل الخمسينيات، وبعد عام 1958 حدثت تحولات نوعية فظهر جيل الستينيات، وبعد عام 1968حدثت تحولات جديدة فظهر جيل السبعينيات، وبعد الحرب العراقية الإيرانية حدثت تحولات هزّت نسيج المجتمع العراقي وكيانه فظهر جيل الثمانينيات، وفي(1991 حرب الخليج الثانية والحصار) حصلت تحولات جديدة فظهر جيل التسعينيات. وارى ان دائرة الأجيال هذه التي بدأت منذ 1947 وحتى 2003 واستغرقت نصف قرن بالضبط أظهرت لنا ستة أجيال وخصوصا في الشعر(رواد، خمسينيون، ستينيون، سبعينيون، ثمانينيون، تسعينيون) وقد أقفلت الدائرة حيث الاحتلال وسقوط النظام السابق واعادة بناء العراق دولة ومجتمعا. حصل هذا ولا يستطيع أحد ان ينكره، ولنكن واقعيين في ذلك لعدم وجود فرصة لظهور تيارات نوعية وتجمعات خاصة لان سياقنا الحضاري لا يشبه السياق الحضاري للغرب. ولعدم وجود مدارس كبرى في الفكر والفلسفة والسياسة والفنون والعلوم الإنسانية. لذا كان التجييل واقعيا، وأنا أخالفك الرأي إذ لم يكن هذا التجييل سجنا أو سجونا للشعر بل العكس هو الصحيح. فعندما يحتكر الشعر جيل يظهر جيل أخر ليحرر هذا الاحتكار ويضيف للشعر لونا ونكهة اخرى وهكذا تجد ان الشعر العراقي أنجز في نصف القرن الماضي أربعة أنواع كبرى من الشعر هي(التفعيلة، قصيدة النثر، قصيدة النص، النص المفتوح).
*
وهل كل هذه الإنجازات الشعرية النوعية هي من نتاج الحقب العقدية وشعرائها فقط ؟
ـ لا طبعا فهناك إضافات أنتجتها إتجاهات وألوان تمثلها جماعات وتكتلات أو أفراد داخل وخارج العراق. أعود للتعليق عن سؤالك السابق، واعترف بحرية الشعر ولكنه ليس مثالا معلقا في الهواء لا طعم ولا لون ولا رائحة له. لقد عاش الشعر العراقي تحولات كبيرة على ضوء التحولات السياسية والاجتماعية ومدى تفاعله مع الشعر العالمي، وهذا أمر لا نجد له نظيرا في كل الوطن العربي. فليس هناك أحقاب جيلية مكتنزة في أي بلد عربي مثل العراق، ولذلك فالشعر العراقي يتحول ويثور ويتبدل في كل فترة حسب الظروف التي فيها او التي تحركه. ثم إننا لم نحرس مصطلح الجيل بل كانت الأجيال تتدفق رغما عنا، ولو أننا حرسنا مصطلح الجيل لكنا تمترسنا في جيل السبعينيات ولم نسمح بظهور ما بعده. ولكن دعني أقول لك شيئا ان شعراء الجيل يبدأون متجمعين وينتهون متفرقين دائما وهذا أمر طبيعي وهو ما حصل مع الجميع.
*
وهل هناك ولادات متعددة للشاعر؟
ـ نعم، هناك الولادة الأولى التي هي عادة من رحم الجماعة أو البيئة التي يعيش فيها، أما الولادة الثانية فتكون عندما تسقط مشيمة الجيل ويبدأ الشاعر بنسج مشروعه الفردي الخاص، وارى شخصيا ان هناك ولادة ثالثة للشاعر عندما يتحول الى كائن شعري عظيم وينسلخ عن الأدب والأدباء ويرتفع فوق ميوله واهوائه ويخلق له كيانا روحيا عظيما.
*
ارتبط ظهور جيل السبعينيات الشعري بمناخ سياسي أتاح لكم كلّ هذه الجرأة وسوّقكم كأبناء لتحدي الأسماء الشعرية في الأجيال السابقة لكم في مرحلة السبعينيات السياسية في العراق. . ما هو تعليقك؟
ـ يبدو لك هذا الأمر ظاهريا، فعل (حكومة) تريد تحريك عجلة المرور في الحقل الثقافي، وقد أرادت حكومة السبعينيات ان تظهرنا كأسماء جديدة. ولكن مثقفي السلطة آنذاك كانوا كلهم من الستينيين بعثيين وشيوعيين ولا اعتقد انهم فسحوا المجال لنا لكي نواجههم ونتحداهم. دعني اصف لك المشهد بكل صراحة، في بداية السبعينيات ظهرت بشكل عفوي ثلاثة تجمعات أدبية في مدينة (الثورة) في بغداد وتحديدا في (الداخل، الجوادر،مكتبة العباس بن الأحنف)وكانت هذه التجمعات العفوية تضم شبابا لا علاقة لهم بالسياسة أو بعضهم كان شيوعيا، وسرعان ما اتصلت هذه المجموعات ببعضها، واتصلوا بعد ذلك بشباب مثلهم في بغداد الجديدة وكلية الآداب. ومن هذه التجمعات الخمسة نشأ جيل السبعينيات في العراق،ولم يكن بتوجيه من أحد. التأثيرات السياسية المبرمجة ظهرت لاحقا، وكانت اغلبها ضد النظام، فبعد أن أفلت الشيوعيون واختاروا المنفى لم يحصل النظام على ما يريد من الذين بقوا في العراق لأننا اخترنا العمل الفني في الشعر ونبذنا كليا العمل السياسي. ولذلك وجه النظام ثقله على نوعين من الأدباء : شعراء وأدباء الحرب وشعراء المهرجانات ثم قصائد المديح. ولم يكن جيل السبعينيات(اعني النخبة النوعية من الجيل السبعيني) بين النوعين . وهكذا تجد ان الكلام الذي قلته يراد منه النيل من الشعراء الذين عملوا بصبر على تطوير الشعر في السبعينيات ثم في الثمانينيات.
*
في ملتقى تموز الإبداعي عام 1995 أعلنت موت الحداثة، ما هو مفهومك للحداثة شعريا وما فرقها عن التحديث، وما هي مسوغاتك لموتها؟
ـ (موت الحداثة) جاء لتصحيح مسار الحداثة وليس لقتلها. فهو ينقد بصراحة أيديولوجية(الموديرنزم) ويفتح الأفق للتحديث (الموديرنتي)، انه يحاول ان يخلّص الحداثة من عصابها الأيديولوجي المتزمت. التحديث قدرنا الأبدي أما الحداثة فمرحلة من مراحل التحديث والتي بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر في الغرب وهي على وشك الغروب الآن. أما التحديث فموجود منذ اقدم العصور وما زال مستمرا وسيبقى.
*
(عزلة في الكريستال) قصيدتك التي مسرحها صلاح القصب وقال عنها: لا يفهما غير الشعراء والسحرة. كيف تنظر الى عزلة الشاعر وغربته في وطنه وخارجه وما تأثيرها على مشروعه الإبداعي ؟
ـ الشاعر غريب عن عصره وأهله وبلده أصلا، وهو يخوض في العزلة دائما، ولكني اخترت عزلة صلدة في (عزلة في الكريستال) وكتبتها بكثير من الألم في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي لاني شعرت بامتهان الشاعر وكيف ان السياسة تحتقره وتستخدمه وتجعل منه خرقة لمسح وجهها القبيح. شعرت بأن الشاعر قد ينحدر في لعبة الامتهان وينسى دوره العظيم. شعرت بأن كلّ شيء في العراق آيل الى الهاوية. لذلك كتبت هذه القصيدة التي تلقفها صلاح القصب وجعل منها مسرحية عرضت 1990 في كلية الفنون في بغداد. كانت عزلتي من كريستال.. ومازالت عن كل قبيح وهزيل ومنافق ولا أخلاقي. . ولكنها ليست عزلة عن الناس والحياة والعصر ونبض الحاضر. قد لا تتحمل أعمارنا بحكم قصرها الى الكثير من ضياع الوقت ولذلك علينا ان نحافظ على وعي ثاقب ونغامر في الحياة، أنا مع الحياة أولا ولكن الإبداع يعمّق رؤيتنا للحياة ولا يجعلنا في عزلة.
*
(فيزياء مضادة) مجموعة شعرية نشرتها تحت عنوان فرعي 100 قصيدة نثر عام 1997 عن مكتبة المنصور العلمية، وكانت على شكل قصائد قصيرة مركزة خارج التوصيف العام والمعروف لأسلوبك في منجزك السابق، ماذا شكلت تجربة المضاد الفيزياوي من إضافة وأهمية نوعية لمشروعك الشعري؟
ـ (فيزياء مضادة) لم تأت خارج التوصيف الجديد للشعر، فقد كانت جزءا من مشروعي الشعري وفي حقل قصائد النثر، فقد نشرتها مفردة عام 1987 ثم في مجموعة عام 1997، أي بعد عشر سنوات، وقد نشرتها في المجلد الاول للأعمال الشعرية لي مع خمس مجموعات أخرى كلها من قصائد النثر.
*
لقد قرأت هذا المجلد الأول وقد قدمتَ له مهادا نظريا عن الشعر الشرقي بوصفه مرجعيتك الأولى لكتابة قصيدة النثر، فهل أنت جاد في إصدار أجزاء أخرى لتجربتك الشعرية والكشف عن مصادرك ومرجعياتك لكل تجربة يحتويها المجلد الآخر؟
ـ هذا سؤال مهم، فأنا أنتجت أعمالا شعرية كثيرة وفي مختلف أجناس الأداء الشعري وظل الكثير منها غير منشور أو غير مصنف على أساس جهودي الشعرية في هذه الأجناس، لذا سيصدر المجلد الثاني وهو يضم قصائد التفعلية مع مجموعة نثرية وهي(خواتم الأفاعي) وسيضم المجلد الثالث نصوصاً مفتوحة(عكازة رامبو، حيّة ودرج، خيط العبور، حمام كركوك، فلم طويل جدا..) أما المجلد الرابع فأنه سيغطي خزائيل بـ12 جزءاً وهو الشعر الذي أسميته بـ(الغنوصي). اعترف ان بعض أجزاء المجلدات القادمة غير مكتملة لكنني أشتغل على إكمالها. أريد ان اجمع منجزي الشعري وفق تبويب اجناسي يتيح للقارئ والناقد رسم صورة كلية له. وستكون لكل مجلد مقدمة نظرية، في المجلد الثاني سأتحدث عن السحري والايروسي (كيمياء اللغة والجسد)، وفي الثالث عن النص المفتوح، والرابع عن الشعر الغنوصي الكبير الذي كتبته في أقسى الظروف.
*
أراك مشغولاً بالتنظير لكل مجلد من أعمالك الشعرية. هل ترى هذا ضروريا إذا فهمنا ان المقدمات النظرية لكل عمل إبداعي قد تفسد التلقي، سيما ان هناك شعراء طرحوا رؤيتهم النظرية عن الشعر دون الحاجة الى هذا القسر المرافق لكل تجربة شعرية تطرحها عبر الأعمال الشعرية؟
ـ التنظير فاسد إذا جاء قبل التجربة، فأنا لا اكتب تنظيرا قبل ان تكون التجربة الشعرية قد انجزت، واما عن التنظير البحت فقد صدر لي أخيرا كتاب بجزأين عنوانه(العقل الشعري) عن دار الشؤون الثقافية في العراق. لذا فان مقدماتي النظرية عن كل تجربة شعرية لي هي إضاءة أو مفتاح لقراءة نصوصي ولم الزم القارئ بها، وعلى من يجد أنها غير ضرورية فليبدأ بقراءة النصوص.
*
في بيان نشر على موقع إيلاف بعنوان (النص المفتوح) ذهبت الى موت القصيدة، وطرحت فوارق بين أشكال البوح الشعري جديرة بالنقاش، لاحظت انك تُجير بعض ما كتبته سابقا لمشروعك النظري (النص المفتوح) وكنت لا تعلن مثل هذا التجنيس وقت كتابتها مثل (حيّة ودرج) وعكازة رامبو مثلا).
ـ نعم.. بيان النص المفتوح يعطي فكرة عن هذا النوع من الكتابة الشعرية ويفرقّه عن قصيدة النثر بشكل خاص، وقد جاء البيان بعد مضي خمسة عشر عاما على كتابتي أول نص مفتوح في تاريخ الشعر العراقي وهو (خزائيل) ثم اتبعته بنصوص مهمة مثل (عكازة رامبو، وحيّة ودرج وخيط للعبور
…. الخ) وقد تكونت لديّ فكرة نظرية وعملية عن هذا النوع من الكتابة فوضعته في بيان (النص المفتوح)، ألم أقل لك ان تنظيري يأتي لاحقا وبعد كتابة النص!
*
وهل تعتقد ان النص المفتوح هو نهاية الشعر؟
ـ كلا.. بل نهاية القصيدة، فمعه سيكتب الشعر على شكل نص وليس على شكل قصيدة، انه بداية نوع جديد من الشعر، وهو لا يلغي الأنواع الشعرية التي قبله بل هو يكملها ويعطي أفقا جديدا للشعر.
*
وماذا عن قصيدة النثر أو النص النثري الذي حسم موت القصيدة شعريا رغم الشيوع الخاطئ والملتبس لمصطلح (قصيدة النثر)؟
ـ قصيدة النثر آخر أشكال القصيدة التي تستعير من القصيدة شكلها الكتابي المقطعي، ما زال الوقت مبكرا أمامها لكي تمنحنا الكثير من الشعر. ولكن لا بأس من أن تخرج أنواع جديدة، والنص المفتوح نوع شعري جديد له الكثير من الآفاق التي سيفتحها.
*
كانت (العين الثالثة)هي نافذتك الصحفية في جريدة الجمهورية، وأنت اليوم تعمل في الفضائيات العراقية، ماذا تأكل الصحافة من جرف الشاعر، وكيف ترى الشاعر وهو يمتهن الصحافة والإعلام؟
ـ يحتاج الشاعر ان يقول شيئا خارج مركزه الشعري وكذلك يحتاج الى العيش ماديا من خلال ما توفره الصحافة او الأعلام، ولكن الإسراف في العمل الصحفي يدمّّر الشاعر كليا، الصحافة قد تنفع الروائي ولكنها لا تنفع الشاعر كثيرا. وقليل منها مفيد. ولكن لا حيلة لنا من العمل في مجالات بعيدة نوعا ما عن مركزنا وعالمنا الشعري.
*
أدب الداخل/ أدب الخارج. معادلة قلقلة روِّج لها من اجل تكريس غطاء أيديولوجي هنا او هناك في الأدب العراقي. ما هو تصورك عن هذا التوصيف -خارج الإبداعي ؟
ـ لا يوجد أدب داخل/ أدب خارج، هناك أدباء في الداخل وأدباء في الخارج والفرق كبير، ومن يحاول التأكيد على هذه المعادلة القلقلة كما تقول، فهو يكرس فهما أيديولوجيا سخيفا، ثم ان الداخل هو رحم الموضوع كله وأدباء الخارج يكتبون عن ذلك الوطن/ الداخل، فما معنى ان يضع بعضهم نفسه فوق الداخل؟ هذه رؤية يكرسها بعض الأدباء العصابيين الذين يحتقرون أناس الداخل ويعتقدون انهم ملوثون بأخطاء الماضي.. أما هم فطهرانيون. والحقيقة هي ان أدباء الداخل عانوا من كل الظلم والتعسف والحروب والحصار وبقوا متماسكين ويتواصلون لانتاج الأدب العراقي. أما منافي الخارج فكانت فراديس وأماكن لهو وترف في اغلب الاحيان قياسا الى جحيم الداخل.
*
أنت من الأدباء الذين غادروا العراق طواعية وعملت في عمان وليبيا لسنوات وأنتجت الكثير من الأعمال في حقول اشتغالك المختلفة، وعدت أخيرا الى العراق، كيف تقيم المناخ السياسي العراقي الجديد؟
ـ الديكتاتورية المقيتة هي التي اضطرتني للهرب خارج العراق،والآن أجد الحكومات المتتالية تنهب ثروات العراق ولا تعمر البلد إضافة الى الاحتلال الذي دمّر العراق. إجراءات الديمقراطية ما زالت شكلية والعنف يفتك بالبلاد وأنا ضد كلّ خطأ يصدر من أية جهة. المهم ان الشعب العراقي يتحسس ثمار الديمقراطية والدستور والانتخابات، شرط ان لا تكون هذه الامور الجميلة أغطية لمزيد من سرقة الشعب والضحك عليه ثانية.
* أخيرا، خزعل الماجدي بعد هذه التجربة المتنوعة في الشعر والتاريخ والمثيولوجيا والأديان القديمة والمسرح والتنظير الفكري، أريد العودة الى عنوانك الاول وهويتك المقدسة (الشعر). مفترضا ان أعمالك الشعرية -والتي تحدثنا عن صدورها في سياق الحوار-،هي تجارب سابقة، فما هو جديدك الشعري، وما هي رؤيتك لكتابة الشعر الآن؟
ـ لا أخفيك.. أنني بعد هذه التجربة الشعرية المنجزة وتجربتي الحياتية في هذا العمر، أصبحت اكثر حكمة وزهدا حياتيا، فأنا انظر الى العالم الآن خارج نزوات الصبا والفتوة والاحتدام، امجد الضعف الإنساني وخبراته الروحية العظمى التي يلمّها الجسد الفاني والهش. واتفق معك على أعمالي الشعرية التي ستصدر تباعا هي عملية تجميع وتبويب لمنجزي الشعري السابق. ولكني الآن أنجزت شعرا جديدا يختلف عن المجلدات الاربعة، مجموعة نصوص بسيطة تنتمي الى المعنى (قصائد المعنى) ميزتها التقليل من غلواء الشكل الجمالي والميتاجمالي والبلاغي.. الخ. قصائد تؤكد على المعنى الإنساني. وقد جمعت هذه النصوص في مجموعة أسميتها (ربما.. من يدري) آمل ان ترى هذه النصوص النور قريبا. واسمح لي أن أعلن عن جديدي في مجال البحث النظري فلديّ بحث عن ملحمة جلجامش بعنوان (تأويل الملحمة) عرضت جزءا من قراءتي الجديدة لملحمة جلجامش في بيت الحكمة في بغداد،وسوف يصدر قريبا.


كتاب .. ألفية ابن بركة ملحمة شعرية تؤرخ لمسيرة الحركة الاسلامية في العراق
 

المدى الثقافي
الفية ابن بركة وثيقة سياسية لتاريخ الحركة الاسلامية تم تدوينها بأسلوب معاصر جديد وذلك بطريقة الفية شعرية، و يذكر المؤلف السيد حسين بركة الشامي أن الالفية قصيدة شعرية ذات الف بيت، وهي لون من ألوان الشعر الذي درج عليه الكثير من العلماء والشعراء.
ويضيف السيد الشامي أن الالفيات ساهمت في تطور الحركة العلمية الى جانب تطور المنحى الادبي، ومن الالفيات التي ظلت خالدة في التراث الادبي والعلمي، منظومة التبصرة، والفية الدرة، وألفية محمد حسين الاصفهاني في الفقه والاصول والحكمة وتاريخ الاسلام، والفية الشهيد محمد بن محمد بن مكي العاملي في وجوب الصلاة والذي اعتمد فيها المنهجية العلمية.
ويذكر السيد الشامي عن تجربته الفريدة في توثيق الحركة الاسلامية انه عندما بدأت في هذه الالفية أدركت الصعوبة في هذا اللون من النظم، وقدرت ما عاناه السابقون في نظم ألفياتهم، وقد حدثتني نفسي بالتوقف الى حيث انتهيت، لكن قناعتي بضرورة تدوين تاريخ القضية العراقية، لا سيما ما يتعلق بالحركة الاسلامية وجهاد أبنائها.. كل ذلك أزال عني الضعف ودفعني الى المواصلة.
ويذكر السيد حسين بركة الشامي أن هذه ( الملحمة ) المنظومة أعتبرها مساهمة في كتابة تاريخ قضيتنا عما تتهم به أمتنا من ضعف. وقد أتيت على ذكر حوادث مهمة وموضوعات اجد فيها أهمية كبيرة، لكن الظروف لم تسمح بعد بنشر كل شيئ فارتأيت ان اترك فراغات في المواضيع التي أجد من المناسب ذكرها الان.
ويشرح السيد الشامي انه قد شرح أبيات الالفية شرحا موجزا لا يضاح الصورة للقارئ تاركا له الحكم فيما يتعلق بالوقائع والاحداث.
ويذكر السيد الشامي في ملاحظاته عن هذا المشروع انه لم يكتمل دفعة واحدة وانما اتضحت ملامحه في فترات متقطعة وفقا لتتابع الاحداث ومجريات القضية العراقية، وعمدت الى أتمام هذه الالفية وسد الفجوات والخلل في بنائها التاريخي والفني فأكتملت موضوعاتها منذ تسلط حزب البعث في 1968 وحتى ساعة انهياره في ذكرى أستشهاد الامام السيد محمد باقر الصدر في 9 نيسان 2003.
ويختتم السيد حسين بركة الشامي: استطيع ان ادعي أن هذه الالفية أصبحت وثيقة تاريخية مهمة لي وللأجيال القادمة بأعتباري شاهدا حيا على احداثها التي عشت تفاصيلها عن قرب وهي جزء من تاريخ العراق بكل مايحمله من حقائق خفية.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة