المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

كلمات في نصوص لصادق الصائغ.. واخرى في السياق .. حـكــمـة سـوداء وروح فــي قـفــص

عبد الزهرة زكي

لا أجد بأساً في الاعتراف بأنني لم اقرأ شعر صادق الصائغ قراءةً منتظمة، مثلما هو الحال بالنسبة لي مع شعراء عراقيين آخرين.. لكن البأس الآن يكمن في حجم الخسارة التي تنجم عن خلل غير معقول كهذا الذي اعترف به الآن. إن ظروف الانقطاع بين شعراء العراق ومثقفيه خلال الحقبة الماضية قد لا تكفي لأن تكون عزاءً ولكنها من أسباب خسراننا تلك القراءة المنتظمة.
في السبعينيات، أتيح لي ان أصادف مرات عديدة اقرأ فيها بعض قصائد صادق الصائغ، منشورةً في مجلات وصحف عراقية، قبل أن أصادف مرات أخرى اقل لاقرأ قصائد له في مجلات وصحف عربية بعدما غادر البلاد، وذلك بعد أن اطلعت على مجموعة شعرية وحيدة أتيح لي الاطلاع عليها من بين أعمال الصائغ المنشورة، مجموعته "نشيد الكركدن".
كنت دائماً أدرك قيمة الخسارة التي أتحدث عنها الآن. ذلك ان القراءات المتفرقة التي وضعتني، في معظم الأحيان في جو حميم مع تجربة صادق الصائغ في الشعر، وضعتني أولاً أمام أعمال شعرية متنافرة، يحتفظ كل منها بتخومه وجزيرته الخاصة، وتلك مزية دائماً ما تشدني إلى عوالم الشعراء وتجاربهم الخاصة بالشعر، الشعراء الذين يتحولون ويتغيرون، الشعراء الذين لا يستقرون ولا يثبتون هم الأكثر فتنة. اختنق بالشعر الذي يقلد نفسه. وكان واضحاً لي عبر قراءات متفرقة، كما أشرت، ان تجربة الصائغ في تحوّل مستمر، وإن عمله الشعري تغيرات مستمرة.
ليس التنافر في مثل هذه التجارب إمارة تعارض واصطدم (ولا بأس ايضاً في ان تكون اعمال شاعر بمثل هذا الحال)، ليس التنافر انقطاعاً بين نصوص وأعمال لا تعايشها ولا توحدها (هوية)، قدر ما هو تعبير عن تحوّل في التجربة واستجابة للمتغيرات، متغيرات الشاعر ومتغيرات تجاربه في العيش وفي الوجود. تسعى النصوص والتجارب الشعرية الأصيلة إلى التمتع باستقلال ناجم عن طبيعة التجربة وخصوصيتها وعن دوافع الكتابة التي تلقي بظلالها على الكتابة نفسها. ليست هناك تجربة عيش او تجربة وجود ثابتة وتتحرك على خط مستقر، لينجم عنها إنتاج شعري ثابت ومستقر. ويحدث هذا حتى مع أكثر التجارب، بالنسبة للشعراء الذين تبدو حيواتهم وتجاربهم، كما لو أنها نمط مستقر وراكد. ان هذا الشكل الظاهر للثبات هو القشرة التي تغلف جيشاناً من التغيير والتحوّل الجوهري الداخلي الذي يستحيل بغيابه ان يستمر الشاعر شاعراً. وما لم تطرأ تغيرات هذه التجارب الداخلية، باختلاف مستويات عمقها وأهميتها، بشكل جوهري على التأليف الشعري، فان خللاً ما ينبغي التحري عنه في مبررات الكتابة ودوافعها، وربما تكون الكتابة بحكم العادة وبتلفيق دواعيها ابرز خلل يدع الشاعر مستمراً في إنشاء شعري ملفق.
استمر صادق الصائغ واحداً من الشعراء الذين يحتفظون بقدر كافٍ من الحرية ازاء الشعر، وإزاء اشعارهم الشخصية بشكل أخص. فمن طاقة الصائغ، شاباً، على التجريب والافتتان في إدخال الشكل الشعري في اختبارات متغيرة امتدت من العمل في اللغة إلى أسلوب رسم النص وتوزيعه على بياض الورقة، حتى طاقته الراهنة، شيخاً، على الافتتان بالحكمة، كما تعبر عنه النصوص المرافقة لهذه الكلمات.. بقي الصائغ شاعراً يتغير ومعه يتغير الشعر، شكلاً ولغة وإيقاعاً وموضوعات. هذه هي امتيازات الحرية في الشعر والحياة. تفادٍ دائم للثبات والتنميط وظفر مستمر بالتحول والتغيير.
لقد دأب الشعراء الستينيون، عبر ممثليهم الأفضل، على ان يستمروا شعراء متحركين، مرات إلى أمام وأخرى إلى وراء. لقد انبتت حركة الستينيات (قلت حركة) على التغير واللا استقرار وعلى التحرك الدائم. وكان شعر الستينيين في اطواره المختلفة تعبيراً عن هذا (القلق) وهذا الحراك. انه شعر مسكون بالحركة التي لا يكون معها الاتجاه، اتجاه الحركة مهماً ولعل الشعر الارتدادي الذي أنجزه حسب الشيخ جعفر، مثلاً، تعبيراً حياً عن عدم الاهتمام باتجاه الحركة، حين التفت حسب إلى الوراء، فاستعار من الماضي، قريبه وبعيده اللغة والقاموس والأقنعة لإنشاء معمار شعري ينسجم والمنفى الذي أراده الشاعر هناك في الماضي، مشيحاً عن حاضر لا يستلّ منه سوى حافز الكتابة ودوافعها. في ضوء هذا لا يكون عمل حسب الشيخ جعفر نكوصاً سلبياً إلى الوراء، انه تعبير عن تقدم وحركة ينعدم معها التعبير القيمي لاتجاه تلك الحركة. لكن شعراء ستينيين آخرين، من بينهم صادق الصائغ، فضلوا الاندفاع باتجاه آخر (اتجاهات أخرى)، بحركات متوثبة وغير متحسبة، كان تجريب الستينيات والهزء بالثوابت وحتى العبث بالشعر ابرز الاندفاعات غير المتهيبة من المقدس الشعري؛ وغير العابئة بالنتائج والأصداء.. وكان لا بد من مثل هذه المغامرات من تحصيل يأتي بأكله في أعمال أخرى غير أعمال التجريب، التي تأخذ عادة طابع التضحية المسيحية. ذلك ما يأتي به النضج عادةً.
في هذه النصوص التي تستعير عنواناً جامعاً مستلاً من النص الثاني ذا دلالة حكيمة واعظة “لا تدخل الذئب حديقة دارك" ، يعبر النضج عن نفسه بالحكمة، بالتبصر، بالتأمل الجارح الذي ينزع نحو التجريد. الشاعر يتجرد من جسده ويندمج في طبيعة، هي الأخرى مجردة: الغطس والذوبان في الماء، في الأثير، في الضوء. والشاعر يستحيل، بعد أن يغادر الجسد إلى "شعلة داخلية هائمة"، إلى شبيه بـ "سائل دخاني ابيض" يتسمع إلى "سقوط المياه" وإلى "مواء القطط السوداء تتجول في الظلام الدامس".
يقدم صادق الصائغ هنا مناجيات داخلية وحشية، مناجيات تنأى بنا نحو عالم زاهد بالتفاصيل التي يتركها لأشباح تتفائل وحدها لتقف المناجيات على الفجيعة بنحيب صامت، نحيب يكفكف تأوهاته بأقل قدر من الكلمات، تلك هي المزية الأسلوبية الأولى في بناء الحكمة، فيما تظفر النصوص بشعريتها بأقل قدر كافٍ من الجمل الحادة والمتحركة بنظام دائري ليستعيد الشاعر بهذه الطبيعة الدائرية حركة الكون والحياة.
يتكرس العالم، عالم الشاعر أو عالم النصوص لا فرق، عالماً موحشاً كابياً بـ "تبريد الدم وسخونة الهواء وانفجار الدماغ". عالماً مهدداً بـ "ذئاب اخرى" وبقطط سوداء "تتجول في الظلام الدامس / مجرجرة بمخالبها / نياط القلب". انه العالم الذي تفسد معه الحقائق حيث "أفضل عماي / على أي شيء آخر".
هذه هي الحكمة السوداء التي تأتي بها كف الشعر، حيثما "كحيوان روحه في قفص" تجوس في الكلمات وفي المعنى الذي يتحرى الشاعر نسيانه، من بعد ما فعل المحظور.
وفيما تنتحب هذه النصوص في العتمة لتقدم أحجيتها للظلام، فإنها تغرف من الظلام، وتندفع فيه "إلى القعر". يتمتع صادق الصائغ بحريته في هذه النصوص متخففاً من الأوزان والقوافي، زاهداً بالبلاغة الشعرية التقليدية، مكتفياً بلغة تأخذ دلالاتها بقوة مباشرة وترميها بحدة اشد مباشرة، متنعماً بـ "قطرة ماء صغيرة" هي المأوى الأخير من ماضٍ ينبغي نسيانه ونسيان كل شيء معه. وليس عسيراً، بعد هذا، على القراءة ان تتعقب في ضوء هذه النصوص حكمة الجدل الحي بين اليومي والروحي، بين روح تُطحن في رعب تفاصيل اليوم وروح تترفع عن تلك التفاصيل منحلةً ذائبة في أثير الشعر "كشعلة داخلية هائمة".
أجد ضرورياً إن أقدم اعترافاً أخر انهي به هذه الكلمات. هذه المرة لن يكون الاعتراف شخصياً، قدر ما يتعلق بمشكلة الشعر العراقي الراهن. مشكلتناً جميعاً.
هذا الشعر يبدو خلال أعوامه الثلاثين الأخيرة شعراً متقطعاً، شعراً ممزقاً، منفصلاً عن بعضه، شعراً غريباً تائهاً في وحشة كبيرة، كانتونات معزولة عن بعضها، او إمارات متباعدة.
لم يتفاعل هذا الشعر مع أجزائه. هذه بعض نتائج تنائي الشعراء عن بعضهم. وهو تناء تعرض معه الشعر العراقي إلى ظلم كبير، شأنه في ذلك شأن محيطه الثقافي السياسي الاجتماعي. ربما أثمرت هذه (المعازل) تجارب شعرية مستقلة، وفرت لها عزلاتها نموّاً حراً وأصيلاً عفاها من مشكلات التطفل والتقليد والتشبه، ولكن المهم بالنسبة للتجارب الحيّة والأصيلة والمحصنة أساساً من آفات تلك المشكلات، هو وجودها المشترك وتعايشها وتفاعلها، وبما يسمح بالحديث عن شعر عراقي وعن خصائص هذا الشعر ونتائجه ومشكلاته.
يحتاج هذا الشعر إلى ان يتعارف مع بعضه وأن يتالف ويتعايش بايجابية ثقافية تترك خلف ظهرها عوامل التقسيم السوسيو - نقدي الخارجي المفروض على الشعر، من مثل "الأجيال الشعرية" و"أدب داخل وخارج". وقبل ان يتعرف الشعر على بعضه، يحتاج الشعراء أنفسهم إلى عادات إنسانية جديدة للتعارف تكسر المعروف من أمراض الشعراء وأوهامهم ومشكلاتهم النفسية.


لا تدخل الذئب حديقة دارك
 

صادق الصائغ

1- وأقول يا قلب
أقول يا قلب لا تخف
اغطس في الماء إلى القعر
اغطس في أثير عميق
ودع الأشباح
تتقاتل وحدها
في الخارج
***
وأقول يا قلب
إنس كلماتك
إنس المعنى
إنس ما عنيت
إنس كم تزن
إنس الأرض والجاذبية
واغطس في قطرة ماء صغيرة
تستحم هي الأخرى
في ضياء شفيف
2- الذئب
كنت تقول دائماً
لا تدخل الذئب
حديقة دارك
فسيلعق جراحك
ويستعدي عليك
القمر الجائع
من وراء السحاب
***
مع ذلك
فعلت المحظور
فتحت له الباب
متعللاً بالظروف
لمت الشبح الذي لم يكن موجوداً
والساعة التي لم تدق
والضباب الذي
سد عليك الطريق
وتركت القمر الجائع
يلعق جراحك
وينادي عليك
ذئاباً أخرى
من وراء السحاب
3- انفجار
يحدث أحياناً
أن تغادر جسدك
تتجول في الغرف
كشعلة داخلية هائمة
كساعة تتك
كحيوان روحه في قفص
تفكر باشياء محيرة:
تبريد الدم
سخونة الهواء
وانفجار الدماغ
***
لكنك الآن
هادئ.. هادئ
أشبه بسائل دخاني أبيض
وبعد قليل
بفاعلية الحواس
وشرارة مصادفة
ستنفجر
بكل اخطائك!

4- من مكان إلى آخر
إلى بدر شاكر السياب
سنظل نسمع
سقوط الماء
حيث لا توجد حنفيات
ولا أجراس
ولا جرار
***
سنسمع فقط
مواء القطط السوداء
تتجول في الظلام الدامس
مجرجرة بمخالبها
نياط القلب
من مكان إلى آخر
5- فساد الحقائق
قال لها يا حواء
لست الشخص نفسه
الآن
أفضل عماي
على أي شيء آخر
***
قال لها:
إنسي قصة آدم وحواء
إنسي الماضي
إنسي كل شيء
***
وأخيراً قال لها:
يستحسن أن أقتلك
فالتفاحة يا حواء
لم تقتل آدم
بل
فساد الحقائق


خارج المدى.. العراق حين يقف على رأسه
 

فاضل السلطاني

يبدو أن تاريخنا العراقي يقف الآن على رأسه، وليس على قدميه، أو يتراوح بينهما في أحسن الأحوال. ولا نحتاج إلى جدلية ماركس، الذي قال مرة عن ديالكتيك هيغل بانه يقف على رأسه، والمطلوب أن نوقفه على قدميه، لنكتشف أن الفئوية الطائفية، "أصبحت الآن ظاهرة اجتماعية تضم تحت خيمتها فئات وشرائح توحدها فكرة ما، بينما كانت متصارعة بالأمس على أسس سياسية وطبقية". ولم تكن الفاشية، الهتلرية والصدامية، في جوهرها شيئاً غير ذلك: الارتفاع بفكرة ما، مهما تكن قداسة أو ضحالة هذه الفكرة، فوق الواقع والتاريخ والوطن، ومطالبة الآخرين بالايمان بها رغم إنوفهم، وبالتالي إلغائهم، وإلغاء الواقع والتاريخ والوطن، من أجل الفكرة.
لا أحد ضد الطائفة، التي لا بد من أن تصعد إلى السطح، وتحقق ذاتها يوماً ما مهما استطال قمعها، لكن الخطر الأكبر حين تريد تأكيد ذاتها كطائفة من خلال محاولة تمددها اجتماعياً وسياسياً، نافية بذلك بعدها الديني، ربما من دون أن تعي ذلك تماماً. وبالطبع لا يمكن أن يتولد من ذلك سوى هذه الظاهرة البغيضة: الطائفية.
في كتابه الأخير" هرطقات"، يقول جورج طرابيشي أن تحول الفئوية الطائفية إلى ظاهرة اجتماعية يؤدي إلى خلل خطير في تطبيق مبدأ التمثيل الديمقراطي. فإذا كانت الديمقراطية تعني حكومة العدد الأكبر، فإن الأكثرية العددية هي، من المنظور الفئوي الطائفي، أكثرية عمودية لا أفقية، ومجال صراعها مع القوى الأخرى، ليس عبر المؤسسات الدستورية، بل في عمق المجتمع نفسه. الأكثرية هنا ليست أكثرية حزبية أو كتلة سياسية ينعقد عقدها وينفرط داخل البرلمان، بل هي أكثرية طائفية اجتماعية. وهذا يؤدي، بكلمات طرابيشي، إلى تصويت جماعي، ينتصر فيه الناخبون لمرشحهم من دينهم أو طائفتهم ضد المرشح الذي من غير دينهم أو طائفتهم. وفي هذه الحالة، تبتلع السلطة الدولة، وتأكل الطائفة الوطن وهي تسبح باسمه في الجامع والمسجد.
الطائفية لا يمكن أن تحقق ذاتها سوى بإلغاء الوطن بمعناه الواقعي جداً، والروحي جداَ، بجغرافيته المادية والروحية، التي تحققت عبر التاريخ مازجة الكل في واحد، والواحد في كل. الوطن هو تجاوز للعشيرة والفئة والملة والطائفة، بعد أن يحتويها جميعاَ ويرتفع بها، والطائفية معادلة لا تقبل القسمة سوى على واحد. وهي ثنائية لا يمكن أن تستمر طويلاً في لحظة ما لأنها تعني الانتحار، والتاريخ والوطن لا ينتحران مثل البشر. لكن هذه اللحظة قد تكلف البشرية الكثير، كما حصل في فترة الفاشية.
سينتهي الإرهاب يوماً ما، طال الزمن أو قصر، فهو عدو منظور، وعضو غريب على الجسد العراقي الذي سيرفضه، مهما حاولوا زرعه، لكن الخطر الأكبر هو الفئوية الطائفية التي يراد لها أن تصبح طبيعة ثانية لنا، تنفي طبيعتنا الاولى التي ورثناها من أجدادنا العظام الذين نجهل انتماءاتهم الطائفية، لكننا نعرف أنهم كانوا مبتلين بحب الوطن، كل الوطن، إلى درجة الوجع، وبعاطفة أقرب إلى الحلول الصوفي، هي عاطفة المواطنة.


جدلية الرعب في رواية (مدينة الرب)
 

أعداد جودت جالي

عن ملف مجلة يورب الفرنسية عدد تشرين الثاني كانون الأول 2005
Littérature du Brésil

أن العنف الوحشي ضمن ساغة Saga الجريمة المنظمة التي وصفتها لأول مرة رواية الكاتب (باولو لينس) يتطلب نماذج جديدة لتحليل الثقافة البرازيلية المعاصرة. لم تعلن الهجرة الريفية عن نفسها بموت (لي دو برونو) صاحب المعتقدات الفلاحية الساذجة وسط تعقيدات المدينة فقط، بل وبالأنجذاب الذي برح زوجته روزا الى شخص نموذجي المدينية هو (المالاندرو) أيضا. لدينا هنا متواز يدعو الى الدهشة، فمن جانب يوجد فلاح ذو أيمان بسيط يفتن العامة بفضل سجاياه المتناقضة تأريخيا كما لو أن الماضي يلقي بظل كئيب على حياة مدينة السلفادور اليومية، ومن جانب آخر يوجد المجرم بالغ القساوة الذي يرعب القراء لأنه يذكرهم بالذات بالحياة اليومية كما لو أن الرعب الذي يجري على الورق ينتظرهم على ناصية الشارع القريبة. كيف نفسر المسافة التي تفصل بين هاتين اللحظتين التأريخيتين ؟ أن الجواب على السؤال لابد من أن يساعد على تطويق ظاهرة برزت في السنوات الأخيرة ومازالت في طور التشكل : الممر من ((جدلي المالاندري)) (نسبة الى شخصية المالاندرو المذكورة المترجم) الى ((جدلي الهامشية)). الموضوع لايتعلق بقيام أحدهما آليا مقام الآخر، بل بالأحرى يتعلق بحرب ((روايات)) للواقع حسب تعبير (نسطور غارسيا كانكليني). أن الثقافة البرازيلية المعاصرة أصبحت مشهدا لجدل رمزي بارع، فمن جهة نقد عدم المساواة الأجتماعية وثيق الصلة بالموضوع الذي تطرحه مثلا رواية باولو لينس (مدينة الرب)، ومن جهة أخرى عودة النظام القديم وتسوية الخلافات كما هي مرسومة بأقتباس (مدينة الرب) في فيلم سينمائي رشح عام 2004 لأربع جوائز أوسكار، ومسلسل (مدينة البشر) التلفزيوني.
في العقود الأخيرة عانت المدن البرازيلية الكبيرة من شعور حاد بالقلق وأنعدام الأمان، فقد شكلت المجاميع السكنية المعسكرة والسيارات المصفحة علامات من بين علامات أخرى على ردة فعل الميسورين على بروز (الفافيلا) الجديدة التي تعتبر نواة التهريب العالمي للمخدرات. غزت قيادة أركان الجريمة المنظمة، التي كانت منذ عقود مصدر رعب للضواحي، أحياء الطبقة المتوسطة. أنه أنتصار جدلي الهامشية (بالمعنى الضيق زحف قيم الضواحي المسكونة بالأجرام على قلب المدينة) الذي يعني بهذه الصورة التجاوز المنجز لجدلي ((المالاندري)) وهو مفهوم صاغه آنتونيو كانديدو في مقاله عن رواية مانويل آنتونيو دي آلميدا (ذكريات عريف ميليشيا) التي صدرت في أواسط القرن التاسع عشر. طور الناقد العظيم تفسيرا للخاصية التأريخية البرازيلية مقاما على تداخل مزدوج بين أقطاب النظام وأقطاب الفوضى ومعتمدا على قابلية شخصية (مالاندرو) اللدائنية على التشكل، رجل بوجوه متعددة وخطابات متعددة، تخلعه المتمايل يجسد جاهزيته للأنتفاع من الحالات الأكثر أختلافا أن لم تكن الأكثر تناقضا. هذا الدوران بين العوالم المتعارضة تماما يمثل التعبير المجازي للتشكل الأجتماعي حيث تكون الصدارة للتوافق على القطيعة، على التسوية السائبة، على (السماح بالسقوط) على الصراع. الخلاصة، كما يبين آنتونيو كانديدو، أن المالاندرو يتضح كذلك برغبته في أن يكون زميلا منتخبا و ممتصا من قبل القطب الأجتماعي المصطلح على وصفه في العرف المالاندري بالأيجابي. يحفر (روبيرتو داماتا) في (مهرجانات ولصوص وأبطال) الطريق الذي خط معالمه كانديدو بالتأكيد على أن المعضلة البرازيلية تكمن في المراوحة بين عالم القوانين الكلية وعالم العلاقات الشخصية، بين قانون المراتب غير المرن و المساواة الفاترة للتواكلية (لغويا هي من المؤاكلة وبالمعنى الواسع هي المجالسة أو الحضور المشترك في المناسبات العامة والولائم والمهرجانات حيث تتوارى الفوارق الأجتماعية مؤقتا وسرعان ماتظهر بأنتهاء المناسبة). أن كل برازيلي وفقا لرأيه يتوق الى تجسيد حالة (شخص) أكثر من توقه الى تجسيد حالة (فرد). الشخص يستخدم شبكة علاقاته ليلتف حول القانون، وبعكسه، على الفرد الذي يمتلك علاقات محدودة أن يلجأ الى الكلية المضللة للأعراف وهو مايوجزه المثل الذي درسه الأنثروبولوجيون بدقة ((كل شيء للأصدقاء والقانون للأعداء)) وهذا هو السبب الذي جعل من البرازيل ماهي عليه الآن حسب نظرية روبيرتو داماتا، حيث جرى بناء نظام علاقاتي على ((آلية أجتماعية تمهيدية يمكن بفضلها لمجتمع مكون من ثلاثة فضاءات أن يعيد صياغة وحدته)). هذه الفضاءات (العالم اليومي، وعالم الأعياد، والعالم الرسمي) كونت موزائيكا أصيلا يتحول فيه الأنفصام الى وحدة هشة. ترتدي الحيلة قناعا لها وفق تسوية مثيرة للأهتمام ((يوجد في كل المستويات هذا النداء الناكص الى التوسط والتلفيقية بحثا عن أطروحة ستمنع عاجلا أو آجلا القتال أو الصراع المفتوح ويجيرها لصالح آلية الأستغلال الأجتماعي والسياسي الفجة العارية)). لماذا لايجري التفكير في أن النظام المالاندري (الوصولي المتلون) قد تبادل المواقع مع نقيضه النظام التناحري (النظام الهامشي بتعبير آخر) ؟ لأن ذلك يعني حتمية حدوث مواجهة تخلف آثارا عميقة بحيث لايعود فيه الصراع قادرا على الأختباء خلف قناع التواكل الكرنفالي. أن الأنطلاق من هذه الجدلية يسمح بفهم عدد كبير من النتاجات الأخيرة من روايات وأعترافات وأغان وأفلام لاقت نجاحا وحتى مسلسلات تلفزيونية يكون القاسم المشترك بينها صورة بلد موصوف بالعنف الذي يطبع تناولها لحركات مختلفة الأتجاهات بطابعه ويقرر جدلا رمزيا من المناسب ألقاء الضوء عليه.
أن تدقيق النظر يساعد على فهم الأنعطافة العدوانية في أحداث رواية (باولو لينس) الصادمة. لقد أعطى روبيرتو شوارتز الأمر حقه حين أعتبر أن ((رواية باولو لينس الأولى تستحق أن يرحب بها بوصفها حدثا مهما)) ولكنه ينتهي الى حصر (مدينة الرب) داخل نموذج مكرس ((لأزدواجية القاموس الذي يترجم أنعدام الأستقرار من وجهات نظر مرصعة داخل الفعل، نوع من من الكلام المعسول المالاندري بين النظام والفوضى)). أن لفت الأنظار الى تعقيد مايسرده الراوي مهم بيد أن الرواية وضحت تماما طرق هذه الرؤية المغلقة وحدودها. يضع باولو لينس معادلا مقلقا بين المالاندريين، وقطاع الطرق، واللصوص والمتشردين، الكل يعرف كيف يحصل على الفائدة من كل شيء، وهو مالم يشر أليه الناقد ألا قليلا. يبين باولو لينس، بدلا من أن يؤمثل المالاندرو، أن هذا لايستطيع أن يوجد ألا على نفقة ((أبله)). فضلا عن ذلك، وهو قانون هذا الصنف من الناس، أن الأبله شخص ما من الناس مقصي بين عديدين آخرين، بينما يختلط المالاندرو مع عالم الجريمة الفاعل. نقرأ ((لقد ربي (ذكر البط) في (عصابة فافيلا الشلال الصغير). أراد أن يصبح قاطع طريق ليخافه الجميع مثلما يخافون كل قطاع الطرق في الحي الذي نشأ فيه. كان اللصوص متعجرفين الى درجة أن أباه الرعديد لم يكن يمتلك الشجاعة لأن ينظر أليهم عينا لعين، وكان ذكر البط يحب طريقة كلام المالاندريين وطريقتهم في الملبس)) عن الترجمة الفرنسية للرواية ص 37
دار فوليو عام 2003. هذه المعادلة ليس لها معنى ألا في النطاق الذي تضاء فيه العلاقة البنائية بين المالاندرو والأبله. يتعلق الأمر بحركية ذات أهمية حاسمة. فلنتذكر رواية جورج أمادو الشهيرة (دونا فلور وزوجاها). أن كل شخص مثل فادينهو بحاجة الى دونا فلور يستغلها ويسرقها ويعتدي عليها أذا لم يرتو ظمأه بسرعة، وبما أن هذا الشخص ليس حجرا فأنه يمنحها قليلا من الحب أحيانا. أن نظام العلاقات الأجتماعية قد يتغير حسب ضرورات اللحظة، ولكن من وجهة نظر المالاندرو دائما. من ناحية المبدأ يمكن أن يؤجل الحب دائما الى الغد وحتى، أذا صح القول، ألى مابعد الوفاة. أن الثمن الذي يتوجب دفعه، وفقا لروبيرتو داماتا، لكي يؤكد شخص ما نفسه بوصفه ((شخصا)) هو رقم أكبر بما لايقاس من طاقة أناس قزموا الى الدور الشاحب ((للفرد)) ومن هنا تتأتى أهمية وجهة النظر الروائية التي طرحها باولو لينس. أن غياب المنظور يجعل الأمل في تجاوز أشكال أنعدام المساواة الأجتماعية يحيل الوعد اليوتوبي الى كيان مزعزع يكون ساكن (مدينة الرب) وفقا له بالنتيجة ممتصا من قبل القطب المصطلح على وصفه في العرف المالاندري بالأيجابي، يكون الأبله وسيبقى رغما عنه مرحلة بسيطة في صعود المالاندرو القابل للجدل، هذا الذي يضع ربطة عنق السياسي في المعركة الأنتخابية أو الذي يكون جزءاً من مجموعات مهيمنة تبحث عن السلام المفقود وسط عنف يومي كثير.


سِردابُنا.. وسينوغرافيا صناعة الموت
 

د.أثير محمد شهاب

في غمرة ما شاهدناه عبر شاشة التلفاز من شريط لمسلسلات درامية عراقية في شهر رمضان، وفي لحظة استعادة الوعي للتمييز بين ما هو صالح وما هو أصلح.. أو بين ما هو ناجح ومفسد للذوق في زمن انهالت علينا الفضائيات دفعة واحدة، كل واحدة تحمل في طياتها أسرارا من الوطنية والوطنية المزيفة..والطائفية المقيتة، ونحس بمرارة ما تقدمه بعض الفضائيات من إشعال لنار الإرهاب والعنف الطائفي (مليشيا الحب..مثلا )، نشعر برغبة الإشادة بمسلسل سيكون فاتحة خير للدراما العراقية بعد 9/4.
راهنت هذه الفضائيات على رغبة كسب رهان المتلقي على ضخ شاشة شهر رمضان بمجموعة من المسلسلات..حرضت بعضها على خطف طلاب الجامعات، فيما راحت بعضها تصف مسلسل العنف الذي يمر به الوطن، وما يجب علينا فعله..مؤكدة على أن هذه الأعمال الإجرامية خارج سياق الزمن العراقي..
وسط هذا الكم الهائل ذُهلنا بمسلسل (السرداب) للمخرج العراقي محمد شكري جميل، إعداد عباس حربي الذي اخذ على عاتقه معالجة ما قدمته رواية السرداب رقم 2 ليوسف الصائغ بالشكل الذي يراه مناسبا على فضائية البغدادية، باشتراك كوكبة من فناني العراق ممثلة بيوسف العاني، مقداد عبد الرضا.. سامي عبد الحميد، عبد الخالق المختار، عبد الجبار الشرقاوي، رائد محسن، ستار خضير ومجموعة من الفنانين الذين قدموا أداء طيبا...، والعمل في مجمله احسبه نقطة مضيئة في سماء الدراما العراقية، والسبب الذي أجده مبررا لمنطق القبول..هو أرشفة هذا المسلسل لرحلة العذاب التي مر بها الوطنيون في المعتقلات البعثية..زمن نقرة السلمان..سجن الحلة...كركوك.
وكيف تتخلى الشخصيات داخل ذاك السرداب عن انتمائها الطائفي والعرقي، لتتحد في صفة النضال.. وتتخذ من رحلة الموت عنوانا لمسيرة عذاباتهم.
فما تضمنه المسلسل من ألقاب يكشف وطنية ما نوهنا عنه، وتخليهم عن النظرة الطائفية ( مجيد العجمي، كاكا كريم، الدكتور احسان، أبو النمنم، الشكرجي،العرجة، سلمان المحامي) مجموعة من الانتماءات والقوميات التي وحدها النضال.
كتبت الدكتورة عواطف نعيم في جريدة المدى بتأريخ 31 تشرين الأول 2006 عن المسلسل تحت عنوان (متابعة نقدية.. الدراما التلفازية العراقية..(السرداب)، واحسبها غير دقيقة في تشخيص بعض الفقرات المتعلقة بانفتاح الأفق الزماني وإحالة زمن المسلسل إلى مرحلة تأريخية معينة- الزمن الملكي(يعتمد المتن الحكائي للمسلسل التلفازي (السرداب) والذي يقع في خمس عشرة حلقة على رواية أدبية بالاسم ذاته للكاتب والشاعر الراحل يوسف الصائغ، وهي تروي ذكريات مجموعة من المعتقلين السياسيين من أصحاب الأفكار التقدمية التي تقف بالضد من الجهات الرجعية والعميلة في فترة الحكم الملكي للعراق آنذاك) والذي يطلع على المتن الروائي للصائغ لا يجد ذاك التحديد الذي افترضته الدكتورة، فالصائغ ومن بعده المخرج محمد شكري اشتركا في رؤية السرداب /المكان من دون تحديد الزمن، فهو سرداب لكل الأزمنة، بمعنى اتحاد الزمان والمكان في إلاشارة إلى كل ظالم يمارس بحق شعبه ومناضليه الظلم والسجن، ورميهم في أقبية سراديب/ سراديب البعث..
واستغرب من قول الدكتورة عواطف وهي تشير إلى ((أن تلك الشخصيات تتحدث عن مقاومة ونضال دون أن تتعرف على الجهة التي تنتمي إليها!!)، بلا شك من تم وضعه في السرداب من المناضلين زمن البعث يقتصر على (الشيوعيين، وحزب الدعوة )، والقراءة التي اتعرف من خلالها على هوية المناضل تتشكل من خلال لغتهم داخل السرداب وطريقة تفكيرهم، اضف الى ذلك..يأخذنا الآخر (القامع/البعثي) إلى كشف ملامح (المقموع )، عن طريق الزي (السفاري) المستخدم في المسلسل، فالزي يُدلنا على الزمن الذي نحن بصدد البحث فيه والتعرف على شخصياته، إذ إن ملامحها الشخصيات تتضح في ضوء الزي (السفاري) الذي يكفي لتحديد هوية الشخصيات وملامحها،لذلك اعتقد ان الدكتورة عواطف كانت قاسية بصدد الزمان والمكان حينما تقول: ((فلم تكن هناك دالة واضحة تشير إلى فترة زمنية أو إلى جهة سياسية أو إلى سلطة قمعية ما تتيح للمتلقي ان يتعرف إليها ويدرك أبعادها وحجم مساوئها. لقد تم تعويم الزمان والمكان وتم التلاعب بالحقائق ونفذت بعض المشاهد بطريقة فيها الكثير من السذاجة التي تبدو غير مبررة، وبقينا امام شخصيات سقطت في التناقض والغموض كشخصية العجمي). قد اتفق معها بشأن المكان والخطأ الذي وقع فيه المخرج، ولكنني اختلف معها في البعد الزمني. من زاوية أخرى كان لابد للدكتورة عواطف وهي تتحدث عن شخصية مثل شخصية العجمي من ان تدرك: ان الضبابية داخل المعتقلات قد ترافق الكثير من الشخصيات بحيث تتلاشى المصداقية فيما بينهم، وهذا الأمر بحد ذاته ناتج عن الضغط النفسي الذي يفرضه السرداب.
كما أشارت الدكتورة إلى أن المسلسل لا يشتغل على المكان المتحرك :( ولعل المشكلة الأساس في مسلسل (السرداب) هي السرداب ذاته الذي وقع في التكرار والمتوقع، فالمكان واحد ثابت والمتغير فيه هو حركة الشخصيات مع بعضها ومع ذواتها ومع ما يحيط بها).
الإشارة الوحيدة التي تكشف رمزية المكان والزمان تتشكل من خلال عرض سيرة الشخصيات عبر الاسترجاع المستمر بين شخصيات السرداب وسارد السيرة الشخصية لحياة كل معتقل، فعندما بدأ الشكرجي بعرض سيرة العرجة للمحامي سلمان (سامي عبد الحميد ) عن طريق الاسترجاع.. انكشفت رمزية الزمان والمكان، فبإبداع المخرج الذي استثمر الزي (السفاري ) الذي يعرفه العراقيون جميعا، دلل على مرحلة ومكان تأريخيين في حياة العراق..سلطة البعث /والزي السفاري الذي يدل على المخبرين أصحاب(الإدارة المحلية،والأمن العامة )،وهي إشارة ذكية أفاد منها المخرج محمد شكري من اجل ان لا يقع أسيرا لفخ إرهاب البعث الجديد...
-هل يحق لنا ان نقول إن المخرج كان خائفا ؟
ربما المنطق العقلاني في الابتعاد عن إدانة البعث بصورة صريحة وسط هذا الخواء الأمني، هو الذي دفع بالمخرج إلى عدم التصريح بمن هو المدين...
ثمة إشارة وردت في مقدمة رواية الراحل يوسف الصائغ هي في جوهرها خوف من نوع اخر : ( ليس لهذه التجربة اتصال بأي غرض سياسي أو أية جهة سياسية..إنها تصف معاناة اشترك فيها الكثير من الناس الذين واجهوا العسف، بسبب ما يسمى (السياسة)..على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم. هذه الصفحات معنية بأن تعيد لهم جميعا اعتبارهم، لأنهم لأسباب عديدة، حاولوا ان يكونوا طيبين وصادقين،ولم يكن ذلك..دائما في متناولهم بسبب السرداب))(1)،فقول الصائغ :( ليس لهذه التجربة اتصال بأي غرض سياسي أو أية جهة سياسية) يدعو إلى التبرير لان زمن طباعة الرواية جاء في ايام حكم البعث 1997، وهو يعيش داخل العراق، فإشارته في اقل تقدير تبعد عين الرقيب عن ممارسة سطوته، ولكن...
- هل يحق للمخرج بعد سقوط البعث أن يتجاوز حدود الخوف؟!
كل الإشارات تدل على أن الخوف ما زال مستمرا، وان سلطة البعث لاتزال تمارس نشاطها بأسلوب مغاير قائم على الاطلاقة بلا زي( سفاري)، اطلاقة مجهولة الهوية..وينتهي الأمر..
أنا اعتقد ان الخوف غير مبرر في زمن صار واجبا علينا وضع النقاط على الحروف لنبين مناطق الورم السرطاني في جسد العراق..
سأنظر من زاوية أخرى.... وأتساءل بطريقة فيها الكثير من التوجس...
-أين الدراما العراقية التي تُدين النظام السابق وتكشف عهر الممارسة التي اقترفت بحق هذا الشعب المظلوم وبحق النخب السياسية ؟
نحن ندرك بأن التجربة الألمانية بعد مرور كل هذا الوقت لاتزال توجه اللوم والنقد للنازية، لاسيما في عازف البيانو على الرغم من قصديّة إعادة الاعتبار لليهود الذين طالتهم قسوة الحكم النازي..
افهم من ذلك.. أن الأعمال الدرامية العراقية لا تزال أسيرة الخوف.. ولن يسمح لها بالنجاح اذا ما ظلت أسيرة الحذر والخوف. ما عادت العقلانية بنافعة في ظل الموت البشع الذي يدخل بيوت كل العراقيين(اطلاقة، تفخيخ، عبوة،صاروخ)..
المواقف التي احسبها مهمة في تشخيص عيوب العمل تتلخص في ابتعاد المخرج عن تمثل المكان (السرداب ) بالشكل المطلوب والحقيقي، فالسرداب كما هو متعارف على فهمه: المكان الذي يقع تحت الأرض، وما قدمه المخرج في المسلسل لم يكن سردابا وإنما غرفة اعتقال...
الإضاءة الفاضحة التي تضمنت المشاهد في المسلسل تكشف ما نقوله، فضلا عن الدرج الفاصل بين غرفة الاعتقال والمغاسل والحركة الروتينية بينهما التي رافقت العمل.. بضع درجات وينتقل المعتقل.. ويبدو لي ان السرداب ابعد ما يكون عن هذا الفضاء.
السرداب في فهمنا /مظلم /تحت الأرض، اما سرداب محمد شكري جميل فلم يكن كذلك..
جاءت حركة الشخصيات بداية العمل مملة بسبب الحركة الروتينية التي تدعو إلى الملل، حركة مكوكية بين المغاسل والسرداب-سرداب محمد شكري
أفقدتنا شهوة التواصل... كان لازما على المخرج ان يجد طريقة في معالجة هذه الزاوية.
العمل في مجمله
على ما قدمته من ملاحظات علامة تستحق الاحترام في فضاء الدراما العراقية....
تحية طيبة مرة أخرى لكل من أسهم في هذا العمل.

(1)-السرداب رقم 2،يوسف الصائغ، افاق الكتابة، مصر، 1997.


رحيل الروائي الامريكي ويليم ستايرون
 

ترجمة واعداد: ابتسام عبد الله
عن النيويورك تايمز

رحل مؤخرا الروائي الامريكي ويليم ستايرون (81) القادم من الجنوب الامريكي والذي حققت اعماله كشفا في المجالات التاريخية والاخلاقية مكانة لائقة في صف كبار الكتاب المنتمين الى جيل ادباء ما بعد الحرب العالمية الثانية.
اولى اعمال ستايرون وهي رواية، "استلق في العتمة"، جلبت له شهرة عريضة كصوت متميز للجنوب والوريث الشرعي لوليم فوكنر، وفي روايتيه التاليتين، اعترافات نات تيرنر. واختيار صوفي، اجتاز عالمه الخاص عبر خطوط تاريخية وثقافية.
وضع النقاد والقراء على السواء ستايرون، وبسبب جودة اعماله، بين ابرز كتاب جيله، ذلك الجيل، الذي تلا همنغواي وفوكنر ومن اقرانه جيمس جونز، غور فيدال ونورمان ميلر.
ونورمان ميلر بالذات كان قد قال: لروايات ستايرون قوة متميزة ولا يوجد كاتب امريكي من ابناء جيلي امتلك هذا القدر من الحضور الكلي والاحساس والاتقان وايضا ذلك الاحساس بالحزن والكآبة.
النجاح بالنسبة لستايرون جاء مبكرا.. كان في السادسة والعشرين من عمره عندما نشرت روايته الاولى، "استلق في العتمة" 1951 تناولت تلك الرواية، باسلوب شاعري، تأملات انتحار فتاة شابة من الجنوب، وذلك من زاوية اجراء مراسيم الجنازة من قبل افراد اسرتها واصدقائها.
ويلعب اسلوب السرد، دورا مهما، في تصوير وخلق الشخصيات في روايته الاولى، ويعود الفضل في ذلك، الى فوكنر بشكل عام وروايته، الصخب والعنف، بشكل خاص، والذي يبدو تـأثر الكاتب واضحا بها.
وقد اشاد عدد كبير من النقاد بالرواية لقوة تأثيرها والشجى الكامن فيها، على الرغم من استياء قلة منهم من كآبتها الشديدة وعوز شخصياتها الى اعتبارات اخلاقية وقد اسست هذه الرواية لستايرون مكانته كأديب يتوجب متابعته فيما بعد.
وعلى الرغم من ابتهاجه ومباهاته برد الفعل العام تجاه روايته الاولى، فان ستايرون عجز عن اتمام ما بدأ فيه بأن يكون حقا الوريث الشرعي لويليم فوكنر قائلا: لا اعتبر نفسي ضمن المدرسة الجنوبية مهما تكن- 1953.
وفي احدى المقابلات التي اجريت معه (باريس/ريفيو) احتفاء باعمال الكتّاب البارزين، قال: بعض الامور المعينة في الرواية بالذات، تنتمي الى الجنوب ولا غير، فالفتاة بيتون مثلا لم يكن الزاما ان تكون من ولاية فيرجينيا، فهي كانت ستقذف نفسها من النافذة حتى لو كانت في أي مكان آخر.
كان ستيرون وهو القادم من مدينة جنوبية (نيوبورت نيوز) يفضل تأمل تأريخ المنطقة التي نشأ فيها من بعيد ولذلك سرعان ما غادرها الى الشمال، مثقلا بتاريخها الغني، وخلال اقامته في نيويورك كتب، استلق في العتمة، وكان عمله التالي، المسيرة الطويلة، وهو عن تجربته في الخدمة البحرية وكتبه اثناء وجوده في باريس ونشر عام 1953 في جورنال ديسكفري ثم اعيد طبعه عام 1955.
وتعددت رحلات ستايرون فيما بعد، حيث اقام في ايطاليا عاما ورحل عنها الى روكسبري 1954 وبدأ يعد لروايته الثانية وهي: إحرق هذا المنزل، التي ظهرت فيها تقنية جديدة تختلف عن روايته الأولى وتميزت بنضج أكثر من ناحية السرد. والرواية هذه تتضمن افكاراً وجودية اوروبية، البعيدة جدا عما هو الواقع في الجنوب الامريكي الذي ابتعد عنه.
نالت (أحرق هذا المنزل) ثناء في باريس عكس ما حدث في امريكا، وعلى الرغم من نجاحها بقيت بشكل ما تنتمي الى الميلودراما، وهي تصور حياة مجموعة من الامريكيين في ايطاليا.
عاد ستايرون، الى وطنه عام 1960 بافكاره وذلك عندما بدأ اتمام عمل كان يراود ذهنه منذ مرحلة شبابه، رواية تسرد التمرد العنيف الذي قاده نات تيرنر، عام 1831، في الجنوب، وفي منطقة قريبة من المدينة التي نشأ فيها.
كان توقيت طبع الرواية ممتازاً في عام 1967مع بدء حركة الحقوق المدنية، وبذلك غمس ستايرون نفسه في ادب العبودية. استقبلت رواية، اعترافات نات تيرنر اولا بحماس كبير وكانت الاراء النقدية حولها متعاطفة مع حق ستايرون في التعبير عن الموضوع الذي يساور ذهنه والتحدث بصوت تيرنر ونسج رواية حول بعض الحقائق المعروفة عن نشأته، ووصفت (النيويوركر)، الرواية، بأنها رواية عن علاقات معقدة، العلاقة بين الانسان الابيض في الوقت الحاضر ذي الجذور الجنوبية والانسان الاسود، في خضم الزوبعة، وبيعت هذه الرواية بشكل جيد في جميع انحاء العالم، ونالت جائزة البوليتزر، وميدالية ويليلم دين هاويلز للاكاديمية الامريكية للفنون والاداب عام 1970، ولكن مع تصاعد الغليان الاجتماعي الذي بدأ عام 1968 بدأ ينمو تيار معاكس تجاه الرواية، واخذ القراء السود يناقشون مدى جدارة العمل، واستجابة لتلك الضجة التي اثيرت حولها، تراجعت هوليوود عن انتاجها سينمائيا، وفي آب من العام نفسه، نشرت قراءة نقدية غاضبة بعنوان، (نات تيرنر الذي كتبه ويليام ستايرون، استجابة عشرة كتاب سود).. وقد اعد الكتاب للطبع المؤرخ الافريقي جون هنريك كلارك، وفي الكتاب اتهم ستايرون بعدم فهم السود لغة ودينا ونفسيا، وانه قدم تأريخ السود بشكل ملائم للبيض.
وخلال الجدل الحاد الذي جرى فيما بعد، بدأ العديد من المعجبين بنات تيرنر بالانسحاب، وارتفع سؤال حول ما إذا كان بامكان البيض منهم كتابة تاريخ السود، موقف بدا للبيض انفسهم، عرقيا بحد ذاته.
بمرارة انسحب ستايرون من ذلك الجدل وتحول تدريجيا لكتابة عمله التالي، اختيار صوفي، وهي رواية حول امرأة بولندية كاثوليكية صوفي زويستوسكا التي تكافح من اجل البقاء في اوشفيتز.
ومرة اخرى قرئت الرواية من قبل جمهور عريض وامتازت بتعدد وتعقد الصوت السردي، وكانت جنوبية بصورة اكبر، وحصلت الرواية المرتبة الاولى في المبيعات حسب قائمة صحيفة نيويورك تايمز 1980، ونالت اختيار صوفي جائزة الكتاب الاميركي وتحولت في ما بعد الى فيلم سينمائي بطولة ميريل ستريب، وكيفن كلاين، والى اوبرا من قبل المؤلف الموسيقي البريطاني نيكولاس ماو.
ومرة اخرى، اثارت روايته مواقف متباينة والكتابات النقدية الاولى اعتبرت السرد المركب مشكلة الرواية لكن النقد تركز بعدئذ على امرين، الاول ان ما يسمى، (الهولاكوست) يفوق كل التخيلات ولا يمكن الكتابة عنه بشكل شامل وعدم الكتابة عنه، والصمت يعتبر موقفا افضل، والامر الثاني هو ان المؤلف اختار بطلته امرأة بولندية كاثوليكية، متجاهلا بذلك الشخصية اليهودية الاوروبية.
وبقي ستايرون ثابتا في موقفه مدافعا عن روايته.
***
*ولد ويليم كلارك ستايرون في 11/5/1925 في نيوبورت نيوز، كان والده في المرفأ (مهندساً) وله جذور عميقة في الجنوب، ذلك ان والدته كانت تمتلك اثنين من العبيد عندما كان طفلا.


الصراع والمواءمة في مجاز ما بعد الحداثة لأدب المنفى
 

ألدا بلانكو
محمد عباس الربيعي


ألفت صوفيا أي. ماكلينين كتاباً طموحاً، والذي تذكر في مستهله، إنه يعتزم " تحدي
النظريات المعاصرة حول الهوية الثقافية ". إن تدخّلها في حقل المعرفة النظري هذا، نجم عن خلافها العميق مع ما تدعوه استعمال مجاز ما بعد الحداثة لـ(المنفى) كاستعارة لـ" مرحلة جديدة من الاغتراب الاجتماعي "، الذي، كما تُجادل، في صميم العديد من الدراسات الثقافية والدراسات المقاربة. " وجدتُ "، تكتب في فصلها التمهيدي، " في العديد من الأعمال الثقافية، إن المصطلح (منفى)، فقد إشارته إلى حالة مؤلمة من الوجود، ومفرغاً من التأريخ واتصاله بالواقع المادي. ولذلك، هذا الكتاب مكرّس، جزئياً، للمواءمة بين الخطاب النظري للمنفى مع الحالات الواقعية له في الأنظمة القمعية الاستبدادية ”. هكذا، يتحرك كتابها بين الصراع والمواءمة في مجاز ما بعد الحداثة للمنفى بالأرقام والنتاج الأدبي لثلاثة مؤلفين منفيين ناطقين بالإسبانية : خوان جويتيسولو، أريل دورفمان، وكريستينا بيري روسي.
إنّ مشروع ماكلينين ثانوي، ولكنه مع هذا مهم لأنه يتولى نقد بضع " نظريات واضحة في كتابة المنفى "، والتي توسعت في الأدب الإسباني وذلك يعود، في رأيها، إلى أن المنظرين الرئيسيين في المنفى (جوليان، سيدل، كامنسكي، وأوغارت) يطرحون المنفى، والأدب الذي ينتجه بمصطلحات ثنائية، والأطروحة التي قدموها غير قادرة بالكامل على إدراك وكشف تعقيدات نصوص المنفى أَو تجربة المنفى. بالنسبة لماكلينين " التفكير الثنائي " الذي يسند الدراسات النقدية لأدب المنفى، في بعض درجاته محاولة لتعريف وتأسيس أنواع النصوص الأدبية للمنفى بواسطة بعض الخصائص النصّية التي تمتاز بها على الآداب الأخرى. الأطروحة البديلة التي عرضتها تُقدّم الجدل أَو التفكير الجدلي على أنه الإطار النظري الأكثر ملاءمة لترجمة حالة المنفى وتمثيلها النصّي، لأن هذه التجربة وبياناتها جدلية أصلاً. " فهم كتابة المنفى جدلياً " تكتب ماكلينين " تُفسّر الطرق المتعارضة، الثنائية، والتناقضات التي يمكن أَن توجد بشكل آني في النص نفسه ". بينما تعترف هي بأَنّ هؤلاء المنظرين للمنفى يلمحون للجدل في كتابة المنفى، وعبرت أَن مفهومها لا يعطي قراءة جدلية لنصوصها المختارة فقط، ولكن أيضاً لعمل الأساسات النظرية الواضحة لمشروعها. لهذا، فهي تقترح في فصل قصير جداً يدعى " جدل المنفى : نحو نظرية لكتابة المنفى "، التي " تقترح أطروحة نظرية مُنتجة لكتابة المنفى والتي يجب أَنْ تنظّم بواسطة النظرة الجدلية، فضلاً عن ذلك، يسمح لنظرية المنفى التي هي مرنة وسلسة، لأن السمات الجدلية المعيّنة لأيّ نصّ ستكون محدَّدة بالظروف التاريخية المعيّنة والمكوّنات القصصية ".
إذا كان الفصل النظري للجدل يُمكن أَنْ يُرى أيضاً كملخص يظهر تعقيد هذا المفهوم، تعاليمه الفلسفية، واستعماله الكافي في التحليل الأدبي والثقافي " كلمات رئيسة للمنفى "، التقسيم الفرعي لمقدمتها يثبت لكي يكون مفيداً جداً للقارئ لأنها قدمت تعريفات ممتازة للمصطلحات الرئيسة (المنفى، ما بعد الحداثة، ما بعد البنيوية، الثقافة القومية، ما وراء الحدود، ما بعد الثقافة)، والذي شيدت عليه البراهين الموسعة والمعقّدة في أغلب الأحيان. إن وضوح هذا القسم، يُهيّئ القارئ للفصول الباقية من الكتاب، الذي أنشئ حول المواضيع (الثيمات) أَو الإشكاليات الخمس الأساسية في كتابة المنفى : الأمة، الزمن، اللغة، الفضاء، والهوية الثقافية.
لتلخيص أَو تفسير العدد الكبير من الحجج التي طورتها في كل من فصولها الثرية، إذ أنها تُبسّط التعقيد المطلوب في حججها وقراءاتها المتبصرة المعقّدة لنصوص ما بعد الستينيات، التي تشكّل القاعدة الأساسية لتنظيرها للمنفى وأدب المنفى. تعرض فصول الكتاب الطرق التي فيها (جويتيسولو، دورفمان، بيري روسي)، على الرغم من أن كُتّاب ما بعد الحداثة، يُقدّمون رؤى بديلة لعدّة عقائد أساسية لفكرة ما بعد الحداثة كما وُجدت أولاً في أعمال بودريلارد، دريدا، بهابها، دولوز، وكواتاري : البداوة كهوية ثقافية مرغوبة ؛ مخربة للذات ؛ والتي تدعى " نهاية الموضوع " ؛ وتتشظى كخاصية وجودية لذات ما بعد الحداثة. هكذا، في هذا الكتاب، الذي ينظم تقاطع أدب المنفى مع ما بعد الحداثة، نجد أن العنصر الابتدائي الذي يُميّز قصص المنفى في فكر ما بعد الحداثة هو وضع الكاتب كمنفي.
أي أنه يُشكّل تجربة النفي التي تجعل أدب المنفى في عصر ما بعد الحداثة عالمياً ومختلفاً عن تجربة الشكل " المشهور " للبدوي ؟ الذي، فضلاً عن ذلك، منح أدب المنفى مكانه الخاص ضمن تصنيف النصوص الأدبية كصنف منفصل ومُتميّز من الكتابة، خصوصاً في العصر الذي كان هذا الأدب يتداخل مع العديد من سمات تفكير ما بعد الحداثة ؟ بينما لا تُجيب ماكلينين عن السؤال الأخير، تردّ على السؤال الذي قبله، لكن ردّها يُحبك في كافة أنحاء الكتاب، ويتشابك مع العديد من البراهين التي توضّح مواضيعها (ثيماتها) الخمسة عن المنفى. بالرغم من أن عرض خصائص المنفى سيكون مفيداً لقارئها، إحساسي بأنّها تنشر هذه الإستراتيجية النقدية للنفي لكي تؤكد عدّة خصائص للخطاب النقدي حول المنفى الذي ارتبط بشكل معقّد بأدب : الخسارة، الحنين، الذاكرة (القدرات المزدوجة للتذكر والنسيان)، والصدمة. مثل هذه النظرة إلى أدب المنفى يمكِن أَنْ تُوجد، على سبيل المثال، في مقالة إدوارد سعيد الشفافة الجميلة المسماة " انعكاسات على المنفى "، إذ يكتب : " المنفى يُجبر بشكل غريب على التفكير بشأنه، لكنه تجربة فظيعة. هو الصدع القسري غير القابل للالتئام بين إنسان ووطنه الأصلي، بين النفس وبيته الحقيقي : حزنه الجوهري لا يمكن أنْ يُقهر. وبينما أن حقيقة ذلك الأدب والتأريخ يحتويان البطولة، الرومانسية، المجد، وحتى حوادث الانتصار في حياة المنفى، هذه ليست أكثر من جهود أرادت التغلّب على الحزن الشديد للإقصاء أو الإبعاد. إنّ إنجازات المنفى تُقوّض دائماً بخسارة شيء ما تركته وراءك إلى الأبد.
ماكلينين في " اعترافاتها " تُعيد سرد القصّة التالية: " حدثان مبكّران ساعدا في تشكيل منحى هذا الكتاب وقاداني لدِراسة أدب المنفى كتحدٍ للنظريات المعاصرة حول الهوية الثقافية. حدثت التجربة الأولى بينما كنت طالبة في جامعة ديوك. جاء (جين بودريلارد) لإلقاء محاضرة وتكلّم عن الحرب البوسنية. حاضَرَ في صالة مكتظة مليئة بأعضاء إدارة الكلية والطلاب كانوا مسحورين، مذهولين، بمقالته حول نهاية التأريخ، والثقافة السطحية للمجتمع المعاصر. عندما كنت جالسة أدون الملاحظات، كان (أريل دورفمان) في المقعد المجاور، يفرك عيونه ويتململ. عندما تكلم (بودريلارد) حول التغطية الإعلامية الهزلية لأحداث في أوربا الشرقية، انحنى (دورفمان)، أمسك قلمي وكتب " ألم " على قمة دفتر ملاحظاتي. (بودريلارد) لا يستطيع أَنْ يحسب الألم. نظرته إلى العالم غير قادرة على توضيح حقيقة معاناة الإنسان، والطرق العديدة التي يحاول بها الفنانون أَنْ يظهروا مثل هذا الألم في أعمالهم. أنا أعرف بعد ذلك، بأنّني أردت مواجهة الطريق الملتوية، بأن المنفيين تخصصوا بالنظرية، وتجردوا من حافتهم المأساوية.

نأخذ كإطار لكتابها، الذي يكشف عن الأصل المفاهيمي لكذبة وعجز (بودريلارد) لمعرفة، فهم وتوضيح " حقيقة " الألم المادي والعاطفي. بالرغم من أنه في (جدل المنفى)، الألم وعاطفة المنفى حاضرة، يبدون صامتين بتحولهم إلى فارغين من العاطفة والخطاب التحليلي. ليس في نيتي هنا تمجيد أَو تمييز الألم وحزن المنفى وتمثيله النصّي. لأنه، مع ذلك، لماذا يجب أَنْ يكون الخطاب النقدي حول هذا الأدب المعيّن مترابطاً بوضوح مع العاطفة، متى يكون هذا الصنف ليس المحور النظري لتحليل النصوص الأخرى الناشئة عن آلام مساوية، أحزان واقعية وتجارب الحياة ؟ رغم ذلك، يظهر أنّ الاختلاف المهم الوحيد في أغلب الأحيان بين (جويتيسلو ودروفمان) ونصوص (بيري روزي) ونظرية ما بعد الحداثة بالضبط هو الإحساس بخسارة الوطن، الحنين الذي يُرافقه، والتشظي السردي الذي يظهره، والتي هي أيضاً من خصائص أدب المنفى الأسباني قبل 1960. نرى، على سبيل المثال، في النصوص المكتوبة من قبل المؤلفين المنفيين من إسبانيا بعد الحرب الأهلية (1936 -1939)
على الرغم من هذا، يعد كتاب ماكلينين مساهمة مهمة وثمينة في التنظير للمنفى في عصر ما بعد الحداثة لأنها بشكل ذكي وكليّ تكشف تعقيدات أدب مهم.
_____________
مراجعة لكتاب جدل المنفى: الامة. الزمن. اللغة والفضاء في الاداب الاسبانية، للكاتبة ماكلينن

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة