المدى الثقافي

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 

مهرجان دمشق المسرحي الثالث عشر: تكريم بالجملة.. عروض مكثفة ومستعادة.. وفوضى في التنظيم
 

ابراهيم حاج عبدي
دمشق
في طقس دمشقي بارد، ووسط سخونة الأحداث السياسية في المنطقة، يأتي انعقاد الدورة الثالثة عشرة لمهرجان دمشق المسرحي، الذي يقام مرة كل سنتين، ليكون انعكاسا لجو مضطرب ومتذبذب، فمفردات من قبيل "الاعتذار، التعديل، التبديل، التأجيل، الإلغاء..." تبدو مألوفة في مهرجان أسس في نهاية الستينيات، وانقطع سنوات، نتيجة ظروف سياسية مختلفة، ليستأنف رحلته، قبل سنتين، بصورة مرتبكة، تعمها الفوضى على نحو يصعب ترتيبه في مقال صحفي، مثلما هي الحال في الدورة الأخيرة التي كرمت عددا كبيرا من المسرحيين كان للمصريين فيها النصيب الأوفر، الأمر الذي تم تأويله سياسيا، وهو ما لم ينفه مدير المهرجان جهاد الزغبي الذي قال ان تكريم المصريين "جاء بمثابة خطوة ديبلوماسية لتحسين العلاقة بين دمشق والقاهرة" إثر فتور شابها على خلفية التباين في المواقف من الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، واستشهد الزغبي، هنا، بكلام المسرحي الفلسطيني توفيق فياض الذي قال ان "المهرجان فعل ما لم يستطع فعله وزراء الإعلام العرب".!
إن تكريم حوالي أربعين مسرحيا (بينهم عشرة مصريين، وتسعة سوريين) افقد التكريم المهابة، والقيمة الرمزية التي يحملها، فقد ضاق بهم مسرح دار الأوبرا، على اتساعه، رغم عدم حضور العديد من المكرمين مثل محمود درويش، وسميح القاسم، وروجيه عساف، ويعقوب الشدراوي، ورجاء بن عمار، وقاسم محمد، ومحمود ياسين وكان يمكن تفسير ذلك سياسيا غير أن غياب محمد صبحي المعروف بمواقفه المؤيدة لـ "ثقافة المقاومة" أضعف هذا التأويل. ومثلما أن التكريم كان بالجملة فان كم العروض بدا كبيرا أيضا، إذ يشارك في هذا المهرجان أكثر من خمسين عرضا مسرحيا، ونصف هذا العدد هو عروض سورية، بينما النصف الآخر عروض عربية وأجنبية. يقول هشام كفارنة مدير المسرح القومي ورئيس لجنة المشاهدة لاختيار عروض المهرجان، "إن اللجنة شاهدت عروضا عديدة مرسلة على أقراص مدمجة، وقد وافقت على حوالي ثلاثين عرضا"، لكنه فوجئ بان عدد العروض قد ارتفع إلى أكثر من خمسين. هذا الكم الكبير من العروض أدى إلى تغيير برنامج العروض أكثر من مرة، فليس غريبا أن تذهب لمشاهدة مسرحية تونسية لتجد أمامك مسرحية عراقية! كما أن هذا الكم جعل من المستحيل مناقشة جميع المسرحيات في الندوة التي تلي يوم العرض، إذ يتساءل كفارنة "كيف يمكن مناقشة خمسة عروض دفعة واحدة!"، ناهيك عن أن جمهور المهرجان وقع في الحيرة وراح يخمن، اعتمادا على أسماء صناع هذه المسرحية أو تلك، مستوى العروض كي يشاهد المسرحية الجديرة بالمشاهدة طالما أن حضور جميع العروض بدا أمرا متعذرا. وينتقد كفارنة طريقة إدارة المهرجان في استقبال وإقامة الضيوف، فبعضهم حظي بإقامة "فايف ستارز"، وآخرون أقاموا في فنادق هبط عدد نجومها، مشيرا إلى أن "التغييرات المتتالية التي طرأت على برنامج العروض بدت مبنية على أسباب غير منطقية كأن تقول إحدى الفرق بان "هذا التوقيت لا يناسبني"، أو أن ممثلا من الفرقة مضطر للمغادرة، وآخر يقول بان لديه التزامات في بلده ولا يتمكن من الحضور إلا في توقيت يناسبه..."، وأضاف كفارنة بأن "كثافة العروض أرهقت الفنيين والإداريين والطواقم الفنية في المسارح الخمسة التي تشهد العروض".
يرد جهاد الزغبي مدير المهرجان بان "مهرجانا في مستوى مهرجان دمشق لا بد له من أن يستقطب الأسماء الكبيرة، وكما كبيرا من العروض"، وهو يزيد بان "عدد العروض ارتفع عما قررته لجنة المشاهدة بعد إضافة عروض سورية، وجلب عروض من اليمن وليبيا"، كي يكتمل ربما "العرس المسرحي العربي"، بحسب الوصف الذي اختارته نشرة المنصة اليومية الصادرة عن المهرجان، وأشار الزغبي إلى أن التغيير في زمان ومكان العروض طرأ بسبب ظروف الفرق المشاركة، وخصوصا تلك القادمة من فلسطين"، وأعفى الإدارة من مسؤولية هذا الخلل الإداري. برغم ذلك فان نبرة الاعتدال بدت طاغية على تصريحات المسرحيين العرب الضيوف، فهذا هو الكاتب المسرحي والدرامي المصري محفوظ عبد الرحمن يصف المهرجان المسرحي السوري بأنه "واحد من أهم المهرجانات العربية"، وهو يدعو المسرحيين إلى مساندته كي يحافظ على ألقه، وسمعته، ورغم إقراره بالواقع "المتردي للمسرح في العالم العربي"، فانه يعزو ذلك إلى الوضع السياسي والاجتماعي العام، الذي يحول دون تحقيق المسرحيين لمشاريعهم الطموحة. من جانبه يرى الناقد المسرحي الأردني جمال عياد بان "وجود واستمرارية مهرجان دمشق المسرحي ضرورة ملحة"، وبوصفه ناقدا فقد انصبت ملاحظاته على ندوة المهرجان الفكرية الرئيسة التي ناقشت، عبر ثلاثة محاور، موضوعة "الشباب مستقبل المسرح العربي"، فهو اعتبر أن هذه الندوة هي "معطى مهم في المهرجان"، ومن باب الحرص على تطور فعالياته رأى بان "تكون الندوات اكثر تحديدا من حيث المصطلح النقدي، وأن يعد المشاركون أبحاثا مكتملة قبل تقديمها للجمهور". ولاحظ عياد بان هناك عوامل قد تحبط تواصل المتلقي مع المسرحيات، ومنها "طبيعة المسارح وتجهيزاتها، وطبيعة المواصلات المعقدة في مدينة دمشق، خصوصا أن العروض تقام في مسارح متوزعة في أماكن متفرقة". ودعا عياد إلى "ضرورة التمحص في اختيار العروض المشاركة لجهة أن تكون حديثة وغير مكررة، ولسويتها الفنية والجمالية". وأشاد عياد بتطور "الحراك المسرحي السوري، ووجود تباشير تجارب شابة تحمل بذور التجريب الخلاق مثل عرض الافتتاح السوري (شوكولا) لرغدا شعراني" الذي نال تقدير الجمهور.
المسرحيون السوريون، على خلاف نظرائهم العرب الضيوف، بدوا مستائين، وغاضبين. المسرحي السوري طلال نصر الدين الذي يشارك في المهرجان بمسرحية مستعادة له اسمها "الديك"، شن هجوما عنيفا على المهرجان بدءا من شعاره "الشباب مستقبل المسرح العربي" وصولا إلى العروض المشاركة التي وصفها بأنها "غاية في الرداءة، وهي أشبه بـ (فيديو كليب مسرحي) ولا يوجد عرض واحد يتوفر فيه ملمح مسرحي"، وهو انتقد العروض السورية التي اعتبرها غير لائقة، واستثنى من ذلك بعض العروض المستعادة مثل عرض "النفق" لفايز قزق، وعرض "البيت ذو الشرفات السبع" لهشام كفارنة، ودعا نصر الدين إلى الاهتمام باختيار أعضاء اللجان المشرفة على المهرجان، فمن المعيب ـ حسب قوله ـ أن نرى في مهرجان بهذا المستوى "عروضا هشة وبائسة". وفي ما يشبه الرد غير المباشر على ما جاء في كلمة وزير الثقافة السورية رياض نعسان آغا لدى افتتاح المهرجان إذ قال "نحن لا نريد من مهرجان دمشق أن يكون تظاهرة إعلامية، أو نشاطا ترفيهيا...فنحن نتطلع إلى أهداف ابعد مدى..نريد أن يكون مؤتمرا للإبداع العربي، تناقش من خلاله أهم قضايا الأمة، وتطرح للحوار فيه كل الموضوعات الفكرية والسياسية التي تشغل بال المواطنين في سعة من حرية الرأي والتعبير..."، قال نصر الدين بأن الهدف، ربما، بات يكمن في "إقامة المهرجان فحسب، ورفع التقارير دون أي اهتمام بالجوانب الفنية والجمالية"، ولم تسلم نشرة المنصة من انتقاداته فهو قال بأنها تتضمن مديحا وإطراء وبروباغندا مسرحية ومجاملات..."، واعتبر ذلك "عملا رخيصا لا يمت إلى النقد المسرحي بصلة"، واضاف نصر الدين بأن "الوضع المسرحي السوري لا يزداد رداءة فحسب، بل تدور حوله الأقاويل التي تفوح منها رائحة الفساد"، وختم بالقول أن "القرارات بصدد الشأن المسرحي تتخذ في كواليس معتمة لا شأن لها بالفن، ولا بالثقافة بل أن كل هذه المظاهر تمهد الطريق نحو كعكة ممكنة الاقتسام".
وسط هذا الكم من الانتقادات فان ثمة عروضا لاقت الاستحسان، مثل "حمام بغدادي" للعراقي جواد الأسدي، وكذلك عرض "حظر تجوال" للعراقي مهند هادي، ومن سوريا برز عرض "البيت ذو الشرفات السبع" لهشام كفارنة، و"حكاية علاء الدين" لأسامة حلال، إضافة إلى "شوكولا" و"النفق"، وكان للمسرح التونسي حضور مميز عبر ثلاثة عروض، بعد أن اعتذرت رجاء بن عمار، وإذ غاب عرض الأخيرة "هوى وطني"، فان العروض التونسية "هنا تونس" لتوفيق الجبالي، و"حالة مدنية" لعاطف بن حسين، و"ساعة ونصف بعدي أنا" لنضال قيقه، خلقت احتفالية مسرحية أعادت إلى المهرجان جزءاً من شهرته الماضية، ومثل تونس فان فلسطين، بدورها، حضرت عبر ثلاثة عروض متفاوتة المستوى وهي "الجدار" لجورج ابراهيم، و"الجدارية" لأمير نزار زعبي، وصفد ـ شاتيلا، من وإلى" لآنا ميكي ديليس...وهي انتزعت التصفيق الطويل من جمهور تعاطف مع مسرحيين يعملون في ظروف الحصار والتجويع والقتل اليومي أكثر مما تفاعل مع الجوانب الفنية والإبداعية في هذه العروض. المشاركة المصرية لم تستطع إثارة الجدل رغم حضور نجوم كبار مثل سميحة أيوب، وفاروق الفيشاوي، ورشوان توفيق وغيرهم ممن جسدوا أدوار مسرحية "الناس اللي في التالت" للكاتب المصري أسامة أنور عكاشة، وقد قوبل العرض بانتقادات لاذعة فقد جاء في مقال نقدي لرئيس تحرير النشرة اليومية نادر أصفهاني بان العرض تميز "بأداء تقليدي لا روح فيه، وبمبالغة ميلودرامية"، أما العرض المصري الآخر "أحلام شقية" لمخرجه محمد أبو السعود، المأخوذ عن نص للمسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس، فقد غلب عليه الحوار دون أن يتوفر فيه أي ملمح مسرحي مما أصاب الجمهور بالملل فانسحب بالتدريج من عرض امتد لساعتين. إلى ذلك حضر لبنان بعرض "سكويك" لخلود الناصر، والمغرب بعرض "أربع ساعات في شاتيلا" لعبد الواحد عوزري، والجزائر بعرض "بيت الحدود" لبلقاسم عمار وغيرها من العروض العربية فضلا عن عروض أجنبية قادمة من قبرص، وتركيا، وأرمينــيا، والسـويد، وســويسرا، وإيطاليا.


مجلات..في العدد الجديد من دورية علوم انسانية ..مفهوم الحكومة الالكترونية، ومستقبل التنمية والصناعة في العالم العربي



في مستهل شهر تشرين2-2006، صدر العدد الجديد (31) من مجلة علوم إنسانية، البحثية المتخصصة. وقد جاء ثريا ومتنوعا بمواده التي تراوحت بين علوم الاقتصاد والإدارة والاجتماع والتاريخ والأدب وغيرها.
ففي البحوث الاقتصادية نشرت المجلة للدكتورة سهيلة محمد عباس الأستاذ المشارك في كلية الزهراء للبنات في سلطنة عمان، ود. علي الزاملي الأستاذ المشارك في جامعة السلطان قابوس، بعمان بحثا عنوانه: "الإثراء الوظيفي وساعات العمل المرنة ودورهما في تنمية الدوافع المرتبطة بالأداء". وللدكتور نوزاد الهيتي أستاذ الاقتصاد المشارك وخبير المتابعة وتقييم الأداء في مجلس التخطيط بدولة قطر "مستقبل التنمية في الوطن العربي في ظل التغييرات العالمية المعاصرة". وساهم الدكتور أسامة عبد المجيد العاني ببحث عنوانه "مستقبل الصناعة التحويلية العربية في ضوء اتفاقيات منظمة التجارة العالمية".
أما الباحث شنوف شعيب من جامعة الجزائر، فقد كتب عن "مالك بن نبي و النظام الدولي الاقتصادي الجديد". وحاول الباحث العراقي حسن مظفر الرزو من المكتب الاستشاري العلمي في كلية الحدباء الجامعة في الموصل- العراق صياغة "أنموذج رياضي لحساب معاملات اقتصاديات المعرفة في الدول العربية". أما الباحث الصديق بخوش المختص بادارة الأفراد والعلاقات الإنسانية بجامعة عنابة الجزائرية، فقد بحث في موضوع "التسيير الإستراتيجي للأفراد".
في البحوث الاجتماعية والتربوية، كتب الدكتور لحسن عبد الله باشيوة من جامعة بجاية ، الجزائر وجامعة دلمون للعلوم والتكنولوجيا- مملكة البحرين بحثا عن "جودة التعليم من منظور إسلامي (الإحسان، الإتقان، الجودة، التميز)". بينما تكتب الباحثة الأكاديمية فضة عباسي بصلي الأستاذة بقسم علوم الإعلام والاتصال بجامعة عنابة ـ الجزائر في "ديمقراطية التعليم في الجزائر بين منطق الحصص و مبدأ تكافؤ الفرص (قبل إعادة هيكلة التّعليم الثّانوي 1991 إلى إصلاح 2004)". بينما تناول الباحث د. محمد مكحلي الاستاذ في قسم التاريخ- كلية الآداب و العلوم الإنسانية- جامعة الجيلالي اليابس / سيدي بلعباس / الجزائر "الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للجزائر خلال العهد العثماني 1707-1827م".
وعن "الحكومة الالكترونية - مفهومها، متطلباتها وفوائدها" تنشر المجلة دراسة للباحث السوري د. واجب غريبي، الأستاذ المساعد في كلية علوم الحاسب الآلي في جامعة الملك خالد- أبها- المملكة العربية السعودية. بينما بحث الدكتور حميد الهاشمي عضو هيئة التدريس في جامعة اوربا في هولندا والاكاديمية العربية المفتوحة بالدنمارك، في "فرص توظيف برامج الانترنت في البحث العلمي". الباحث الأكاديمي التونسي زهير بن جنات من قسم علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية- صفاقس، اختبر "التنمية والحراك الاجتماعي من خلال تجربة القروض الصغرى بتونس".
وكتب الباحث "صابر الحباشة الأستاذ في قسم اللغة والآداب العربية بالجامعة- العربية المفتوحة في البحرين عن "المشترك في الدرس اللساني الحديث".
في البحوث التاريخية كتب عيسى قوراري الأستاذ المساعد بالمركز الجامعي بالمدية- الجزائر عن "تطور المدن في المغرب الإسلامي وعلاقاتها العلاقات التجارية ببلاد السودان خلال القرنين 3و4هـ (9_10م)". من جانبه قدم زميله الباحث الصادق دهاش الأستاذ المكلف بالدروس بنفس المركز "دراسة تاريخية مع العلامة عبد الرحمن الثعالبي في رحلته العلمية (09 هـ / 15 م). وللباحث العراقي أ. مظفر نذير إسماعيل دراسة عن "العلاقات الأميركية ـــ الأوروبية في فترة رئاسة بوش ( الابن ) الثانية".


قصة قصيرة .. غيبوبة
 

ابتسام عبد الله
السيارة تطوي الطريق والليل بدأ يرخي طبقات من عتمة تسربت شفافة ثم تكثفت بين دقيقة واخرى، وانا وحدي والدرب يمتد امامي بلا نهاية، في الحقيقة لم اكن وحدي، بل كان معي صاحب السيارة التي استأجرتها، رجل تجاوز الثلاثين في مثل سني تقريباً، كوفية مرقطة باللونين الاسود والابيض تلتف حول رقبته، تغطي جزءاً من شعره وذقنه وتكاد تخفي ملامحه، فيما عدا عينين سوداوين واسعتين تشعان في العتمة كلما حانت منه التفاتة نحوي. لم انتبه اليهما في بادئ الامر لكن الظلمة الحالكة التي انطبقت بعدئذ هي التي اضافت الى تلك العينين، البريق الذي أخذ يستفزني ويبذر نقاط خوف في نفسي اتسعت بعد ان تلاشى خيط باهت من حمرة الشفق في خط الافق الذي اختفى بدوره بعد حين.
لم يكن الخوف وحده ما يثير قلقي، بل الحزن ايضاً، الحزن الذي دفعني عصر اليوم الى مغادرة بيتي في بغداد متوجهة نحو الموصل بعد ان بلغني خبر اصابة والدتي. كانت الساعة الثالثة بعد الظهر لما عدت الى الدار من عملي وسمعت وانا افتح الباب جرس الهاتف يلح رنينه، وهو الذي لم يعد يدق الاّ نادراً بعد رحيل زوجي قبل خمسة اعوام، بعد إنحسار دائرة حياتي وخلوها تقريباً من اصدقاء ومعارف، لتطبق عليّ وحدة ثقيلة وحياة رتيبة لا صعود فيها ولا انخفاض، لا مشاعر ولا احاسيس، عمل، لقمة عيش، ثم نوم.
رفعت سماعة الهاتف عصر اليوم، جاءني صوت شقيقتي المختنق بالدموع ليقول ان والدتي في حالة صعبة، بعد ان دهستها سيارة وهي تجتاز الشارع المحاذي للدار، لم استطع في الدقائق الاولى إدراك ما تقوله، كان صوتها، كما قلت، متقطعاً باكياً: والدتي... سيارة.. دهستها.. حالتها صعبة.. وقلت لها اني اكاد لا افهم كلماتها، اعادت الكلمات، وكانت الدموع آنذاك وجدت طريقها الى عيني وانا احاول ان اسحب منها عبارات اخرى وانا في حالة من عدم التصديق، اردد كلمات لا تعني شيئاً ولكنها قد تؤجل بعض الشيء امر التسليم بالواقع او تهيئ الذهن له "ماذا! غيبوبة! كيف.. اين.. مستحيل.. ماذا بعد..!" وعاد صوتها المتشقق ليصيح قائلاً انها الان في المستشفى مع الوالدة وان الاطباء قد اعلموها ان الساعات القادمة مصيرية، اسرعي.. اتصلت بك مرتين ولم اجدك.. اسرعي..
تحركت في الحال وصور ومشاهد متفرقة تتشكل تلقائياً في ذهني، تربطني بوالدتي عبر سنوات طويلة، فانا لم ارها منذ ثلاثة اشهر، بعد ان غادرتني لتزور شقيقتي المتزوجة المقيمة في الموصل، لم اكن قادرة على زيارتهما بسبب انشغالي اليومي بعملي في المكتبة، انا اسمّيها، مكابرة، مكتبة، في حين انها مجرد دكان صغير، اقتطعه زوجي من حديقة الدار اثر عودته من الحرب مقعداً، دكان نما بمرور الاعوام، رفوف خشبية تحتل جدرانه الثلاثة، حامل خشبي لعرض صحف ومجلات، وفي الدكان كنت ابيع اشياء مختلفة، انواعاً من الحلوى وعلب البسكت والبن والحليب المجفف والمناديل الورقية واوراق التجليد الملونة وبطاقات بريد وغيرها من امور تعتبر من مستلزمات طلبة المدرستين القريبتين للاولاد والبنات، مضافاً الى ذلك الكتب التي نقلت من الدار والتي بدأت عناوينها تتغير تدريجياً لتتلاءم اكثر مع اذواق الطلبة الصغار.
كان الدكان مصدر رزقنا، وكنت واياه نعيش متماسكين، نحلم ان تتزحزح الغمة ونتجاوز حالتنا تلك ولكن التغيير عندما حدث كان نحو الاسوأ. رحل عني الزوج تاركاً اياي معلقة في الفراغ مع احاسيس تمتزج وتكون الحصيلة عدم انشدادي الى أي شيء.
تتساقط الدموع من عيني، امسحها مرات باطراف الشال الاسود الذي الّفه حول رأسي وينسدل على كتفي وظهري. يستدير نحوي والعينان الواسعتان تبرقان في العتمة يسألني:
-تبكين..!
لا اجيب، يسأل مجدداً:
-هل بامكاني مساعدتك؟ لديّ بعض الشاي الساخن هل تتوقف قليلاً لتأخذي شيئاً منه؟
- لا... اريد الوصول سريعاً شكراً.
احس بالبرد، احكم اطراف الشال العريض فوق كتفي، لقد اسرعت بتغيير ملابسي بعد انتهاء مكالمتي مع شقيقتي، ارتديت اولاً ثوباً اسود، وعندما نظرت الى نفسي في المرآة تشاءمت وغيرته الى آخر طويل رمادي- ازرق مع جاكيتة سوداء وخرجت.. كم كان من الافضل لو اخترت بلوزة صوفية سميكة بياقة عالية مع سروال من الجوخ، وكم كنت محقة في حمل الشال معي وانا اسرع بمغادرة البيت. لم يخطر ببالي ان الجو سيتغير ويشتد البرد مع مرور الساعات.
اسمع صوته يقول دون ان يستدير نحوي وهو يرفع زجاج النافذة التي بجواره وقطرات من المطر بدأت تتناثر من حولنا:
-ها قد جاءنا المطر. هذا هو حال تشرين الثاني، شمس دافئة ثم مطر وبرد وعواصف وعتمة مبكرة. المطر خفيف الآن ولكنه سيشتد، كما اتوقع، فقط لاحظت الغيوم السود تتجمع منذ الظهيرة.
واشعر بالدفء بعد انحسار تيار الهواء البارد الذي كان يهب من النافذة ويلسع وجهي. استعيد كلمة شقيقتي "انها في غيبوبة" ويسري في داخلي تيار خوف. لقد عرفت حالة غيبوبة اخرى حدثت قبل خمسة اعوام ودخلتُ متاهاتها معه ثلاثة اشهر متصلة وعندما رحل فقدت معه جزءاً من ذاتي ولم استعده وكآبة لا ادري من اين تستقي اصولها تتوزع في داخلي مثل جداول رفيعة مكونة شبكة رقيقة ممتدة في الاعماق.
عيناه امامي في المرآة الصغيرة، احس بحضوره، انكمش في مكاني مبتعدة عنهما ما الذي دفعني الى السفر وحدي، اما كان بامكاني الانتظار ساعة او ساعتين، كما افعل عادة في رحلات سابقة!؟ لكن هذه الرحلة تختلف عن غيرها، لم يكن امامي خيار آخر والوقت ضيق، تحاصرني حالة شديدة من الارتباك، وكل دقيقة مرت في الانتظار، اضافت المزيد من القلق والتوتر.
السيارة تطوي المسافات والظلام يغدو ثقيلاً، وانوارها الامامية تنير بقعة لا تتجاوز بضعة اقدام اغرق في ذكرياتي، اتعلق بمشاهد متفرقة من ايام الطفولة والصبا، تتفجر امامي مثل رغاوي حزن وتتوالد من جديد، تتوهج شعلة صغيرة من نار في الظلام، انه يشعل سيكارته، وتخفف السيارة سرعتها، يستدير نحوي، تمتد يده لحظة بعلبة السكائر، نفس النوع الذي ادخنه احياناً.
-تدخنين!
"لا"، اقولها وانا احس بالحاجة اليها. يعاود حديثه:
-تحدثي، لا تجعلي الهم كتلة تتصلب، الانسان للانسان رفيق.. ما الامر!
-والدتي، حالتها صعبة.. انها في غيبوبة
-ولماذا التشاؤم، قد تجدينها لدى وصولك تجاوزت تلك الحالة.
-وكم بقي لنا من الطريق؟
-نحن في منتصفه تقريباً، بعد عشرين دقيقة نصل الى مطعم ونرتاح فيه بعض الشيء
-ولكني لا اريد التوقف، الوقت ضيق امامي.
-وانا في حاجة الى بعض الطعام، لم اتناول غذائي بعد، هذا ان سمحت لي بذلك.
وتستمر السيارة في طريقها. ينقطع حديثه، ثم تتلألأ انوار من بعيد ما ان نقترب منها بعد يقول "ها قد وصلنا" وينزل من السيارة يفتح لي الباب، واسير خلفه بخطوات مترددة. المطعم مزدحم بروّاده، يوحي بالدفء والحركة والحياة. عشرات من جنود تجاوزت اعمارهم العشرين بعام او عامين يحتلون معظم الموائد، يتحدثون بصخب. قد يكونون في طريقهم الى بيوتهم في اجازة قصيرة، ذلك ان وجوههم طافحة بالسعادة وضحكاتهم تنتشر في المكان محلقّة مثل حمامات اليفة. يقودني الرجل الى المائدة الوحيدة الخالية، يسأل عن حاجتي من الطعام واطلب قدحاً من الشاي. يبتعد عني برهة يعود بعدها ليقف الى جواري ويقول متردداً، انه سيشاركني المائدة لعدم وجود اخرى خالية احتسي الشاي الساخن بسرعة وأرقبه وهو يتناول طعامه بشهية، ثم وهو يدخن ويطلب قدحاً من الشاي لنفسه وقهوة لي. ما الذي اخافني منه في اول الطريق! قد يكون السبب حالة الارتباك التي كنت فيها، ثم التوتر والقلق والعتمة، عوامل تضافرت وافرزت الخوف.
نعود الى السيارة بعد نصف ساعة والى الطريق الممتد والى غابة العتمة. يخلد الى الصمت، يشتد المطر، يخفف من سرعة السيارة، ثم يعود الى الكلام بعد نصف ساعة كأنما الصمت والمطر ووجودي، عوامل قد استفزته ايضاً ويتحدث عن نفسه. انه مثل غيره من الشبان، انهى دراسته الجامعية، ذهب الى الحرب، وما ان خرج منها بعد تسعة اعوام حتى ادرك انه يكاد ينسى اللغة الالمانية التي تخصص بها ويسأل نفسه ترى لماذا اخترت هذه اللغة! ويجيب عن السؤال ان مجموعه في امتحان الثانوية العامة هو الذي اختار له هذا التخصص. قالوا له حينئذ لا باس، ان الشركات الاجنبية ستنهمر على المدينة مثل المطر، وستكون في أمس الحاجة الى من يجيد هذه اللغة وان عملاً مزدهراً سيكون في انتظاره، ولكن حرباً اخرى جاءت مسرعة، انهم لا يدعوننا نرتاح ونرتب امورنا. لديهم باستمرار حجج مبتكرة للايقاع بنا حرب إثر حرب، موت دمار وجوع، الحرب حجة لبقاء الاقوياء على حساب الضعفاء. ويمضي في حديثه، ان الياس لم يعرف الطريق اليه مع انه اصيب في ساقه وشاخ قبل الاوان. عاد الى الجامعة في كلية مسائية ليدرس برامج الحاسوب ويعمل صباحاً في السيارة التي تركها له والده، مفضلاً العمل في ايام العطل والاجازات في رحلات خارجية، الى عمان او دمشق او البصرة او الموصل، ذلك ان اجرة هذه الرحلات مجزية.
يتطلع نحوي في المرآة، لا اتجنب، كما كنت، نظرته. يقول بصوت هادئ: "لكل واحد منا ظرفه الخاص، وعلى كل واحد ان يبحث عما يغير حياته ويجددها.
افكر في عباراته الاخيرة وفي حياتي الرتيبة التي لا انخفاض فيها ولا علو، لا مشاعر ولا احاسيس، وتقفز الى ذهني جملة قرأتها يوماً لكاتب شهير يقول فيها، ان الموت هو فقدان الذات والذات هي خلاصة كل ما نتذكر، أي الماضي، عندما يغيب الماضي يترك فراغاً بالتأكيد والانسان ملزم بتجديد حياته وخزن الذكريات.
يصلني صوته، يرفعني اليه، متوزعاً في تلك الجداول الرقيقة في داخلي، يقول انه مرغم على تخفيف سرعة السيارة بسبب اشتداد المطر. اغمض عينيّ، وللمطر ايقاع في داخلي اتجاوب معه ومع الصوت الصادر عن المحاولات المستديمة لحركة الماسحتين المطاطيتين وهما تزيحان بقوة خيوط المطر من فوق الزجاج. احس بتثاقل جفني وصداع في الرأس، اقاوم النعاس، اتطلع اليه، جامد في مكانه، عيناه على الدرب اطلب منه ان يفتح المذياع، ان استمع الى أي شيء كي يتبدد النوم. تنطلق اغنية قديمة من "المسجل"، اجفل متذكرة والدتي والخوف يسيطر عليّ من جديد. يقول عندما اسأله عما تبقى من الطريق اننا اشرفنا على المدينة وان المطر بدأ يخف ولم يبق امامنا سوى القليل.
بعد عشرين دقيقة تلوح انوار المدينة ثم تتوغل السيارة في شوارعها حتى تتوقف امام باب المستشفى. احمل حقيبتي،يحملها عني، يختار المدخل العريض، اسأل عن والدتي، حالتها مستقرة، وتعاود خطواتنا حركتها التوافقية لتتوقف عند باب في الممر الطويل، شبه المعتم، اتناول منه الحقيبة وتمر لحظات يغمرنا فيها شيء من الارتباك يقطعه بتناول ورقة من جيبه يكتب فيها اسمه ورقم هاتف ويقول انه سيبقى في المدينة بضعة ايام وان بامكاني الاتصال به في حالات الضرورة ان احتجت لشيء. يودعني ويمضي
اتطلع اليه وهو يقطع الممر الخالي قبل ان افتح باب الغرفة، ودفقة من احاسيس كنت نسيتها تجتاحني، كأنما انتشلت من غيبوبة عميقة كنت بدوري اغرق فيها منذ اعوام اسأل نفسي: هل سأراه ثانية؟ واجيب، لا يهم لقد تغيرت.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة