الانسان والمجتمع

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

الشخصيــة العراقـية... واجــترار الــوردي!
 

أ.د. قاسم حسين صالح
رئيس الجمعية النفسية العراقية

مع اشتداد العنف في العراق، كثرت مقالات في الصحافة يحلل أصحابها الشخصية العراقية بمفاهيم الراحل الدكتور(علي الوردي)، عازين العنف فيها إلى "صراع البداوة والحضارة" وقساوة الطبيعة وفيضان دجلة والفرات على ما يرى الراحل (طه باقر).

لقد كانت تحليلات الوردي ممتعة ومدهشة، وستبقى تراثاً فكرياً رائداً لعالم اجتماع فذ بقامة إبداعية باسقة. غير أن الفاصل الزمني بين ما عليه الشخصية العراقية الآن وما كانت عليه قبل نصف قرن، وطبيعة الأحداث الكارثية التي شهدها العراقيون في العقود الأربعة الأخيرة، تجعل الأسباب التي عزاها الوردي للعنف في الشخصية العراقية تتراجع لصالح أسباب أخرى أقوى وأشد تأثيراً.
ومعروف أن الوردي استند في تحليلاته على آراء ابن خلدون (وعنه كانت أطروحته للدكتوراه) وطبـّقها على المجتمع العراقي بعقلية عالم اجتماع مبدع، إلا أننا نرى أن العامل الرئيس للعنف في الشخصية العراقية لا يعود إلى "صراع البدواة والحضارة" إنما يعود إلى طبيعة "الصراع على السلطة".
إن البذرة الولاّدة للعنف في الشخصية العراقية
التي نتجرع ثمارها القاتلة الآن زرعت في أرض المشهد الكربلائي في العام 61هج، الذي يؤشر بداية الصراع على السلطة في العراق بعد ظهور الإسلام. فمنذ ذلك العام صارت في العراق جبهتان: جبهة السلطة وجبهة العامة من الناس، كل واحدة منهما ترى نفسها أنها على حق والأخرى على باطل. فجبهة السلطة ترى أن الخليفة أو الملك أو السلطان إنما هو "حمى الله في بلاده وظلّه الممدود على عباده"، فـ"إمام غشوم خير من فتنة تدوم"، و أن "طاعة الأئمة = الخلفاء أو السلطة، من طاعة الله وعصيانهم من عصيان الله"، وأنه "اذا كان الإمام = الخليفة أو الملك أو رئيس الجمهورية، عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائراً فله الوزر وعليك الصبر".
وهكذا لوت السلطة الدين وجعلته في خدمة السياسة، ورأت نفسها "لاسيما في زمن الدولتين الأموية والعباسية" أن حكمها إنما هو حق مفوض من الله، وأنه حق مطلق لها مهما فعلت (تساوي الدكتاتورية المطلقة بالمفهوم الحديث). وإنه ما على الناس إلا الطاعة والخضوع والصبر.
أما جبهة العامة من الناس فقد رأت في السلطة أنها مغتصبة للحكم، وأن الإطاحة بها واجبة، وأن القصاص من الذين ارتكبوا الظلم وخرجوا على تعاليم الدين واجب أيضاً من أجل إقامة العدل.
ومن يومها نشأت قطيعة نفسية بين الجبهتين "السلطة والناس" دفعت كل واحدة منهما إلى استخدام ما لديها من وسائل العنف والعدوان. فمارست جبهة السلطة القتل وإشاعة الخوف والرعب على أيدي قادة بينهم من كان طامعاً في الحكم والثروة، أو مصاباً بعقدة الشعور بالنقص، مثل الحجاج، الذي يستمتع بسادية قطف الرؤوس، وزياد ابن أبيه الذي تكفل بالقضاء على كل العناصر المناهضة للحكم الأموي في العراق، ولاقى العراقيون على يديه ألوان القتل والصلب والتقطيع والتمثيل، التي تشفي لديه بعضاً من عقدة مجهولية الأب!
ويجمع المؤرخون على أن الشعب العراقي، ومنذ المشهد الكربلائي، تعرض إلى ظلم واستبداد وجور لم يتعرض لمثلها شعب آخر. وأن السلطة ظلت تطحنه أكثر من ألف وثلاثمائة سنة. وكان أن توزع العراقيون بين حامل للسلاح محارب للسلطة، وبين منافق مداهن متملق لها، وبين(الياخذ أمي يصير عمي)، وبين عاجز يائس. إذ تذكر الروايات أن معظم العراقيين كانوا، في زمن السلطة العباسية، يذهبون كل ليلة تقريباً إلى باب السرداب في مسجد سامراء يقرأون السلام على "صاحب الزمان" ويدعونه للخروج قائلين: ((بسم الله، يا صاحب الزمان أخرج فقد ظهر الفساد وكثر الظلم وقد آن أوان خروجك)).
وعلى الرغم من أن السلطات التي تعاقبت على الحكم في العراق كان بعضها يناهض بعضاً، "الأموية والعباسية، البعث والملكية..." فأنها كانت في قطيعة نفسية مع العامة من الناس، وإن بدرجات. فجميعها كانت تمارس العنف ببشاعة مع الخصوم. يكفي أن نشير إلى أن السلطة في تاريخنا العربي والإسلامي تنفرد عن باقي السلطات في العالم أن في قصور حكامها خزائن كانت تحفظ بها رؤوس الخصوم! وللتذكير فأن قطع الرؤوس ما كان من ابتكار أمراء الارهاب في العراق. فقد ذبح السلف ابن بنت نبيهم، وطافوا برأس الحسين في أمصار العرب والإسلام (إشاعة ثقافة العنف). وقتل معاوية عمر الخزاعي ورفع رأسه على رمح من الموصل حتى دمشق، ثم رموا رأسه في حجر زوجته الرهينة. ورمى هشام بن عبد الملك رأس الإمام زيد بن علي في حجر والدته. ورمي رأس مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية في حجر ابنته. ورمى أبو جعفر المنصور رأس إبراهيم أخي النفس الزكية في حجر والده عبد الله بن الحسن. ورمي رأس المعتز بالله في حجر جاريته. ورمي رأس ابن الفرات في حجر والده الوزير قبل ضرب عنق الأخير.
وكان هذا هو السبب الرئيس الذي يتصدر أسباب العنف في الشخصية العراقية: ((الصراع على السلطة))، الذي يتقدم كثيرا على صراع البداوة والحضارة. وهنا نختلف مع (فرويد) القائل بأن الإنسان عدواني بطبعه، وقبله المتنبي الذي سبقه بقوله: ((والظلم من شيم النفوس فأن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم))، وعدد من علماء الاجتماع الذين تتناغم آراؤهم في تحليلهم لطبائع البشر مع بعض علماء الوراثة القائلين بوجود "جينات" للعنف في الإنسان. فنحن نرى أن الإنسان
باستثناء حالات ليس مجبولاً على العنف. غير أنه يكون أشد ضراوة من الوحش حين يتعرض إلى"الإحباط اليائس"...أعني عندما يعاق أو يحرم من تحقيق أهداف وإشباع حاجات يراها مشروعة، مصحوبة بمشاعر الحرمان النفسي والاعتباري، وبالذات عندما يدرك أنه أو جماعته يحصل على أقل من استحقاقه، أو أن جماعته تحصل على أقل مما تحصل عليه الجماعات الأخرى. وكان هذا الإحباط، وسببه السلطة، هو الحالة التي عاشها معظم العراقيين من بدء الدولة الأموية إلى العام 2003 .
وثاني هذه الأسباب، أن اللاشعور الجمعي للعراقيين معبأ بالعنف ومبرمج من ألف عام على تشغيله في حل الصراعات، ومشحون بالثأر والحقد. وإن العراقيين يستحضرون هذا الانفعال لاشعوريا في حل أزماتهم المعاصرة.
وثالثها، إن وجود الأجنبي في أي وطن كان وبأي مسمى كان "محرر، محتل..." يثير في ابن الوطن الإحساس بالذلّ والإهانة والتحقير والاستلاب، وتستنهض فيه
بحتمية نفسية مشاعر الكرامة وردّ الاعتبار، تدفعه إلى العنف. ويذكّرنا التاريخ بأنه حيثما حكمت بغداد أو احتلتها سلطة أجنبية، ساد العنف كل أرجاء العراق.
ورابعها يذكّرنا بواقعة حدثت أيام احتلال العراق أيضاً. فقد زار القائد العسكري البريطاني (لجمن) قبيل اندلاع ثورة العشرين، المرجع الديني الشيرازي في النجف وعرض عليه أن يأتيه بمفاتيح روضة الإمامين في سامراء (وهي بيد السّنة) ويعطيها للشيعة، فرفض الشيرازي وعاد (لجمن) خائباً، فبعث بطلب الشيخ ضاري وقال له: كيف تطيعون فتوى الشيرازي وهو مرجع للشيعة؟ فأجابه الشيخ ضاري: الشيرازي مرجعنا أيضا!. وهذا هو الموقف الذي نفتقده اليوم.
ويحاول الكتّاب الذين يجترون آراء الوردي تصوير المجتمع العراقي كما لو أنه شخصية واحدة. وتبسيطاً نقول إن مجتمعنا الحالي فيه شخصيتان لا شخصية عراقية واحدة. الأولى: جيل تمثله شخصية آبائنا، ونحن الكبار الذين عبرنا النصف قرن، يجاهد بالتمسك بقيم أصيلة (الشرف، والنخوة، والتكافل الاجتماعي، والخوف من العار وفعل الحرام...). والثانية: جيل، ولد في حرب ونشأ في حرب ويعيش الآن أكثر من حرب. وإن هذا الجيل المتشبع بثقافة العنف المعجونة بالإحباط، والذي يشكل أكثر من 60 % من المجتمع العراقي، ليس له علاقة تذكر بصراع البداوة والحضارة التي تجترها الصحافة عن الوردي في تحليل العنف في الشخصية العراقية.
وثمة معلومة شخصية لها دلالتها. فقد كنت التقيت الوردي في بيته في العام 1989في لقاء صحفي حرصت أن يحتل كامل الصفحة الأخيرة في جريدة (الجامعة)، وتوطدت علاقتي به. وكنت لاحظت انه في الحلقات النقاشية التي تدور حول موضوعات اجتماعية، كان يتحدث لدقيقتين ثم يقول "اعتذر لاصابتي بوعكة صحية" فهمت منها أن الرجل كان "مرعوباً" من صدام حسين، والحق معه. فصدام أطعم كلابه المفترسة لحم أقرب الناس إليه، فكيف بشخص اسمه علي من بيت الوردي..وعالم اجتماع له كتاب عنوانه "وعاظ السلاطين"!


المـــرأة والاغـتراب النـــفسـي
 

سامح سعيد عبود

((الاغتراب)) Alienation مصطلح مشتق من الغربة، وفي ترجمة أخرى لنفس الأصل الأوروبي ((الاستلاب)) المشتق من السلب، هو تعبير عن حالة الإنسان العقلية عندما يدخل في أي علاقة اجتماعية، تجبره على أن يسلك لا وفق ما يريد بالفعل بل ما يريد الطرف الآخر في العلاقة، متوهماً أحياناً أن ما قد سلكه نابع من إرادته الحرة، ومن هنا يصبح سلوكه ووعيه الظاهري غريباً ومنفصلاً عن إرادته ووعيه الباطني؛ بمعنى آخر يصبح الإنسان المغترب مسلوب الإرادة والحرية والوعي.

الاغتراب هو حالة الإنسان العقلية عندما يخضع لسلطة متعالية عليه ومنفصلة عن إرادته الحرة، ومنها سلطة أحد طرفي العلاقة الزوجية على الطرف الآخر، وسلطة الأبوين على أبنائهم البالغين، وسلطة المثقفين والفنانين والإعلاميين على جمهور المتلقين لنتاجهم الثقافي والفني والإعلامي،وسلطة صاحب العمل سواء أكان رأسمالياً أم بيروقراطياً على العمال، وسلطة المدير على موظفيه، وسلطة السياسيين والنقابيين على من يمثلونهم من جماهير، وسلطة البيروقراطي على الخاضعين لإدارته، وسلطة المسلح على العزل من السلاح، وسلطة رجل الأمن على الأفراد والجماعات، وسلطة المشرع على المطبق عليهم التشريع، وسلطة النقود والملكية الخاصة والسلع سواء على المحروم منها أو على حائزها، وسلطة السوق وقواعد المنافسة على الداخلين فيه، وسلطة العادات والتقاليد والأعراف والقوانين على المجبرين على الانصياع لها، وسلطة الرأي العام على مخالفيه وغير مخالفيه، وسلطة الأسلاف والرموز الاجتماعية على من يقدسونها، وسلطة الإعلان والدعاية على المتلقين والمستهلكين، وسلطة الزعماء والأبطال والمشاهير والقادة على جمهور التابعين.
فالإنسان إزاء كل هذه السلطات يصبح أسيراً منقاداً لمن يمارسونها عليه، هؤلاء الذين يعطون لأنفسهم الحق في التجسس عليه والتحقيق معه وعقابه لو خالف إرادتهم، وليصبح موضوعاً لقراراتهم التي لا دخل له فيها، والتي لا يسأل عنها إلا ليقبلها صاغراً، فيدخل مرغماً ومضطراً بوصفه مجرد عنصر مسلوب الإرادة في تنظيمات وعلاقات اجتماعية لم يخترها عن أصالة، ويسلك ويفكر وفق ما يحدده له هؤلاء لا وفق ما يحدده هو بدءاً من طراز الملابس التي يرتديها و ألوان الطعام التي يأكلها و سائر أنماط السلوك والهوايات، وانتهاءاً حتى بالقبول بالموت في سبيل أي من هؤلاء.
ولنأخذ الأسرة الأبوية مثالاً، إذ يعاني فيها الأب نوعاً من الاغتراب بسبب مركزه المتسلط في الأسرة. فنظراً لتحمله مسؤولياتها فهو مضطر للتخلي عن حريته الخاصة من أجل استمرار سلطته الأبوية، مثلما يعانى أبناؤه من الاغتراب بسبب هذه السلطة التي تحرمهم من حرياتهم أمامه. وكما يعانى الزوج المتسلط على زوجته من الاغتراب فأن زوجته تعانى بدورها من الاغتراب بسبب هذه السلطة التي تمارس عليها. أما عن العلاقة الجنسية غير القائمة على الاختيار الحر والمساواة بين الطرفين فهي لا تحقق أي إشباع جنسي فضلا عن ما تسببه من اغتراب للطرفين، القاهر والمقهور. ولاشك أن المسلح تستعبده قوته المسلحة مثلما تمنحه سلطته على الأعزل، ومن ثم فهو يخشى عليها من الزوال.
وبالرغم من تلازم الاغتراب مع الإنسان يوماً بيوم منذ نعومة أظفاره إلى أن يموت، ومصاحبته له يومياً منذ اللحظات الأولى لاستيقاظه وحتى نومه، إلا أن غالبية المصابين به لا يدركونه، وهم غالباً ما يدافعون عن الأوضاع الاجتماعية التي تسببه بوصفها من نواميس الكون. وقد يسخرون من ناقديها بوصفهم حمقى لا يفهمون الواقع، أو حالمين بعالم مستحيل التحقق أو داعين للفوضى والتحلل، في حين أن ما يتم التحدث عنه هو بالفعل تفسير للشقاء البشري الملازم للوجود الاجتماعي. فالمغتربون نفسياً كثيراً ما يظنون أن اختياراتهم الاغترابية كانت وفق إرادتهم الحرة، متغافلين عن أن بعض هذه السلطات سالفة الذكر وظيفتها الاجتماعية في المجتمعات السلطوية هي تشكيل عقولهم بعد أن تغسلها من كل ما يمكن أن يعارضها، وتحديد أفكارهم ومعتقداتهم وأذواقهم و قيمهم بعد أن توهمهم أنهم يملكون حرية الاختيار. فأسوأ ما في الاغتراب إذن لا يتمثل بتلك الحالة من القهر الخفي التي يتضمنها فحسب، بل في القبول به وسعي الإنسان الحثيث للوقوع فيه، والدفاع عن العلاقات الاجتماعية التي تخلقه، ومدحها وقبولها وحبها والخوف من التحرر منها، واعتبارها الوضع الطبيعي السعيد والمرغوب فيه، ومن ثم عدم الاستياء منه ولا الإحساس ببشاعاته، برغم أن واقع الحال يؤكد أن هذا القهر الخفي، يفجر بدوره رفضاً خفياً عند نفس الإنسان المتكيف مع هذا القهر، يتجلى لدى الإنسان المغترب في سلوك مضطرب ووعى زائف ومنطق معوج. كما يظهر هذا الرفض في صور مختلفة من الاضطرابات النفسية والعقلية وشتى الانحرافات السلوكية والأخلاقية المختلفة.
فالكثيرات من النساء مثلاً يدافعن علانية و بحماسة أكثر من بعض الرجال، عن وضعهن الأدنى من الرجال في المجتمعات الذكورية. ويلاحظ عموماً أنهن الأكثر تمسكاً بالقيم المحافظة التي تضطهدهن، فضلاً عن أنهن يزدرين أحياناً الرجال المدافعين عن حرياتهن وحقوقهن. كما يحتقرن كثيراً النساء المطالبات بالحرية والمساواة لهن، وينظرن بعين الكراهية للمتحررات من اغترابهن الأنثوي. فوضعهن تحت وصاية الرجال يعفيهن من تحمل مسؤولية أنفسهن، ويعطيهن بعض الامتيازات في مقابل حريتهن المنزوعة وكرامتهن المهدورة وإرادتهن المسلوبة، في حين أن حريتهن ومساواتهن مع الرجال تضعهن في موضع المسؤولية التي يتهربن منها، راضيات بوضعهن كقاصرات تحت وصاية الرجال.
إن هذا الوضع الاجتماعي المتدني الذي يسلبهن حريتهن وإرادتهن و كرامتهن لصالح الرجال، يعطي معظمهن في الوقت نفسه الكثير من السمات السلوكية والعقلية السلبية، كالذاتية والعاطفية المتطرفتين، واللتين تعدّان سند الذكور الدائم في استمرار سلطتهم ووصايتهم عليهن. وتلك السمات السلوكية والعقلية السلبية في حقيقتها هي نوع من الاحتجاج المستتر والرفض غير الصريح لهذه الأوضاع التي لا يجرؤن على رفضها علانية، فضلاً عن كونها نتيجة منطقية للتربية المختلفة التي تحظى بها الإناث عن الذكور، والتي تغرس فيهن هذه السمات منذ طفولتهن، كما تشكل نفسيتهن على القبول بالقهر الذكوري لهن عبر التربية والتعليم والعادات والتقاليد.
وبما أن الاغتراب سرطان نفسي تغلغل في كل خلايا الوجود الإنساني، فإن التحرر منه لن يتم بعملية سحرية فورية، ولكنها عملية عميقة وطويلة تزيل هذا السرطان من كل علاقات الوجود الإنساني، عملية إصلاحية طويلة الأمد تحطم كل العلاقات الاجتماعية السلطوية ومن ثم الاغترابية، ليعاد بناء الجماعات الإنسانية المختلفة على أساس تنظيم يكفل التحرر الحقيقي للبشر، يتأسس على احترام حقيقة تفرد الإنسان بوصفه فرداً له سماته وشخصيته الفريدة، والذي تتعدد أبعاد شخصيته، بسبب مورثاته البيولوجية واكتساباته الاجتماعية وخبراته التاريخية وقدراته الخاصة، تماماً مثلما يجب أن تحترم حقيقة تميز الجماعات البشرية المختلفة ثقافياً ودينياً ولغوياً.


علــــم النفس الايجــــابي والنظــــرة الجديــــدة إلى الإنســــان
 

لؤي خزعل جبر

نشأ (علم النفس الايجابي) في مقابل (علم النفس السلبي)، ويراد بالايجابي والسلبي هنا طبيعة أو ماهية المتغيرات النفسية المدروسة. فلما كانت السيادة عبر عقود من الزمن لدراسة الحالات السلبية للإنسان، كالاحباط والعدوان والتشاؤم وفقدان الأمل والاضطرابات العقلية والنفسية، ما أعطى للإنسان صورة قاتمة في أذهان الخاصة والعامة الى درجة أصبح فيها الباحثون يعدّون حالات الصحة النفسية ما هي إلا حالات (خلو) من المرض، الأمر الذي ولّد لدى جملة من الباحثين أواخر التسعينيات بزعامة البروفيسور (مارتن سليجمان) M. Seligman – أستاذ علم النفس في جامعة بنسلفانيا ورئيس الجمعية النفسية الأمريكية قناعة مفادها ((إن الانتباه يجب أن يحوّل من أنموذج المرض إلى أنموذج الصحة)).وانطلاقا من هذه القناعة، عمل عدد من الباحثين على دراسة الحالات الايجابية في الإنسان في إطار سمي بـ(علم النفس الإيجابي) Positive Psychology يهدف إلى ((قياس وفهم وبناء مكامن القوة الإنسانية وفضائلها، وصولاً الى إرشادنا نحو تطوير حياة جيدة))، فهو يركز على ((أوجه القوة عند الانسان بدلاً من أوجه القصور، وعلى الفرص بدلاً من الأخطاء، وعلى تعزيز الإمكانات بدلاً من التوقف عند المعوقات)). فهو بتعبير آخر يسمى بـ (بناء التمكين الشخصي) و(حسن الحال الذاتي) في الحياة.
ويعني (بناء التمكين الذاتي) البحث في وسائل بناء الاقتدار عند الكبار والشباب والصغار، وذلك على مختلف المستويات الذهنية والمعرفية والسلوكية والمهنية والاجتماعية.
ويرتبط (حسن الحال الذاتي) بتعزيز الصحة النفسية في أبعادها العاطفية والوجودية، وصولاً إلى بناء الحياة الطيبة، من خلال تحصيل الرضى والتفاؤل والأمل والانطلاق والدافعية الذاتية والسعادة والأمن النفسي والمهارات الاجتماعية والقدرة على الحب وتحقيق الذات.
وعلى صعيد علاج الاضطراب، يقول (سليجمان): ((إن ما يجري في إطار علم النفس الإيجابي هو تعزيز القوة في الفرد، وتوكيد بناء هذه القوة وليس مجرد رعاية الضعف)).
ولعل أبرز الموضوعات التي دُرست في هذا الإطار هو موضوع (السعادة) لارتباطه العميق والحيوي بجوهر هذا التوجه. وقد وجدت الدراسات عن هذا الموضوع أن السعادة
بخلاف ما هو سائد تأتي من الحصول على مكافآت بسيطة يومية. ففي دراسة أجرتها (إليس اسين) تبين أن الأفراد يخبرون الإثارة عندما يحصلون على شيء مجاني أو حينما يجدون ربع دولار في الشارع أو تأتيهم هدية غير متوقعة. كما وجد أن هذا الانفعال يجعل منهم أكثر حميمية وصحة، وأكثر مرونة وإبداعية وأفضل في حل المشكلات.
كما درس الباحثون الخصائص الشخصية التي تجعل الناس سعداء، وقد حددها (كوجان)
Kogan بـ(20) سمة عدّها الجذور للحياة الايجابية، منها: القدرة على الحب، وأن يكون الفرد محبوباً، والايثارية، والإبداعية، والشجاعة، والحكمة. كما درسوا الأساليب التي يمكن من خلالها بناء مؤسسات أو أعراف أو قوانين إيجابية.
ولا بد أن نشير إلى أن أغلب هذه الموضوعات كانت حاضرة في ما يسمونه (علم النفس السلبي)، إلا أن نقلة نوعية حدثت في إطار (علم النفس الإيجابي) يمكن إجمالها ببعدين: الأول، إنها كانت متناثرة وغير مؤكد عليها، بل يمكن القول إنها كانت ضائعة في خضم الجوانب السلبية الحاضرة في الدراسات، بينما هي تحضر بشكل قوي ومؤكد في التوجه الجديد؛ والثاني، إن الموضوعات الإيجابية نضجت ضمن تيار له كيانه الخاص وملامحه المحددة، مما يعطيها زخماً دافعياً بحثياً وتنظيماً منهجياً يبرزها كموضوعات أساسية رائدة.
وتبرز أهمية توظيف نتائج دراسات هذا التيار والقيام بدراسات في إطاره، في مجتمعنا، من خلال الالتفات الى حقيقة ضخامة الواقع المأساوي الذي يعيشه هذا المجتمع، إلى الدرجة التي ربما أوصلته الى فقدان الاحساس بهويته وفاعليته، مما يحتم على الباحثين الاجتماعيين أن يقوموا بدور تثويري وتنويري فيه من خلال بحث الموضوعات التي تعيد إلى أفراده توازنهم وقدرتهم على بناء حياة متماسكة توصلهم الى خبرة السعادة. وما الحياة إلا عدد اللحظات التي يعيش فيها الانسان هذه الخبرة.


الساعة البيولــوجية الكــبرى وأســرار الشيخــوخة
 

د. هيثم أحمد الزبيدي
رئيس وحدة أبحاث الشيخوخة

لكلٍ منا أنشطة بيولوجية تتم وفق جدول زمني شبه ثابت، ولا يتغير هذا الجدول إلا عند تغير الظروف. وعند حدوث التغيرات فإنها عادة ما تكون تغيرات طفيفة. فنحن ننام في مواعيد شبه ثابتة، ونصحو على نفس الإيقاع تقريباً، بل إننا نخلد للراحة ونبدأ النشاط بصورة ايقاعية. وقد أطلق على هذه الظواهر البيولوجية مصطلح ((الساعة البيولوجية))Biological Clock، التي تعني وجود إيقاع داخلي في الكائن الحي ينظم عملياته الحيوية التي تحدث داخل كل خلية أو نسيج أو نظام فزيولوجي.
وهذه الساعة لا تقيس إلا مدة زمنية محدودة، فهي تشبه "ساعة الرمل" التي تقيس دورة زمنية واحدة، ولكنها لا تعطينا المجموع الزمني لكل الدورات. ويبلغ عدد الساعات البيولوجية بالمئات أو الآلاف في الإنسان. وتقرر كل واحدة منها نشاطاً أو فعلاً بيولوجياً معيناً، كما إن بعضها ينظم عدة عمليات بيولوجية ذات طبيعة أو أهداف معينة، مثل عملية انشطار الخلايا، والنشاط التلقائي، وصنع الهورمونات والبروتينات، وتنظيم الحرارة الجسمية، وتكوين الإدرار، وزمن الاستجابة، وقوة الدافع، وردود الفعل للمؤثرات الضارة، وسرعة امتصاص العقاقير، والقوة العضلية، والنوم واليقظة. ومن الباحثين ممن يعتقد بأن هناك ساعات بيولوجية تقرر إلى حد ما أزمات الدورات الفكرية والعاطفية وغيرها من النشاطات التي طالما نظرنا إليها بوصفها فاعليات تتبع الإرادة الذاتية لصاحبها.
وبعض هذه الوتائر الدورية أو الساعات البيولوجية قد نشأت أصلاً أو طاوعت وتطاوع الظروف المحيطة، كدورات الفصول ودورة العمر وغيرها من الدورات الكونية، وبعضها يطاوع الطبيعة البيولوجية للكائن الحي، وهي الطبيعة الأكثر تأصلاً، فإذا ما تغيرت ظروف المحيط والطبيعة أو انتقل الفرد من ظرف إلى آخر، كالسفر السريع من قارة إلى أخرى فإن الفرد يطاوع ما تعود عليه من الوتائر البيولوجية ولا بدّ من مرور بضعة أيام لكي يكيف الفرد نفسه مع مقتضيات محيطه الجديد.
وفضلاً عن الساعة البيولوجية التي تقيس وحدة زمنية واحدة (24 ساعة) توجد ساعة أخرى تسمى بـ "الساعة البيولوجية الكبرى"
Grand Biological Clock تعكس أو تقيس كل التغيرات التي تحدث في الكائن الحي بدءاً من الميلاد وحتى لحظة الموت. وتعتمد هذه الساعة على التغير الذي يحدث في الايقاع؛ أي إنها بدلاً من أن تقيس هذا الايقاع فإنها تقيس فقدان الايقاع، وتعمل بشكل غير منتظم عكس الساعة البيولوجية فقد تبطئ في عملها، وقد تسرع في إيقاعها وتزيد من سرعتها. ولكنها في كلا الحالتين تسير باتجاه واحد هو اتجاه الفقدان التدريجي للإيقاع. وهي تختلف عن الساعة البيولوجية التي تسير بشكل دائري، حيث يتكرر ايقاعها وتقيس التغيرات نفسها التي تحدث في كل دورة زمنية.
فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أن ظهور أنواع من أمراض السرطان في فئات عمرية معينة، وطريقة إصابة الخلايا الجسمية بالشيخوخة، وطبيعة النمو العقلي للأطفال، كل هذا يشير إلى وجود نظام داخلي يعمل على تفجير استجابات خاصة عند نقطة معينة من مراحل حياتنا.
وتعمل الساعة البيولوجية الكبرى على قياس ايقاع الأنظمة الهوميوستازية (الاتزان البيولوجي) الأساسية للكائن الحي. ويمكن أن نحكم على هذه الساعة بطريقة عشوائية بالتغير الذي يحدث في مجموعة من المؤشرات التي تعكس الاتزانات الأساسية لدى كبار السن. فقد اتضح في إحدى الدراسات أن ارتفاع مستوى الكوليسترول في الدم والإصابة بأمراض تصلب الشرايين والذبحة الصدرية لدى المسنين، وكل هذه التغيرات تعني أن عمر الفرد قد اخذ في النقصان، كانت بسبب الساعة البيولوجية الكبرى.
كما أكدت دراسات أخرى أن مع كبر السن تحدث تغييرات مهمة في الكائن الحي تعكس اضطراب الاتزان والاستقرار لديه، وإن اختلفت هذه التغيرات في الذكر عن الأنثى، ذلك إن هورمون الأنوثة يمنع هورمون النمو من تحريك الأحماض الدهنية من المناطق المختزنة فيها، وبالتالي تصبح له القدرة على خفض محتوى الكوليسترول في الدم الذي ينتج من زيادة نسبة الدهون وأحماضها في الدم، وبالتالي نقص احتمالية حدوث تصلب الشرايين الذي هو علامة على كبر السن، إذ يلاحظ نقص نسبة السكر والكوليسترول في الدم عند المرأة في سن 30
-39 سنة والذي يمكن عدّه مرحلة الاستقرار والاتزان لديها.
أما في الذكر، فإن الهورمون الذكري لا يؤدي إلى حالة الاستقرار هذه، إذ مع كبر السن تحدث زيادة في مستوى كل من الكوليسترول والأنسولين الذي يعد عاملاً حاسماً في إحداث تصلب الشرايين، وهذا ما يفسر انخفاض السن الذي يحدث فيه تصلب الشرايين عند الذكور مقارنة بالإناث اللاتي يحدث لديهن المرض نفسه بفارق عشر سنوات تقريباً.
بناءً على ما تقدم، يمكن القول بأن الساعة البيولوجية تختلف عند الذكور عما هي عليه لدى الإناث، وهذا الاختلاف يؤدي إلى اضطراب بعض العمليات الحيوية نتيجة اضطراب الدور التنظيمي لـلهايبوثالاموس (ما تحت المهاد) في الدماغ، والناشيء من زيادة أو نقص عتبة الاحساس الخاصة به.
إذن نحن محكومون جزئياً بساعة وراثية مركبة ودقيقة التناغم لا تقتصر على التغيرات البدنية، مثل قفزات النمو والبلوغ وسن اليأس والشيخوخة، بل إنها توجه أيضاً السياق العام لتفاصيل أدق في حياتنا. وهي بذلك تؤثر في توقيت كل ما هو بيولوجي تقريباً.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة