المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

(الـقــدامــة الـعـربـيــة) .. بين الديمومة وظاهرة التقليعة الفكرية
 

د.رياض الاسدي

عندما وقف المفكر الرائد سلامة موسى على درابزين السفينة التي تمخر به عباب المتوسط نحو مصر، كان يقرأ البيان الشيوعي وهو يلقي بأوراقه الى البحر، في محاولة للبقاء بوجه القدامة التقليدية الضاربة جذورها عميقاً في الحياة العربية.
الغريب ان سلامة موسى وهو (الفابي) المتمرس لم يستطع ان يؤسس فابية عربية بهذا المقدار او ذاك. لكنه عكف وبقوة مع ثلة من المفكرين المتغربين على تأسيس الحداثة العربية من خلال اتصالهم الدائم بالثقافة والفكر الغربيين ومحاولة تمثلهما.

لقد تربى اكثر من جيل على كتب سلامة موسى، لكني ألآن احسب ان الجيل العربي الحالي لم يعد مهتماً كثيراً بطروحات الحداثة التي دأب سلامة موسى عليها عقوداً عديدة وكان من الصعب عليه ان يفترض قيام (قدامة عربية) على هذا النحو بعد ان كان واثقاً جداً من انتصار الحداثة التي جلبها معه في معطفه وقبعته.
كان سلامة موسى يريد للمصريين والعرب ان يطلعوا اولاً على الانجازات الفكرية الغربية، فهي كفيلة- كما توقع- بنفض غبار الماضي عنهم؟ لقد اخطأ سلامة موسى التقدير لأن ماضي العرب لم يكن مجرد غبار تاريخي سهل النفخ، فهو لا يزال يحمل من معاني القوة والحركة ما يكفي كقدامة عربية.
ومن المفيد ان نعرج على المعالم الاساسية للقدامة العربية باعتبارها الملمح الرئيس المعارض في الوقت الحاضر للحداثة العربية المعاصرة. ربما يكون مصطلح القدامة العربية غير متداول على نطاق واسع في جغرافيا الثقافة العربية، وهو لا يعدو ان يكون مجرد ردة فعل مباشرة وسطحية- في نظر البعض- ناتج عن مفاهيم الحداثة وطروحاتها بكل اشكالها الكاسحة والموجية والتقليعية، لكننا نستخدمه هنا كمقاربة ضاغطة ومن الضروري ان نجد النقيض دائماً لكل حركة جديدة تتمثل في هذه الافكار او تلك وهي قوانين في حركة الفكر الانساني عموماً ولا تخرج القدامة العربية عن هذا الاطار.
هل ان القدامة العربية تقليعة ستمر مسرعة او ببطء نسبي؟ وما الذي يناله العرب من انكفائهم على مفاهيم وطروحات ورؤى ماضوية لم تقدم شيئاً مهماً لأجدادهم؟ وكلّ ما اورثهم هذا الكم الهائل من الخلافات الفقهية والصراعات التفسيرية والكلامية ووجهات النظر المختلفة للحوادث شبه الثابتة تاريخياً هو الاختلاف والاختلاف وحده؟ وهل الخوض في كل ذلك العالم القديم كفيل بإنتاج حركة فكرية بديلة عن الحداثة؟ ام انها مجرد تقليعة كما هي تقليعات الحداثة الاولى؟
واذا كانت الحداثة العربية المعاصرة
على علاتها واخفاقاتها- قد نظمت نفسها وهي تمتلك موروثاً غربياً يوضح لها الطريق من حين لآخر، هو يدعّمها بالقوة والحركة اللازمين، فإن القدامة العربية لا تقل في مصادر القوة عنها، ان لم تكن اشد منها صلابة ودواماً، فالمفاهيم السكونية الماضوية والكيانات المقدسة وروحية (النقل) الشافطة التي تقترب من الصحيح والثابت والمثالي هي من اهم عوامل قيام القدامة العربية المعاصرة، فضلاً عما تمتلكه القدامة العربية من كم هائل من المعلومات المخزونة والمشتتة في ذاكرة الامة وتاريخها يجعل منها اكثر اقتراباً للقطوعات الشعبية البسيطة في المجتمعات العربية والاسلامية في حين بدأت، ولا تزال، الحداثة كفكر تجديدي معمق تجاه الكون والمجتمع والتاريخ تسجل تراجعات مهمة ومتكررة في مجالات اجتماعية وثقافية وسياسية شتى وخاصة في الربع الاخير من القرن الماضي بعد انهيار المشروع الاشتراكي السوفيتي وانموذجه العربي الشمولي باعتباره من اهم نتاجات الحداثة العربية الحكومية في القرن العشرين.
كما ان صفة (الحداثة) التي منحت (مجاناً) للانظمة العربية السياسية قد وضعتها من جديد في موضع الغموض والتساؤل الدائم لدى عموم القطوعات الشعبية متواضعة التعليم وقليلة الثقافة. واولئك على العموم هم (جيش) القدامة العربية المعاصرة والدعاة الجدد لطروحاتها. في وقت انكفأ الحداثيون العرب عن ترجمة ماترشح عن الغرب من نظريات حداثوية جديدة وجدت طريقها في ظل ترجمات عربية متحذلقة غالباً مما ابعد انصاف المتعلمين عنها وقرّبهم من طروحات القدامة البسيطة والواضحة والمثالية برغم عدم احتوائها على حلول عملية إنسانية، وإتصافها بالقديم المتوارث دائماً.
والمشكل الكبير لدى القدامة العربية يكمن في التنوع الذي ياخذ شكل العداء المستحكم بين عموم (الإجتهادات) التي تقدمها في التواصل مع الآخر، حتى ليخال المرء انه امام (قدامات عربائية) مختلفة الرؤية والرؤيا غالباً، مما يضع القدامة امام ضرورة توحيد الخطاب من حين لآخر. لكن هذه الرغبة يصعب تحقيقها بسبب الخلافات العنيفة والأصولية التي تجتاح بنى وتكوينات القدامة العربية التي تقترب من طابع المقدس على نحو دائم. ففروع القدامة الاجتهادية ليست تنوعاً كما هو عليه الحال لدى الحداثة بل تتخذ دائماً طابع الصراع والالغاء ان لم يكن العنف والعنف المقابل. ومن هنا فأن القدامة العربية لا يمكنها ان تتجاوز ذاتها كما هو عليه حال الحداثة من خلال مشروعات ما بعد الحداثة وإمكانية إنتاج الاسئلة حول متغيرات الواقع والتاريخ من جديد.
القدامة العربية لا تمتلك اسئلة محددة بمقدار ما هي تحاول ان تمنح اجابات جاهزة اجتهادية لا تخرج غالباً عن النصوص المكتوبة، ومن الصعوبة بمكان توظيف تلك الاجابات في انتاج افكار مغايرة كما هو الحال في الطاقة الحية التي تعتمل في الحداثة. ومن هنا فإن إعادة انتاج الحداثة العربية لاسئلتها واحدة من المهمات الاساسية كشرط للمواجهة، فرؤيا ورؤية العالم من خلال منظار الماضي مع قليل من مكياج الحاضر كتزويق لابد منه غير كافية باي حال من الاحوال لأنتاج اسئلة حول ما يجب ان نكون عليه بإزاء عالم متغير ومتسارع حد التفلت.
ومما لا شك فيه ان القطيعة الكاملة مع الماضي العربي الذي حاولت ان تنتجه الحداثة العربية في بواكيرها او العمليات الساذجة لأنتاجه قد اوقعت الحداثة في اخطاء يمكننا ان نعدها ستراتيجية على المستوى الفكري حقيقة ان مستوى (التابو) في الفكر العربي كان ولا يزال كبيراً وعارماً الا ان اعمالاً مهمة من داخله لما تظهر بعد على نطاق واسع لكي تؤسس تياراً كبيراً ومتميزاً ونتج عن هذه الوضعية الشائكة ان عملت القدامة العربية على الاستيلاء على عموم الموروث وعدت نفسها (قيمة) عليه قيمومة ابوية راسخة، لذلك ومن اجل قطع الطريق على البحث الجاد من اجل اعادة الانتاج للموروث، اتجهت الحداثة مباشرة نحو ما عرف بإلغاء الذاكرة كلها باعتبارها عائقاً امام التطور الفكري للعقل العربي بيد ان تلك الحال لم تلبث طويلاً حتى بانت عورتها الكالحة امام الهجمات غير المنظمة التي شنتها القدامة العربية وسيل الاتهامات التي طالت الحداثة العربية على نطاق واسع مما افقدها مواقع مهمة في الثقافة والاجتماع..
ومن هنا فإن كثيراً من اقطاب الحداثويين العرب لم يلبثوا ان بدأوا سلسلة من اللقاءات العابرة وكتابة بعض المقالات غير المعمقة لتعويض (عقدة الذنب) في احداث القطيعة المفتعلة مع الماضي، وتدبيج مواقف سريعة ومفتعلة لرأب الصدع الكبير مع قليل من الفكر المبذول لتغيير آليات عمل علاقة الحداثة العربية بالماضي. ولكن سبق السيف العذل حيث استطاعت القدامة العربية ان تحصد الكثير من الماضي موظفة اياه لصالحها الفكري، بل عدت نفسها أباً او عرّاباً في بعض المواضع ايضاً.
ونحن
في هذه العجالة- نحاول ان نبحث في إطار القدامة العربية المعاصرة في حياتنا الفكرية والثقافية متلمسين طرقاً وعرة في ذلك، بعيداً عن تجارب المعارضة اللفظية بين القدامة والحداثة التي سبق ان نوهنا عنها، فالقدامة حركة فكرية وثقافية الى حد كبير وهي تمتلك مواقع مهمة في الحياة الثقافية والسياسية العربية على حد سواء، ولا يمكننا ان نتجاهلها بشطبة قلم كما فعل حداثيو التقليعة، وهي تحقق في كل يوم تقريباً نجاحات على ارض الواقع ان لم تكن انتصارات (تكتيكية) هنا او هناك، كما انها في الوقت نفسه تحاول تجديد خطابها لكي يبدو كخطاب الحداثة من التماسك والقدرة على التوصيل وهي تعمل في حياتنا يومياً ولها مشروعها الثقافي والفكري الى جانب مشروعات الحداثة المختلفة التي بدأت في العالم العربي منذ مطلع القرن الماضي كقوة لها مشروعها الفكري والاجتماعي والسياسي، وهي تحاول كقدامات ان تطرح نفسها بديلاً مناسباً فالقدام العربية ليست شكلاً واحداً يمكن الركون اليه.
ومشروعات القدامة تترى منذ ان بدأت بواكير الملامح للحداثة العربية، فقد ملئت رفوف المكتبة العربية بكتب الحداثة المؤلفة والمترجمة لكنها تضرب صفحاً او تتوارى عن مناقشة كتب القدامة العربية التي تصدر هنا وهناك.
لابد لنا من ان نفرق بين مفهومي الاصالة والقدامة باعتبارهما حالتي تعارض ظاهرتين حيث يشيع ثمة تطابق خاطئ بين القدامة والاصالة والتراث ونحن في هذه (المحاثية) لا نريد ان نبرئ ساحة التراث او الاصالة مما لحق بهما من صور القدامة والاستلاب لهما حتى بات من الصعب في الوقت الحاضر
في الاقل- وضع آليات فكرية محددة لتفهم الاصالة او التراث اللذين يخضعان على نحو كبير لهيمنة الماضوية.
ان القوة التي تحوز عليها القدامة العربية مؤقتة ومرتهنة بهذه المرحلة التاريخية الشائكة من حياة الامة التي شهدت ولا تزال سلسلة من الانهيارات المتواصلة، لانها في واقعها الفعلي والرؤيوي لا تمتلك تلك الجاذبية الفكرية العارمة والقوة في التأثير العميق، وان طبيعة الملتحقين بها من ابناء الجيل العربي الحالي هم من الذين اعدوا نفوسهم لعالم غاير ومن هنا فإن على القدامة العربية ان تعمل على تجديد روحها وخطابها ومكوناتها وتوحيد رؤاها من حين لآخر، مما يبعد عنها وسائل الديمومة والحياة، ولكن ليس من السهولة اجراء ذلك برغم صدق المحاولات احياناً.


رأي..نصوص على قارعة الطريق
 

عامر القيسي
في اوائل الثمانينيات من القرن الماضي قال شاعر عراقي شاب في احدى عواصم المهجر بانه سيكتب (اناشيده الخالدة) دفعة واحدة ثم يرحل عن هذا العالم ليجعل دواوين الشعر العربي الحديث تلهث وراء اناشيده لتجد لها مكاناً لائقاً على رفوف المكتبات العامة والخاصة، وكان هذا الشاعر متلبساً هذه القناعة حاملاً اوراقه تحت ابطيه كاتباً دون كلل مقاطع اناشيده في أي مكان يجلس فيه، وحين صدرت اناشيده الخالدة من احدى دور النشر العربية وعلى نفقته الخاصة، اكتشف صاحبنا بان وحي الشعر لم يكن حاضراً بما فيه الكفاية لتحقيق نبوءته الشعرية وابتدأ فيما بعد بالترويج لاناشيد ابدية جديدة لم نرها حتى اللحظة.
فضيلة صاحبنا انه اعترف بان شياطين الشعر قد خانته وانه سيعيد المحاولة ثانية لتحقيق حلمه الشعري، موقف فيه شيء من المنطق عندما يكتشف المرء ان الواقع غير الاحلام وان الامكانيات غير البضاعة المطروحة للسوق الثقافية، لكن ما هو غير موضوعي ان الكثير من (نصاصينا) في الشعر والقصة والرواية يعتقدون جازمين بان نصوصهم لا ياتيها الباطل لا من خلفها ولا من امامها وانها نصوص كاملة مكملة جاءت دفعة واحدة محمولة على اجنحة ملائكة الابداع، واي نقد، من أي لون من الوان النقد، هو بالنسبة لهم عمل تهديمي واستفزازي وتهريجي فضلاً عن قصوره عن فهم النص وتعدد مستويات قراءته وبالتالي نقده.
روى لي احد الاصدقاء ان احد الشعراء في جلسة خاصة، امطرهم بسيل من قصائده بعضها مكتوب قبل ساعات من اللقاء واخرى وليدة لحظتها والهامها المفاجئ، كما قال الشاعر، وحين تجرأ احد الحضور وابدى بعض الملاحظات على هذه القصائد، ثار الشاعر وازبد واكد ان في الامر مؤامرة.
نموذجان (لنصاصينا) يعتقد الواحد منهم ان ليس بعد نصه سوى الطوفان ولا اعتقد بان حملة مثل هذه الاراء المطلقة لم يقرأوا لماركيز حين كتب وهو بعز عظمته (الرواية التي اريدها لم اكتبها بعد) او لناظم حكمت حين قال (اجمل الكلمات لم تقل بعد واجمل اللوحات لم ترسم بعد) ولا لنجيب محفوظ الذي قال قبل رحيله (الرواية التي احلم بها ما زالت في راسي) ولا اذكر ان السياب والجواهري او الماغوط او ادونيس او رشيد بوجودرة او يوسف ادريس قد قالوا مثلاً، ان الشعر والقصة والرواية بعدهم هباء وقبلهم بلا معنى.
الانا المتورمة مرض عضال ينشأ في حاضنة (المواهب السقفية) ان جاز مثل هذا التعبير وهي حاضنة تلتهم الخلايا الصحيحة والسليمة من مساحة الموهبة، وقد تفاقمت هذه الظاهرة بعد ان اصبح بامكان الجميع ان يقدم نفسه قاصاً وشاعراً وروائياً وابعد من ذلك مؤسساً لمدرسة ادبية ومكتشفاً لمنهج جديد في الكتابة.
لسنا ضد تقديم أي نص لان النص الذي يمتلك مقومات الحياة والبقاء سيفرض نفسه وتبقى قيمة النصوص الاخرى بقيمة الحبر الذي كتبت به لكننا ضد الادعاء مهما كان نوعه وشكله والجهة الصادرة منه والاجدى للمدعين، من باب التواضع، ترك مهمة تقييم نصوصهم للنص نفسه وللقارئ والناقد فالنص المبدع والموهوب عادة ما يفرض نفسه على القارئ والناقد والساحة الادبية التي تغربل البضاعة المطروحة لتقدم لنا نص الحياة.
ان الاوهام التي نقف ضدها هي الاوهام التي ستؤدي بمن يغرق فيها الى لحظة يصطدم بها راسه بجدار حقيقة مواهبه وابداعاته الكونية التي لا مثيل لها وعندها يكون قد فقد الزمن والنص والموهبة.


صدر عن (المدى): مــــونــــودرامـا.. ماركس في سوهو
 

زياد عبد الله
صدرت عن دار المدى للثقافة والنشر مسرحية الكاتب الامريكي هوارد زين (ماركس في سوهو) ونقلها الى العربية الحارث النبهان وقد صدرت هذه المسرحية التي هي من نوع المونودراما عام 1999 عن مؤسسة ساوث اند للطباعة وهي بالتالي تعد اخر اعمال زين المطبوعة.
وكان هوارد زين قد اصدر قبل ذلك كتاباً مسرحياً مشتركاً مع سارجنت ولكين بعنوان (ايما) عام 1986 عن الفوضوية النسائية الامريكية ايما غولدمان، وكان هوارد زين قد اصدر قبل ذلك كتاباً في النقد السياسي عام 1964 بعنوان (دعاة الغاء الرق الجدد) وبحثا في (سياسات التاريخ) عام 1990 و(اعلانات الاستقلال) في نفس العام وعدداً من الكتب السياسية والتحريضية الاخرى لاقامة نظام شعبي جديد في الولايات المتحدة.
اشتهر هوارد زين قبل ذلك بكتابة تعليقاته على (التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الامريكية) وتوسيع ملاحظاته الى مراجعة كاملة وشاملة تميزت بالنقد والتصحيح وقد صدر هذا العمل عام 1995، ثم اصدر بعد ذلك كتاباً بعنوان "قارئ زين" وهو مجموعة كتابات عن الديمقراطية والعصيان، ثم اصدر عام 1999 كتابه المثير (مستقبل التاريخ) الذي تكون عبر مقابلات متعددة مع المؤرخ ديفيد بارساميان.
ولد هوارد زين في ثلاثينيات القرن الماضي زمن الركود الاقتصادي ووالده مهاجر من النمسا كان يعمل بكد يومي هو وزوجته لتأمين معيشة اسرته الكبيرة.
كتب زين في مقدمة عمله المسرحي انه قرأ البيان الشيوعي وهو صبي فتاثر بافكاره وآمن بان النظام الراسمالي سيغادر المسرح ذات يوم ليحل محله نظام اشتراكي وقد سعى
مثلما اراد البيان- الى تحقيق العدل عن طريق التظاهر ضد الرأسمالية فنالته ضربة هراوة على رأسه من رجل من الشرطة السرية خلال التظاهرة افقدته الوعي وتأكد من ان الدولة عبارة عن لجنة لادارة الشؤون العامة للبرجوازية.
تثقف زين وهو عامل في سفن على عرض انكلز للفلسفة الماركسية في كتابه (ضد دوهرينغ) فهم عملية الاستغلال والصراع الطبقي.
ويستمر زين في تحليل فهمه لموقف الرأسمالية كقوة تقدمية في مرحلة من التاريخ ثم تحولها الى قوة قمعية للمجتمع بعد ذلك.
خدم زين في الجيش كقاذف قنابل خلال الحرب الثانية ثم ذهب الى الكلية والمدارس العليا بعد تسريحه ليدرس التاريخ ثم ليحاضر فيه على طلبة كلية سبيلمان ثم جامعة بوسطن وهو يهتم بالدراسات عن الفوضوية بحيث نظم حلقة بحث في جامعة بوسطن عن الماركسية والفوضوية ودرس زين شخصية ماركس من خلال قراءاته عدداً من السير التي كتبها قريبون منه وقرأ كتاب الانكليزية ايفون كاب عن حياة ابنته اليانور وبدأ يخطط للكتابة عن ماركس كرب اسرة واب لبنات ثلاث واعاد تخطيط الحركة اليومية لشخصية ماركس الشاب والاب والزوج والسياسي ليصنع منها مادة مسرحية تصور حياة ماركس
على لسانه وبلسانه- في عالم اليوم وهو يعيش تجارب الغورباتشوفية وسقوط التجربة السوفيتية كدولة.
في النص المسرحي المونودرامي يبدو ماركس لاول وهلة كما نعرفه من خلال صورته التقليدية ولكن مع بعض التطوير حيث يبدو اقل شيخوخة واكثر نضارة ويحمل كيس تسوق يخرج منه كتباً وزجاجة بيرة وكأساً ويبدأ الحديث مباشرة للجمهور معبراً عن افكاره وتحولاتها مؤكداً انه دعا الى دكتاتورية البروليتاريا ولم يتحدث عن دكتاتورية اللجنة المركزية ولا دكتاتورية الفرد مهاجماً باكونين وافكاره وطريقة حياته ، ولا تبدو المسرحية مادة ذكريات تاريخية او دفاعاً عن افكار ماركس بل عن ماركس الجديد الذي تخيله هو بعد مئة وخمسين عاماً حيث يمسك ماركس بالصحيفة ويقرأ:
"الذكرى السنوية لحرب الخليج نصر سريع حاسم وجميل ، نعم اعرف تلك الحروب السريعة والجميلة التي تخلف الاف الجثث في الحقول وتخلف اطفالاً يموتون بسبب قلة الطعام والدواء" ثم يلوح بالجريدة ويتحدث عن الحدود في اوربا وافريقيا وفلسطين داعياً الى محو تلك الحدود وترك الانسان يتجول حراً في هذا العالم مؤكداً انه لم يدرك قدرة الرأسمالية على الاستمرار حتى يومنا هذا بحيث ان الحروب التي صنعتها جعلت الصناعة تستمر وجعلت الناس يجنون وطنية بحيث ينسون بؤسهم ويجنون تطرفاً دينياً يعد الناس بعودة المسيح .
ويستمر ماركس بتحليلاته على المسرح المفترض الذي انبثق في سوهو- حي الضياع والتشرد والعنف والجنس في لندن- مؤكداً على الناس ان يتحركوا وان يستخدموا ثروة الارض من اجل خير البشر ليختم العرض بقوله "اعطوا الناس ما هم بحاجة اليه: الطعام والدواء والهواء النظيف والماء النقي، اعطوهم اشجاراً وعشباً، اعطوهم بيوتاً تسر نفوسهم بالعيش فيها، اعطوهم بعض ساعات العمل وساعات اكثر للفراغ، لا تسألوا عمن يستحق ذلك. كل كائن بشري يستحقه. " ويجمع ماركس اغراضه ويستدير قائلاً وهو يودع الحاضرين: "هل كرهتم عودتي وازعاجي لكم؟ انظروا للامر بهذه الطريقة: انه العود الثاني لم يستطع المسيح فعله لذلك عاد ماركس".
والسؤال هنا: هل عاد ماركس حقاً ام انها عودة مفترضة في ذهن هوارد زين الذي كرس حياته لخدمة التجديد في البنية الماركسية بطرق عدة منها المسرحية وكتابة المادة التاريخية ليبدو اكثر حرية من كثيرين من الذين اسهموا كجدانوفيين في ضياع الكثير من افكار ماركس عن طريق التطبيق الانتقائي لها وضياع تجربتها الفريدة بعد ذلك على يد المدعو غورباتشوف بارون الرأسمالية الجديد الضائع.


غانم حداد..ساحر المعزف ونديم القوس والوتر
 

دريد الخفاجي
ولج عالم الموسيقى في الثلاثينيات حين شُكلت في بغداد أول فرقة نشيد مركزية،وكانت بإشراف الفنان التربوي الراحل حنا بطرس، الذي اختار أعضاءها من طلبة عدة مدارس، أما الهدف الذي تشكلت من اجله الفرقة فكان إلقاء الأناشيد في إذاعة قصر الزهور التي يشرف عليها الملك غازي شخصياً، وقد كان الصغير غانم احد أعضاء هذه الفرقة التي زارت العديد من المحافظات لتقديم النشاطات الفنية وإحياء المهرجانات الوطنية والرياضية.
أغمض جفنيه لدقيقة ورسم ابتسامة صغيرة وهو يتذكر طفولته، واستأنف كلامه: " اتذكر إن الملك غازي قد أمر قبل موعد الاحتفال بعيد الأضحى بخياطة بدلات موحدة للفرقة ، وبعد وفاة الملك انحلت الفرقة، وقتها اقترح الأستاذ حنا بطرس تعليمنا العزف على الآلات الموسيقية النفخية، وتحمس بعض الزملاء للفكرة وبدؤوا بأخذ تمارين في العزف على الآلات النحاسية، وكانوا يتدربون في معهد الموسيقى الذي كان الأستاذ حنا بطرس مديراً له، وأثناء وجودنا في المعهد فوجئنا بتعيين الشريف محيي الدين حيدر الذي كان عازفاً مشهوراً على آلتي العود والتشيلو عميداً للمعهد ". وللتوضيح تجدر الإشارة إلى أن وزارة المعارف العراقية عقدت العزم على تأسيس أول معهد لتدريس الموسيقى في العراق في عام 1936 وقد خاطبت الوزارة المذكورة الموسيقار الشريف محيي الدين حيدر عبر رسالة للاستفادة من خبرته العالمية كونه قد تعلم الموسيقى الشرقية على يد كبار أساطين الموسيقى في تركيا قبل أن يدرس الموسيقى العالمية في أميركا التي عاد منها إلى تركيا بعد أن طاف العديد من مدن العالم وقدم حفلات للعزف على آلتي العود والتشيلو ونال منها شهرةً عالمية. وقد أرسل الشريف محيي الدين حيدر رسالة مستفيضة شرح فيها رأيه في الفكرة وأجاب على كل التساؤلات بخصوص نظام المعهد والمواد التي تدخل في مناهج الدراسة فيه، وحين تلقت الوزارة رسالة الشريف محيي الدين حيدر باشرت بتأسيس المعهد في العام نفسه وسمي بمعهد بغداد للموسيقى وكان مقره في محلة المربعة ببغداد في منزل استأجرته الوزارة لهذا الغرض وعين الأستاذ حنا بطرس مديرا للمعهد في الوقت الذي وجهت فيه الوزارة الدعوة للموسيقار محيي الدين حيدر للحضور إلى العراق والمساهمة في تأسيس المعهد وتهيئة الكادر الفني الذي سيعمل فيه، ولم تمضٍِِ إلا أيام قلائل حتى حط الرجل رحاله في بغداد يرافقه اثنان من زملائه الفنانين وهم ساندو آلبو وجوليان هيرتز، الأول عازف وخبير في آلة الكمان، والثاني عازف ومؤلف موسيقي وكلاهما يعزفان برفقة الشريف محيي الدين حيدر في تشكيل ثلاثي عرف بعد ذلك باسم ثلاثي البيانو والكمان والتشيلو بعد أن قاموا بتقديم ربع ساعة من الموسيقى العالمية في الإذاعة اللاسلكية اسبوعياً ضمن برنامج فاصل من الموسيقى الغربية وقدموا في بغداد حفلات عديدة في قاعة الملك فيصل باسم ثلاثي أساتذة المعهد، وكونوا اللجنة التي تولت اختيار طلبة المعهد مع الأستاذ حنا بطرس الذي أصبح معاوناً للعميد بعد أن أصبح الموسيقار الشريف محيي الدين حيدر عميداً للمعهد.
ويتذكر الأستاذ غانم حداد علاقته الأولى بآلة الكمان فيقول " أحببت آلة الكمان وتقدمت أنا وشخصِِ آخر للدراسة في قسم الآلات الوترية وتم قبولي بالمعهد، بعد تلك الفترة وجدنا من شجعنا حتى نتعلم، فبعد المقابلة التي اجتزتها اختارني الأستاذ ساندو آلبو لفرع الكمان ودرست بإشرافه ثلاث سنوات كنت خلالها أنال رضا جميع الأساتذة، إلا إنني تعرضت فجأة لحادثٍ كسرت على أثره ذراعي اليسرى مما سببت لي آلاماً راحت تمنعني من مواصلة التمرين، وبعد شفاء الكسر نهائياً استمر الألم يعاودني أثناء العزف فقررت ترك المعهد وكان أمراً مؤسفاً لي ولأستاذي الذي روى لعميد المعهد ما حصل معي ونيتي ترك الدراسة بعد أن أوصلني إلى مستوىً متقدم قياسياً، ويومها أرسل الموسيقار الشريف محيي الدين حيدر بطلبي وقال لي؛ ((سمعت إن حادثاً أصاب ذراعك ما جعلك تتأخر في دراسة الكمان وأنا اقترح عليك تغيير آلة الكمان والانتقال إلى العود وتستمر في الدراسة لان من المؤسف أن يترك المعهد طالب بمثل موهبتك، والعود آلة جميلة وواسعة التعبير ولها أعمال كثيرة وان شاء الله ستوفق فيها مستقبلاً)) ثم امسك بعوده وقال ((انظر)) وأعطاني العود وقال ((حرّك أصابعك، هل تشكو من شيء ؟.. غداً تحضر دفترك وتنتظم في الدراسة معي)) ومازلت احتفظ بهذا الدفتر الذي كتب فيه الشريف محيي الدين حيدر تماريني الأولى ".
وقد درس الأستاذ غانم حداد العزف على العود لمدة سنتين حتى تخرجه من المعهد في عام 1946، ولحبه آلة الكمان وتعلقه الكبير بها كان يطبق عليها ما يحصل عليه من معلومات فنية ومقطوعات موسيقية شرقية في دراسته آلة العود، وكان يلاقي التشجيع من أصدقائه حين يعزفون سوية في المعهد وبشكلٍ خفي لأن الكمان الشرقي ممنوع في المعهد. وبعد التخرج استمر في حياته الفنية وكان موعودا ًببعثةٍ دراسيةٍ إلى الهند والى بريطانيا لمدة سنة على نفقة مجلس الاعمار، ولكن البعثة ألغيت بسبب تغير الظروف العامة للبلد بعد الحرب العالمية الثانية، وعين بوظيفة رسام هندسي في القسم المعماري لمديرية الأشغال العامة لمدة ثماني سنوات فضلاً عن عمله المسائي في دار الإذاعة والتلفزيون رئيساً للفرقة الموسيقية ومشرفاً على القسم الفني الموسيقي في الإذاعة الكردية، حتى استدعاه الشريف محمد أمين حيدر (الأخ الأصغر للشريف محيي الدين) الذي أصبح عميداً للمعهد في تلك الفترة للتدريس في المعهد وطلب تعيينه في المعهد مع احتساب مدة خدمته واحتفاظه بمسؤولياته الفنية المسائية في الإذاعة والتلفزيون التي قطعت علاقته بها بعد تمتعه بزمالة دراسية في براغ بجيكوسلوفاكيا لمدة سنه ونصف وعودته بعد إكماله البعثة للتدريس في القسمين الصباحي والمسائي في المعهد الذي أصبح اسمه معهد الفنون الجميلة بعد توسيعه بإضافة أقسام أخرى كالرسم والنحت والمسرح وغيرها.
في أواسط السبعينيات، رأس الأستاذ غانم حداد وفد وزارة الإعلام الذي زار تركيا وقد أجرت معه الصحف والإذاعات آنذاك العديد من الحوارات والمقابلات الصحفية التي شرح من خلالها تطور حركة الموسيقى في العراق ودور التربية الموسيقية فيها، ومن بينها لقاء تحدث فيه عن تأسيس معهد بغداد للموسيقى واستكماله لفروع مختلف الآلات الموسيقية وتطوره إلى معهد فني تدرس فيه كل الفنون الجميلة وتعميم التجربة في أكثر من محافظة عراقية وتخلل حديثه ذكر لأستاذه الشريف محيي الدين حيدر ما أثار انتباه السيدة صفية آيلة زوجة أستاذه الراحل والمغنية التركية الشهيرة التي كانت تستمع إلى هذه المقابلة الإذاعية التي أجريت في السفارة العراقية بأنقرة صباحاً في اليوم نفسه الذي سيقدم فيه الوفد الفني العراقي حفلاً مسائياً. يقول الأستاذ غانم" ابتدأ الحفل الساعة السابعة مساءً وبصفتي رئيساً للوفد سأحيي الجمهور الجالس في قاعة كمال أتاتورك تتوسطهم السيدة صفية آيلة المغنية التركية القديرة وزوجة أستاذي بعزف مقطوعة للشريف محيي الدين حيدر، وما أن لامست أصابعي الأوتار حتى عمّ صمتٌ مطبق فجر طاقتي الأدائية وجعلني اعزف من كل حواسي، وأثناء العزف نظرت إلى صفية آيلة التي وقفت بعد انتهاء الحفل واقتربت مني، حينها قلت لعريفة الحفل بأنني اجهل التركية فقالت ((السيدة صفية تقول اقدر حكي كلمة)) فأجبتها بأنني انتظر هذا الموضوع، سارت بعد ذلك خطوات قليلة نحو المايكروفون الذي كان أمامه باقة من الزهور وقالت ((أنا سعيدة جداً جداً بهذا الحفل الذي استمعت فيه إلى فن من الفنون العراقية الأصيلة وأكثر ما أسعدني وشرفني هو تلميذ زوجي الفنان غانم حداد، وبعد أن استمعت إلى أعمال المرحوم زوجي سأقدم للوفد العراقي هدية بهذه المناسبة العزيزة وهي أغنية عربية تعلمتها قبل بضع سنين من الفنانة أم كلثوم أثناء لقائي بها وسأغنيها لكم قدر ما أستطيع أن أتذكر من كلماتها العربية))، وابتدأت بغناء أغنية (يا ليل الصبّ متى غده) بصوتها الشجي، ولم تقدر أن تؤدي أكثر من المذهب وبيت شعري واحد، يومها لا أستطيع أن اصف إعجاب الجمهور بتلك الأمسية. ".
وقد شارك الأستاذ غانم حداد في العديد من المهرجانات والمؤتمرات الفنية المحلية والدولية وسجلت له الإذاعات العربية والأجنبية عشرات الساعات من العزف الانفرادي على آلتي العود والكمان الشرقي اللتين أبدع فيهما، وقد أسس مع كل من عازف العود الموسيقار الراحل روحي الخماش وعازف التشيللو الأستاذ الراحل حسين قدوري وعازف القانون الأستاذ سالم حسين و عازف الرق الفنان إبراهيم الخليل خماسي الفنون الجميلة، وقدمت فرقة الخماسي العديد من الحفلات داخل وخارج العراق تضمنت مختلف ألوان الموسيقى العراقية والعربية والقوالب الكلاسيكية كالسماعيات والبشارف واللونغات والمقدمات والتحميلات الموسيقية تتخللها باقات من الارتجال الانفرادي والتقاسيم الكلاسيكية، كما ألّف الأستاذ غانم حداد مؤلفات مهمة لآلة العود منها واشهرها؛ سولاف ومزاهر وسماعي لامي وسماعي رست ورقصة الغجرية و فراشة، وقام بوضع دراسات وتمارين ومقدمات متميزة من وحي التراث الموسيقي العراقي، وقد تتلمذ على يديه المئات من طلاب الموسيقى وهواتها وكانت من بينهم أسماء لامعة في مجال الموسيقى مثل أستاذ العود معتز محمد صالح وعلي الإمام وصلاح القاضي وسالم عبد الكريم وسامي نسيم وآخرين.
يتميز أسلوب الفنان غانم حداد في العزف على العود والكمان بالبساطة في بناء الجمل والتراكيب الموسيقية، والاستغراق في التأمل أثناء الوقفات بين الجمل الموسيقية و أغناء الأداء بتقنيات (الفيبراتو) أي النغمات المهتزة و(التريل) أي زغردة النغمات بالتناوب السريع بين نغمتين و(الكليساندو) أي الزحف التدريجي على لوحة الأصابع وتفادي العزف على الأوتار المطلقة مع توخّي الدقة في الانتقال بين المقامات والأوزان الموسيقية ما يمنح المستمع فرصة الاستيعاب وتذوق التطريب الملتزم بأصول المقام العراقي والموسيقى العربية الكلاسيكية من رجلٍ خبرَ تراث بيئته وامتلك مفاتيح صنعته.


سلفيا بلاث الوجه الآخر للحياة
 

ترجمة عمار كاظم محمد

ولدت سلفيا بلاث في بوسطن عام 1932 وترعرعت في بحبوحة الطبقة الوسطى.
قبلت في كلية سميث. كانت تعاني انهيارا عصبيا في نهاية سنواتها في الكلية لكنها تماثلت للشفاء جيدا لكي تعود وتتفوق خلال سنوات نضجها.
في عام 1955 قبلت في زمالة فولبرايت الدراسية وقد بدأتها بسنتين في جامعة كمبريدج وهناك التقت وتزوجت من الشاعر البريطاني تيد هيوز واستقرت في إنكلترا وأنجبت طفلين.
في عام 1960 ظهر أول ديوان شعري لها بعنوان (المارد) وقدمها كموهبة واعدة لكنه كان أكثر تقليدية من الأعمال التي تلته، لقد درست مع روبرت لويل ابتداء بعام 1959 وتأثرت كثيرا بأسلوب الاعترافات في مجموعته (دراسة الحياة) فلقد أقدمت على عمل جديد اكسبها سمعة بعد وفاتها كشاعرة كبيرة.
فلقد كان تسجيلا مرعبا لمرضها الذهني المتزايد. تلك الأشعار التي جمعت بعد انتحارها عام 1963 في عمر الثلاثين في أجزاء هي (آريل) (عبر الماء)و(أشجار الشتاء) لقد كانت تصويرا لرقصة الموت، هاذية بصورها, لكنها مليئة بسخرية لاذعة وتقنية متألقة وعاطفة قوية رائعة. طبعت أعمالها الكاملة بواسطة زوجها الشاعر تيد هيوز عام 1985.

(السيدة اليعازر)

لقد فعلتها مرة ثانية..
مرة كل عشر سنوات....
لقد فعلتها...
بشرتي لامعة كمصباح نازي...
قدمي اليمنى بوزن الورقة
ووجهي بلا ملامح
كبياض أكفان اليهود
تتفتح عن منديل
يا عدوي
هل أفزعتك ؟
الأنف، حفرة العين، طقم الأسنان
الأنفاس العفنة
ستتلاشى في يوم ما
حالا، حالا
كهف القبر الآكل سيكون
في بيته معي...
أنا امرأة باسمة في الثلاثين
و كالقطط لدي تسعة أرواح...
هذي هي المرة الثالثة...
يا لها من مزبلة
أن أتلاشى مع كل انحطاط
يا له من مليون من الأسلاك....
الكثير من الفستق يكسر لكي يرى
وهم يفكون يدي و قدمي
التعري الكبير...
أيها السيدات والسادة...
هذي هي يداي...
كوعي....
وأنا مجرد جلد و عظم...
مع ذلك، أنا كما أنا، امرأة متناقضة
أول مرة حدث ذلك كنت في العاشرة
كان حادثا....
في المرة الثانية أنا قصدتها
أن تكون الأخيرة وأن لا أعود أبدا
وهززت المدخل
كقوقعة بحرية
و كان عليهم أن ينادوا و ينادوا
و أن يحركوني كلآليء لزجة
فالموت....
فن، كباقي الأشياء...
و قد افعله بشكل متميز ...
قد أفعله لكي أشعر بشيء كالجحيم
و قد أفعله لكي أشعر بالحقيقة
أظن أنك ربما قلت لدي مكالمة
انه سهل كفاية لكي تفعله في حجرة
انه سهل كفاية لكي تفعله و تبقى صامتا...
انه نظريا أن تعود في وضح النهار
إلى نفس المكان، ونفس الوجه، و نفس البهيمية...
صرخة لطيفة
(معجزة... !)
قذفت بي خارجا
هناك شحنة لرؤية مخاوفي...
وهناك شحنة لسماع قلبي
و هو يعمل.....
وهناك شحنة، شحنة كبيرة جدا
لكلمة أو لمسة أو قطرة دم.....
أو خصلة من شعري و ملابسي...
لذلك، لذلك، أيها السيد الطبيب
لذلك أيها العدو....
أنا معزوفتك....
أنا قطعتك الثمينة...
الطفلة الذهبية النقية...
التي تحركت لتصرخ
لقد استدرت و احترقت...
لا تعتقد أني اقلل من شأنك العظيم...
صمتا، صمتا...
أنت تحرك و تخلط
اللحم، العظم، لا شيء هناك
قطعة من الصابون...
خاتم الزواج....
حشوة ذهبية ....
أيها الرب، أيها الشيطان
فلتعرف، لتعرف
من الرماد
سأنهض بشعري الأحمر
وآكل الرجال كالريح........


ذاكرة الخلود..مجموعة شعرية جديدة للشاعر سبتي الهيتي
 

عرض /المدى الثقافي

عن دار آراس للطباعة والنشر، في أربيل عاصمة كردستان العراق، وضمن السلسة الثقافية، صدرت مجموعة شعرية جديدة للشاعر سبتي الهيتي، تحمل عنوان (ذاكرة الخلود، ديوان المراثي) ضمت المجموعة عدداً من القصائد التي رثى فيها اصدقاءه، منها قصيدة بعنوان اطوار يقول فيها:
سلها فما رحت روحاً تطوف بنا
بأي ذنبً اباحوا قتلنا فيها.
وفي قصيدة أخرى يرثي فيها شهداء جسر الائمة يقول فيها
يا ألف زنبقة بيضاء قد عرجت
راد الضحى صوب باريها لتلقاه
وكتب د/ نعمة رحيم العزاوي، مقدمة للمجموعة جاء فيها:
فالفاظ الشاعر سبتي الهيتي الفاظ جزلة، تتسم بالفصاحة والطرافة، وتنأى عن الابتذال، وصوره من نسج خياله، وبما سمحت به قدرته على التصوير، وليست منقولة عن الآخرين.
ومما يذكر ان دار الشؤون الثقافية، اصدرت له في وقت سابق، مجموعة بعنوان "ديوان أوراق مسافر".

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة