اراء وافكار

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

دراسات نظرية :معــاينة الخصائص المهمـة للاتحــادات الفـدراليـــة المعاصرة

قراءة: علاء المفرجي
انطلاقاً من الاهتمام المتزايد في جميع انحاء العالم بتبني المؤسسات الفيدرالية التي شملت ما يزيد على40% من سكان العالم، تنضح فيها المعالم الاساسية للاتحاد الفيدرالي تبرز الفائدة من الدراسات النظرية لسير الانظمة الفيدرالية في ارجاء العالم، لمعاينة الخصائص المهمة للاتحادات الفدرالية المعاصرة والاستفادة من تجارب الشعوب في تطبيق المبائ الفيدرالية.

ومن هذا الاطار تأتي اهمية كتاب "الانظمة الفدرالية" لمؤلفه رونالد ل. واتس الصادر عن منتدى الاتحادات الفدرالية في كندا.. والكتاب هو طبعة ثانية مأخوذة من عمل سابق للكاتب باللغة الانكليزية تحت عنوان "مقارنة بين الانظمة الفيدرالية" عام 1999، باضافات اعتمدت تحديث النص ليشمل الحالة الراهنة في الفدراليات المتعددة حتى عام 2006، والاستفادة من الدروس العامة التي يمكن لجميع الفدراليات ان تستفيد منها.
يتناول الفصل الاول من الكتاب عدداً من القضايا العامة مثل اهمية وحدود الدراسات المقارنة، وتاريخ الفدرالية وارتباطها بعالم اليوم، اضافة الى القضايا المفاهيمية المتعلقة بمفهوم الفدرالية، وتصميم وسير الاتحادات الفدرالية.. يذهب المؤلف في هذا الفصل الى المقارنة بين الانظمة الفدرالية التي يرى انها تتطلب شيئاً من الحذر باعتبار انه لا يوجد نموذج فدرالية صاف يمكن تطبيقه في كل مكان، كما لا يمكن اختيار نماذج الفدرالية كيفما يشاء، ذلك انه عندما يتم تطبيق مؤسسات متشابهة، فان وجود ظروف مختلفة قد يؤدي بهذه المؤسسات لان تعمل بصورة مختلفة.
وبينما يرى المؤلف ان الولايات المتحدة هي اول من اعتمدت نظاماً فدرالياً حديثاً، فانه يشير الى ان تاريخ الفدرالية هو اقدم من ذلك بكثير حيث تشير الوثائق التاريخية الى ان اول نظام فدرالي قد نشأ قبل اكثر من 3200عام مثل التحالفات الكونفدرالية بين القبائل البدوية والسكان الاصليين في اميركا الشمالية والتحالفات المبكرة بين الدول الهيلينية فيما يعرف اليوم باليونان واسيا الصغرى فيما شهدت العصور الوسطى مدناً تتمتع بالحكم الذاتي بشمال ايطاليا والمانيا كما اقامت الكانتونات في سويسرا روابط على شكل اتحادات كونفدرالية لاغراض التجارة والدفاع وبوجود 25 اتحاداً فدرالياً تضم نحو 2 مليار من السكان أو 40% من مجموع سكان العالم، تحتوي على حوالي 480 ولاية فدرالية، فان عدداً من الاسباب تقف وراء هذا التوجه الدولي نحو تجميع السيادة بين الدول بمختلف اشكال الفدرالية (الاتحاد الاوربي نموذجاً) منها التطورات الحديثة في المواصلات، والاتصالات الاجتماعية والتكنولوجية التي شكلت ضغوطاً باتجاه تنظيمات سياسية كبيرة واخرى صغيرة في آن واحد، اضافة الى الوعي المتزايد في ان الاقتصاد الذي يتخذ طابعاً عالمياً بشكل متزايد، قد اطلق بحد ذاته قوى اقتصادية وسياسية تدفع الى تقوية الضغوط الدولية والمحلية على حد سواء على حساب الدولة
الامة التقليدية.
وبينما يعرض المؤلف نظرة عامة موجزة عن 12 اتحاداً فدرالياً يشملها موضوع كتابه وهو يحدد السمات المميزة لكل منها فانه يعاين كيفية انعكاس التوازن بين الوحدة والتنوع داخل المجتمعات الفدرالية المختلفة على التوزيع الداخلي للسلطات الدستورية ويعاين كذلك علاقة المسؤوليات التشريعية والتنفيذية لكل منها، والاختلافات في نمط توزيع السلطات ونطاق المسؤوليات الموكلة لكل جهة حكومية في الفدراليات المختلفة، معززاً ذلك بتحليل وعرض صورة جداول حيث يوضح نموذجاً للتنوع الشديد بين الاتحادات الفدرالية، ويخصص المؤلف فصلاً عن توزيع الموارد المالية داخل الفدراليات، وهو بجانب مهم لانه يمنح او يحصر ما يمكن للجهات الحكومية المختلفة داخل كل اتحاد ان تقوم به في ممارسة المسؤوليات التشريعية والتنفيذية الموكلة لها دستورياً. وقد عمد الى عقد مقارنة بين تخصيص العائدات والنفقات المالية في مختلف الاتحادات الفدرالية.. كما يعرض الاجراءات التي تبنتها الاتحادات الفدرالية من اجل تحقيق المزيد من المرونة العامة والتعديل التوافقي من خلال التعاون الحكومي، كذلك بحث المزايا النسبية للفدرالية التعاونية والتنافسية واثارها على المسألة الديمقراطية.
وناقش الكتاب موضوع التماثل واللاتماثل بين الوحدات المكونة داخل الاتحاد الفدرالي مميزاً بين اللاتماثل السياسي واللاتماثل الدستوري القائم بين الوحدات المكونة داخل الاتحاد لقد احدث اللاتماثل الدستوري، او على مناصرته، في بعض الاتحادات ضغوطاً مضادة للتماثل، مما اوحى بوجود حدود قد تصبح عندها اللاتماثلية الشديدة مختلة الوظيفية غير ان الاقرار ببعض اللاتماثلية الدستورية العامة في عدد من الاتحادات الفدرالية انتج وسيلة فعالة للتكيف فيما يخص الاختلافات الكبرى في المصالح والضغوط من اجل الحكم الذاتي بين الوحدات المكونة.
في الفصل الاخير من الكتاب يعرض المؤلف اهمية التقبل العام للقيم والاجراءات الاساسية المطلوبة لسير الانظمة الفدرالية بفعالية من قبل الاعتراف الصريح بالهويات والولاءات المتعددة، وقوة الاحساس بالاغراض والاهداف المشتركة.


خبـراء الفقــه الإسلامــي وعضويــــــة المحكمــــة الاتحاديــــة العليـــا
 

هادي عزيز علي
ان الحاجة إلى وجود جهة قضائية تأخذ على عاتقها النظر في موضوع دستورية القوانين امر في غأية الاهمية، لما يتمتع به القضاء من استقلال وحياد، بعيداً عن -هوى واراء السياسيين، لذا فقد عمدت معظم الدول إلى تشكيل محاكم دستورية، واختارت لها افضل القضاة علماً وسلوكاً، لكي يفصلوا في موضوع دستورية القوانين، لكون القضاء هو الجهة الوحيدة المؤهلة مهنياً للفصل في الموضوع المذكور.

وقد نص الدستور الجديد على تشكيل المحكمة الاتحادية العليا بموجب أحكام المادة (92) منه على:- (تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة وخبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسن بأغلبية اعضاء مجلس النواب). وفي هذا النص أشكالات عدة لعل اهمها الخلط بين المحكمة الدستورية والمجلس الدستوري من جهة الصلاحيات، اما الاشكال الثاني موضوع مقالنا هذا، فهو موضوع عضوية خبير الفقه الإسلامي، فهل ان هذه العضوية تعطيه حق التصويت، ام ان رأيه ينحصر في الخبرة الواردة في النص، لقناعتنا ان للقضاء والخبير وظيفتين مختلفتين تماماً، خلافاً للأصوات التي تشم منها رائحة السياسة التي تقول ان لخبير الفقه الإسلامي صوتاً حاله حال القاضي في المحكمة المذكورة. ولغرض الوقوف على الجانب القانوني لهذا الموضوع لابد من إلقاء الضوء على المقصود بالخبرة، ليتسنى لنا الوقوف على رأي المشرع في هذا الموضوع.
عرفت الدول نوعين من الرقابة على دستورية القوانين هما الرقابة السياسية والرقابة القضائية، ولكل واحدة منهما أهدافها وأسبابها، وطريقة تشكيل الهيئة الرقابية، ولنأتي على بيان وجيز لكل واحدة منهما:-
1-
الرقابة السياسية: التي يطلق عليها الرقابة اللاقضائية، حيث عمدت بعض الدساتير إلى تشكيل هيئة سياسية، مهمتها التحقق من مدى مطابقة مشاريع القوانين للدستور، أي ان مهمتها تنحصر في مراجعة مشاريع القوانين (ما دام مشروعاً)، وقبل وصوله إلى السلطة التشريعية، لذا فهي رقابة وقائية لدرء لا دستورية مشاريع القوانين. ولعل النموذج الذي يعبر عن هذه الحالة والأكثر تداولاً هو النموذج الفرنسي الذي يسمى بــ (المجلس الدستوري)، الذي أخذ على عاتقه تلك المهمة، اضافة إلى مهام اخرى، كالأشراف على صحة الانتخابات الخاصة برئيس الجمهورية، وصحة عمليات الاستفتاء واعلان نتائجها، وتقديم المشورة إلى رئيس الجمهورية، ويتشكل هذا المجلس من عدة أعضاء بضمنهم بعض رؤساء الجمهورية السابقين.
2-
الرقابة القضائية: تجري الرقابة القضائية على دستورية القوانين بطريقتين، الأولى تسمى رقابة الالغاء، وهي الرقابة القضائية بطريقة الدعوى المباشرة، والثانية تسمى الدفع بعدم الدستورية:
أ- خولت دساتير بعض الدول الأفراد، أو بعض الهيئات المرتبطة بالدولة، الحق بالطعن بعدم دستورية قانون ما، عن طريق اقامة دعوى مباشرة أمام القضاء. وقد وصفت هذه الدعوى بكونها دعوى موضوعية، وليست دعوى شخصية، لأن الدعوى هنا تخص القانون المخالف للدستور.
ب- رقابة الامتناع (الدفع بعدم الدستورية): وهذه الطريقة تفترض وجود دعوى معروضة أمام القضاء
مهما كان نوع الدعوى فيدفع الخصم إلى القول بأن خصمه قد أسس دعواه على قانون يتعارض مع أحكام الدستور. فتلجأ المحكمة والحالة هذه إلى تدقيق الدفع، فإن اقتنعت بصحته ووجدت ان القانون موضوع الدعوى يخالف الدستور، فلها أي المحكمة ان تمتنع عن تطبيق ذلك القانون لعدم دستوريته، والامتناع هنا يأتي حصراً على هذه الدعوى، ولا يتعداها إلى الدعاوى المماثلة التي لم يطعن فيها بعدم الدستورية.
هذه المقدمة البسيطة التي تحدد موقع القاضي من موضوع عدم دستورية القوانين، كما انها تحدد موقع السياسي من الموضوع ذاته، وهي وسيلة سهلة لإدراك الفرق بين القاضي وسواه من الاشخاص الأخرين.
ولنأت الآن في معرفة المقصود بالخبراء الوارد ذكرهم في النص الدستوري، محاولين تلمس معرفة المقصود بالخبرة، لغةً وفقهاً وقانوناً، وعلى الوجه الآتي:-
اولاً-
الخبرة لغة
يقال، خبرت الامر أي علمته، اذن عرفته على حقيقته (لسان العرب لابن منظور المجلد الرابع). وخبر الشيء
علمه عن تجربة (المنجد ص162). وقد ورد في القرأن الكريم (فسئل به خبيرا) الفرقان 59، وفي تفسير ذلك فعناه فأسأل به أيها الانسان عارفاً يخبرك بالحق في صفته (تفسير البيان للطوسي مجلد 7 ص 443).
الخبرة فقهاًً:
نقرأ في كتب الفقه والقضاء وعلى مر العصور الإسلامية، ان القاضي يتخذ من أهل العلم والفضل جماعة يشاورهم في المعروض أمامه من نزاعات، وماهية الحكم الشرعي المناسب، وهذه المشورة امر مطلوب في عمل القاضي
وان كان عالماً-. وقد جرت المشورة لأهل الخبرة منذ عهد الخلفاء الراشدين، ثم القضاة من بعدهم، فقد كان سعيد بن ابراهيم قاضي المدينة يجلس بين القاسم وسالم وهما من فقهاء المدينة يشاورهما . اما كتاب القضاء للقاضي شهاب الدين المعروف بأبن ابي الدم فقد جاء فيه تحت عنوان مشورة القاضي للعلماء: (ينبغي ان يرتب مع علماء الفريقين الحضور في مجلس حكمه لمشاورتهم في المشكلات ومناظرتهم في المجتهدات). وقد جاء في كتاب شرح ادب القاضي للخصاف وهو يتكلم عن مجلس أهل الشورى في القضاء: (واذا أراد ان يجلس معه قوماً من أهل الفقه والامانة اجلسهم قريباً منه... لأن أهل الفقه انما يجلسون مع القاضي لأجل المشورة) . وقال الطوسي: (وفي الناس من أجاز ان يكون القاضي عامياً ويستفتي العلماء ويقضي به) . اما السرخسي فقد قال في مبسوطه: (فالمراد المشورة على سبيل الندب دون الحتم) . ولا يغيب عن البال ان القيافة هي خبرة لأثبات النسب في الإسلام.
الخبرة قانونا
لقد تناول شراح القانون موضوع الخبرة بتفصيل واسهاب، ووضعوا لها الأسس والشروط والأسباب الواجب تحققها فيها. فقد قالوا: (ان الخبرة تدبير حقيقي واستشارة فنية يستعين بها القاضي، بغية الوصول إلى معرفة علمية أو فنية تتعلق بالواقعة المعروضة عليه، تنير الطريق أمامه ليبني حكمة على أساس سليم . اما القانون فقد قال (تتناول الخبرة الأمور العلمية والفنية وغيرها من الأمور اللازمة للفصل في الدعوى دون المسائل القانونية) (المادة 123) من قانون الاثبات. وهنا يجب التوقف بحزم بأن حدود الخبير تقف عند حدود المسألة القانونية، ولا يحق له ان يتعدى خطها، لأن مسألة القانون شأن من شؤون القاضي. اما المادة (140) من قانون الاثبات المذكور فقد قالت، ان للمحكمة أن تتخذ من تقرير الخبير سبباً للحكم وهذا اولاً، إلا ان الفقرة ثانياً من المادة ذاتها تقول: ان رأي الخبير لا يقيد المحكمة، وعليها إذا قضت بخلافه أن تضمن حكمها الأسباب التي أوجبت عدم الأخذ برأي الخبير كلاًُ او بعضاً.
في هذا الاستعراض البسيط نأمل ان نكون قد وفقنا لاعطاء صورة عن معنى الخبرة والخبراء.
ثانياً:-
القضــــــــــــــــــــاء
لغةً يعني الألزام، لأنه يلزم الناس بالأحكام. ويعني أيضاً الأمر لقوله تعإلى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا أياه). والقضاء اصطلاحاً يراد به فصل الخصومات. اما الشروط الواجب توفرها بالشخص لكي يكون قاضياً فقد أغنتها كتب الفقه بحثاً ودراسةً، مستندين الى أيات الكتاب الحكيم وسنة النبي، التي اوجبت فيمن يكون قاضياً أن يكون مسلماً عادلاً، سليم الحواس، العلم بالأحكام الشرعية وغيرها. اما القاضي في الوقت الحاضر، فهو الشخص الذي تم اعداده مهنياً لكي يتولى منصب القضاء، بحيث ان تأهيله المهني يمكنه من (فن الحكم)، أي فن القضاء، وهي المَكنة التي تؤهله للفصل بالدعوى بما يكفل التطبيق السليم لأحكام القانون، وصولاً إلى الحكم العادل، بعد مروره بالمراحل التي تتطلبها الدعوى. ولعل الاستقلال والحياد هما أهم صفتين اكتسبهما القاضي خلال فترة الاعداد، مما يجعله بعيداً عن تدخل السلطات الأخرى، وبعيداً كذلك عن الميل إلى الجانب السياسي، او الديني او الاثني، او الطائفي أو العشائري أو المناطقي، الأمر الذي لا نجده في الأشخاص الأخرين من غير القضاة. وقد أولى الدستور هذا الجانب اهتماماً فقد نصت المادة (88) منه على: (القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم بغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في شؤون القضاء او شؤون العدالة).
ان التكوين القانوني لرجال القضاء
فضلاً عن التخصص في المجال الدستوري والقانوني يؤهلهم للرقابة على دستورية القوانين، الامر الذي لا يتوفر في الأشخاص والهيئات غير القضائية او المختلطة. والقاضي هنا إنما يمارس وظيفة قضائية، وأن اشراك الغير معه غير المؤهل قضائياً ينال من مهمة القضاء، ويجعل استقلال القضاء معيباً من الوجهة القانونية، ومخالفاً للقاعدة الدستوية التي جاءت بها أحكام المادة (87) في الدستور التي تقول: (السلطة القضائية مستقلة تتولاها المحاكم، على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفق القانون).
ثالثاً:
ان عمل المحكمة الاتحادية العليا
وسواها من المحاكم الدستورية في العالم هو عمل قضائي بحت ويستمد هذا المبدأ أساسه من الدستور ذاته عندما قال: (المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية). ويعني ذلك أن تفسير نصوص الدستور - تلك المهمة الشاقة التي تجعل من قرار التفسير قوة النص الدستوري هو أيضاً عمل قضائي. والفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات عمل قضائي. كما ان الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء عمل قضائي. اضافة إلى جميع الصلاحيات التي خول فيها الدستور المحكمة الاتحادية العليا موضوع المادة (93) منه هي أعمال قضائية لا يمكن الفصل فيها إلا من قبل قاض ِ مؤهل لهذا العمل، ومحكمة ينحصر عملها في تطبيق القانون وقول كلمة العدالة. ولما كان الامر كذلك فليس لغير القضاة الصلاحية لممارسة عمل خارج عن اختصاصهم. وان الخبراء والحالة هذه غير مؤهلين من الوجهة المهنية للفصل قضاء، لأن تأهليهم انحصر في مجال الخبرة حصراً. وان لوي عنق الحقائق واعطاءهم صلاحية الفصل يؤدي إلى هز النظام القانوني للبلد، ويخرج القضاء عن استقلاله. ويزلزل القواعد الدستورية والقواعد القانونية المستقر على فهمها دولياً.
لقد تابعنا ومنذ الأيام الأولى مشروع الدستور والنقاشات التي اثيرت بصدده، ومشروع المادة (92) بالذات، فإن المقترح أنذاك يرمي إلى تشكيل محكمتين الأولى تسمى المحكمة الدستورية، وهي ذات مهام تشبه مهام المجلس الدستوري، والثانية محكمة اتحادية قريبة إلى الوصف الموجود حالياً. وقد كان للمقترح بين مؤيد ومعارض له، الا ان الغلبة كانت لأصحاب الاعتراض، حيث خرج النص الحالي بشكله غير المتوازن وفق مبدأ التوافق ليرضي الطرفين، ولكي يكون لأصحاب مقترح المجلس الدستوري موقع في المحكمة الاتحادية، الامر الذي كنا نحذر من دخول السياسة إلى هذا الصرح القضائي المعول عليه.
مما تقدم يمكن ان نخرج بالاستنتاجات التالية:-
أ- ان الخبرة والخبراء وحسب المفهوم اللغوي والفقهي والقانوني هو عمل استشاري ولا يتعدى المشورة مطلقاً، وان القول بخلاف ذلك يخرج الخبرة عن وصفها القانوني.
ب- ان المحكمة ملزمة بالأخذ برأي الخبير إذا وجدته صالحاً، ويصلح أن يكون سبباً للحكم، وبعكسه فلها اهداره مع التسبيب.
ج- ان الوصف القانوني لعمل القاضي يختلف تماماً عن الوصف القانوني لعمل الخبير، لاختلاف التكوين والأسباب والشروط، ولما كان عمل القاضي المهني هو الفصل في النزاع، فأن الخبير لا ولأية له على عمل القضاء.
د
ان عمل المحكمة الاتحادية هو عمل قضائي، وحيث انه كذلك، فلا مساغ قانونياً للكلام عن غير القضاة للقيام بالعمل القضائي، وذلك لكون الخبرة والخبراء تندرج تحت مفهوم (أعوان القاضي).
هـ مما تقدم ومع الاقرار بأن خبراء الفقه الإسلامي هم أعضاء في المحكمة الاتحادية لهم ما للقضاة من ميزات وظيفية، الا أنهم غير مخولين بحق التصويت على قرارات المحكمة الاتحادية، لأن الدستور وضعهم موضع الخبير الذي ليس له سوى ابداء المشورة.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة