ذاكرة

الصفحة الرئيسة للاتصال بنا اعلانات واشتراكات عن المدى ارشيف المدى
 
 
هذه الصفحة تختص هذه الصفحة من (المدى الثقافي) اليوم باستذكار اعمال القاص العراقي الغائب عبد الرزاق الشيخ علي الذي خرج من السجن يوم 14 تموز 1957 ولم يره احد بعد ذلك!

يوميات القاص عبد الرزاق الشيخ علي
 

سلمنا حفيده السيد فولاذ مفكرتين سنويتين احداهما صدرت عام 1942 عن المكتبة العصرية لمحمود حلمي وهي (المفكرة العصرية) والثانية مفكرة (العرب) الصادرة عام 1947 عن مكتبة المثنى ببغداد حيث دون فيهما عبد الرزاق الشيخ علي بعض يومياته:
***
كتب عبد الرزاق في الغلاف الثاني من مفكرة عام 1942 ان مهنته (موظف بدائرة اجراء بغداد) وعنوانه هو (كرخ- بغداد 113/4) وكتب في صفحة يوم السبت الثالث من كانون الثاني جملة واحدة هي (علي حجازي) من دون تعليق، وكان علي الحجازي
كما هو معروف- مدير شرطة بغداد ايامها وفي صفحة يوم الجمعة 16 كانون الثاني كتب يقول:
"مضى على سفر زوجتي المحبوبة 35 يوماً الى الشامية وفي طيلة هذه المدة لم اجد للراحة من معنى" وفي الثلاثين من كانون الثاني كتب: (تحركت السيارة من الشامية تتجه بنا الى الديوانية) مما يعني انه ذهب الى اهل زوجته ليصحبها الى بغداد. وفي صفحة يوم 4 نيسان وهو يوم تتويج الملك الصغير فيصل الثاني عام 1939 كتب عبد الرزاق ملاحظة تقول: (وفي يوم العطلة ذهبت الى المعمل لاتعلم فن الخراطة على يد جهاد). وفي 7 نيسان كتب يقول (ق في المدائن) وفي يوم الاربعاء كتب الرموز التالية (23-63 فحامة 10اشخاص) ومحلة الفحامة واحدة من محلات الكرخ يومذاك مما يعني انه سيجتمع او اجتمع بهؤلاء في الدار المرقمة (63). وانت تجد في المفكرة الكثير من الحروف الاول والارقام لكنه يكتب يوم 16 نيسان: (قضيت ليلة البارحة في اوتيل الهلال حيث ضقت ذرعاً من الدار وكانت ليلة جميلة وكان نومي لطيفاً). وفي اليوم التالي يكتب انه نام في اوتيل عدنان (بعد عناء النهار ومشاقه بعيداً عن الاهل).
*في 6 مايس يكتب ان زوجته قررت ان تفطم (سامرة المحبوبة) فكان لها ما ارادت مما يدل على انه عاد الى بيته وانسجم مجدداً مع قرينته؟
*في 21 مايس يشير الى اصابة ابنته الوحيدة (سامرة) بالحصبة.
*وفي 1 حزيران يشير الى اعتزام قريب له هو (تركي) بالانتقال عنهم الى دار اخرى، وفي 4 حزيران يشير الى انتقال تركي وزوجته الى دارهما الجديدة وانتقال خالته معهما لاجل (كميلة)، وكميلة
كما يبدو- هي زوجة تركي وابنة خالة عبد الرزاق.
*في يوم الجمعة 18 تموز كتب يقول (رجعت من المحطة بعد ان ودعت الام وهي متجهة الى الديوانية ومن هناك الى الشامية فليحرسك الله ايتها الام). وفي مكان آخر يبدو واضحاً ان (الام) هي ام (سامرة) زوجته وانه يشتاق لهما سوية حتى عادتا بعد فترة.
*في 14 تشرين الاول يشير الى انه نقل من مديرية الاجراء المركزي الى محكمة تمييز العراق وقد عاد بعد ذلك فنقل بعد ثلاثة ايام الى دائرته القديمة.
*في الخامس من كانون الاول يكتب (عصابة سراق ومتآمرون فسحقاً لهم!).
*في 23 كانون الاول يكتب (ان الملاريا فتكت باهل القرية
ويقصد الشامية- وفوزية شاحبة الوجه وعليلة).
*وفي 24 كانون الاول يغادر الشامية معلقاً على جهل العم ومودعاً شقيقته فوزية المريضة ايامها.
***
هكذا تنتهي يوميات المفكرة العصرية لعام 1942 ومعظمها يوميات شخصية لا تشير الى نشاط سياسي واضح الا بعض اشارات عن غياب (س) آو (ص) عن موعد في مفكرة (العرب) الصادرة عام 1947 عن ادارة مكتبة المثنى ببغداد لصاحبها قاسم الاعظمي (قاسم محمد الرجب) كتب (مؤلف) المفكرة الملا عبد الحميد الزيدي مقدمة لها تم جاء ترتيب الاشهر الشمسية والقمرية ثم اعقبته صفحات اليوميات الخاصة بعبد الرزاق الذي كتب:
يوم الاربعاء (1) كانون الثاني
شاهدت اربعة فصول تمثيلية قام بتمثيلها طلاب معهد الفنون الجميلة على مسرح قاعة الملك فيصل الثاني: تاجر البندقية،قيس وليلى، الوطن،محاسن الصدف.
الثلاثاء (7) كانون الثاني
ومضت علي ثلاثة اشهر وانا ادرس اللغة الفرنسية في معهد الآباء الكرمليين.
السبت 12 نيسان "المستشرق الفرنسي الاستاذ بروفنسيال في السوربون).
السبت 7 حزيران : "البدء في المعاملة واعطاء التقرير مع الصور ودفع مائة فلس والتوقيع على التصريح الفرنسي للسفر".
الاحد/ 29 حزيران
كتب يقول "الرجوع الى الجحيم.. أي والله فلقد رجعت الى الضرب على الالة الطابعة بعد ان انتهت اجازتي ولم تأتي (كذا) الموافقة من وزارة الخارجية الفرنسية وكل املي ان اسافر خلال هذا الشهر الى فرنسا.. اكاد انشق من الغيض (كذا) وانفجر من القهر ولكن لكل اجل كتاب وانني في انتظار رحمة الله"
31 آب
بتاريخ 31/8/44 صدر أمر تعييني في مديرية الدعاية العامة ببغداد براتب 6 دنانير وبتاريخ 31/8/47 صدر امر قبول استقالتي من المديرية المذكورة بعد ان بلغ راتبي (15) ديناراً فلله الحمد اولاً واخيراً.
(5) ايلول "في طريقي الى فرنسا.. قضيت ليلة امس في الصحراء في سيارة نيرن".
2 ايلول "في الشام" وتستمر عبارة "في الشام" ليومين اخرين، وفي يوم الجمعة (23) ايلول كتب يقول "في بيروت".
الاربعاء 17 ايلول "وصولي الى فرنسا".
(19) ايلول الـ دفعت 2000 فرنك لصاحبة الغرفة، يبدأ الايجار من هذا اليوم".
(20) ايلول: "تذاكر العيش..!!"
(22) ايلول: "مدرسة الاليانس فرانسيه".
23 كانون الاول "ابتداء العطلة.
وفي صفحات الاجمالية السنوية كتب عبد الرزاق:
عباس حسن الصراف المحامي (كاظمية)
اعظمية- هيبت خاتون رقم الدار 19/2/28
علي حميد
اوتيل غازي بجانب السينما- شام
لوكانده امريكو- بيروت
اجرة السفر من بيروت الى مرسيليا
اجرة السفر من مرسيليا الى باريس
اجرة دخول السوربون
الدرجة الثانية 4885
الدرجة الثالثة 2000
من مجمل هذه اليوميات نجد تداخل الخاص الشخصي (الاسرة والوظيفة) بالخاص الثقافي الذي توضح في توقه الى السفر الى فرنسا والتحاقه بالسوربون لسنتين وقد نتج عن ذلك عدم استطاعته الاستمرار في الدراسة على حسابه الخاص وحضوره مؤتمر انصار السلام (    ) حيث عاد بعدها الى العراق ليصدر كتابه الاول (اجراس السلام) الذي يصور اهمية حركة السلم ونشاطاته داخل المؤتمر، وهوامر دفع به الى التوقيف والسجن فقد كان تنظيم انصار السلام من التنظيمات الممنوعة في قوانين النظام الملكي ويحكم على (متعاطيها) بالسجن وفق قانون العقوبات البغدادي.


سامرة عبد الرزاق توجه نداء عنه عام 1974
 

في عدد جريدة (طريق الشعب) المرقم 261 والصادر في 20تموز 1974 وجهت المغفور لها السيدة سامرة عبد الرزاق الشيخ علي نداء الى كل من يعرف القاص الذي اختفى فجأة واتهمت السيدة سامرة الامن العام بتصفية والدها الشهيد ثم تحدثت عن قصصه وكتابه (اجراس السلام) ودعت من يعرف شيئاً عنه وعن مسودتي كتابين له اختفتا معه ان يساعدها في العثور على اثاره، وجاء في نداء ابنته:
"ابي.. كيف انت يا ابي؟" جملة اكثرت انت في ترديدها في قصتك (من الانصار) وكأنك قد استعجلتني في سؤال اردده الان كل مرة..واسترجع صوتك في قصتك وانت تقول لها (لا تبكي فهناك غيرك، مثلك، صغار يموتون وغيرهم يتامى.. وانت ايضاً ستموتين.. وانا اموت) وتختم قصتك بمخاطبتك لي (آه يا بنيتي.. يا صغيرتي.. من اجلك انت، ومن اجل غيرك.. نناضل من اجل السلام).
لقد ظللت اردد هذه الكلمات خلفك وكنت اتوقع رجوعك كل ساعة بعد ان اختطفك زبانية بهجت العطية في احد ايام تموز عام 1957 لانك عودتني على هذه الحياة فياماً غبت عنا اياماً واشهراً وسنوات ثم عدت..
ذكرياتك كثيرة وعميقة الجروح ايها الوالد الشهيد في سبيل حرية الشعب. اني لاذكر فرحك الكبير باصدار كتابك (اجراس السلام) عام 1951 وحين سجنتك السلطة الملكية بسبب كتابك.
اذكر اننا كنا نلتقي في ايام المواجهة في سجن بغداد وبعقوبة حيث أمضيت عاماً ونصف العام واذكر كل سفراتك واعتقالاتك العديدة.. ولكنك خلال ذلك عودتني في كل مرة مهما طال غيابك وطال انتظاري
انا وجدتي العجوز- ان نظل ننتظر اللقاء بالرغم من التشرد والضياع والظروف الصعبة.. نعم كنت ترجع وتقص علينا اجمل الحكايا موضحاً الصلابة النضالية التي يتملكها رفاقك وتتملكها انت.. فما زالت ذكرى رفضك مصافحة مدير سجن بعقوبة بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك ضارباً يده قائلاً له- انني ارفض بقوة مصافحة يد ملوثة وملطخة بعار تعذيب وقتل المناضلين الشرفاء من ابناء شعبي العظيم وكيف صعق جلادوك من تصرفك هذا وكيف نقلوك اثر ذلك الى سجن انفرادي مكبل اليدين والرجلين بسلاسل ثقيلة.. لقد كنت بحق تحمل روحية كل المناضلين الشيوعيين، ولقد احس الجلادون هذا الاحساس فيك فراحوا يعذبون رفاقك امامك.
عام ونصف قضيت قسماً كبيراً منه في سجن انفراداي والجلاد مدير السجن يصب نار حقده الاسود عليك.
واذكرك يا ابي في المنفى وقصة ذلك القلم الذي اعجبت به واحببته سمير الذكريات وكان هدية من احد الرفاق وكم كنت معتزاً به لانه من رفيق مناضل.
واني لاذكر وانا فتاة صغيرة سنة 1949 عند رجوعك من باريس بعد ان قضيت هناك ثلاث سنوات في الدراسة وعند رجوعنا من المطار واذا بك وجهاً لوجه مع اعواد المشانق التي كانت تحمل اجساد الرفاق الخالدين، لقد كان منظراً مريعاً بالنسبة لك وضربت على جبينك بقوة وفوجئنا بك وانت تضرب عن الطعام لعدة ايام حزناً على رفاقك الذين جمعتك معهم ايام النضال.
ايام كان الرفاق يختفون عندك في البيت كانت اياماً نعتز بذكراها.. ابي العزيز.. ان ابني عمار بدا يعرف عنك كل شيء.. وقد كان يوم ولادته هو اول يوم من رجوعك من المنفى (بدرة) يوم 14 تموز عام 1957 وقد غضبت عندما رايته ملتفاً بقماطه وقلت لي حرريه.. من هذه القيود ففي هذا اليوم حلت كل قيود العبودية، ذكرى تحطيم سجن الباستيل.
اني ارفع ذكرياتي هذه لتكون كسؤال لكل الشرفاء
-اين ابي.. اين نصير السلم عبد الرزاق الشيخ علي من يعرف عن مخطوطاته الادبية شيئاً.. فكل اختفى عنه.. حتى تراثه الادبي.. لقد اختفى وهو يحمل حقيبة كبيرة تضم كتابين معدين للطبع وللنشر ولكن الظروف كانت لا تسمح بذلك كتاب (آلهة الارض) و(الدنيا بخير) واقاصيص اخرى.
اني اليوم ارفع صوتي بنداء لكل الناس الشرفاء الطيبين.. لكل من يهمه الامر ان يعثر على اثار مؤلف (حصاد الشوك) و(اجراس السلام) و(عباس افندي) ذلك الانسان الذي ذهب ولم يعد.


من قصصه المنشورة


*حصاد الشوك (مجموعة قصصية)- مطبعة الرابطة بغداد-
*عباس افندي (قصص) مطبوعات مجلة
الثقافة الجديدة- مطبعة العاني بغداد- 1959.
*بين يدي الطبيب- مجلة الرابطة- ع 12-22 كانون الثاني 1946
*يشرب دم اخته- مجلة الرابطة- ع21-تموز 1946
*بائعة الحب- مجلة الاديب (بيروت)- ع2 شباط 1946
*كسوف- مجلة الاديب (بيروت) -124 كانون الاول 1949
الدرس الاول- الاوقات البغدادية اذار- 1951
*المسلخ الكبير (نشرت مسلسلة في جريدة صدى الاهالي بين عامي 50-1951).


التجربة القصصية في (عباس افندي)
 

مجموعة (عباس افندي) القصصية تجمع سبع قصص قصيرة مختارة للقاص الراحل تشكل جزءاً اساسياً من تجربة القاص في مرحلتها الاخيرة بعد ان تعايش مع بيئة ثقافية اخرى هي بيئة باريس لسنتين وعاد مثقلاً بالالم نتيجة حلم لم يتحقق هو اكماله الدراسة في السوربون ليعيش معركة الوجود والفكر الديمقراطي مع النظام الملكي وليزج به في السجن حتى عام 1957.
القصة الاولى (عباس افندي) تتمحور في شخصيات: عباس موظف الحكومة وشقيقته فوزية التي يعاني عباس من طلاقها وعودتها له وشخصية (سومه) الباهتة المعالم.
وتجربة عباس افندي تجربة انسان حالم بحرية حصل عليها بزواج اخته حيث استعد للزواج وفقدها بعودة فوزية اليه مطلقة.
والقصة تنتمي الى ذلك النوع من السرد الاجتماعي الذي تنتمي اليه معظم قصص المجموعة فالاحداث تتسرب دون محطات مفاجئة ولا بنى استعراضية، تصور صورة حياة في وقت يكتب فيه القاص اقصوصة (كان وكان) التي تصور قصة (كان وكان) نموذجاً لتجربة نضالية -بطلها (سعيد) افندي وصديقه الفلاح الذي دخل معه تجربة النضال فحكم على الافندي بخمس سنوات وعلى الفلاح بستة اشهر، وعند خروج سعيد من السجن يجد صديقه الفلاح يسخر من امكانية التغيير وقد اعتراه يأس تصدع الاحلام لكن حوارهما يدفعه الى العودة الى (الطريق) وهي قضية مفروضة من خارج البنية القصصية هدف منها القاص استمرار الامل لا اكتساب تجربة خلق قصصي غير مصطنع.
في القصص الاخرى (الافعوان) و(الليل) و(من الانصار) تجد البنية النضالية هي اساس العمل القصصي ولا تعدو القصص سوى ان تكون مانفيستو نضالي داخل السجن وخارجه فيما كانت قصة (بين يدي الطبيب) تشكل صورة انتقادية لتصرف بعض الاطباء فهي رسالة احتجاج اكثر منها قصة مبنية فنيا.
عالم عبد الرزاق عالم مليء بالاحلام والاحساس الدائم بضرورة الحرية والعمل من اجلها وهو قاص فهم العمل داخل النفس الانسانية القلقة (ماجدة في الافعوان وسعيد كركر الكردي في (زمن الانصار) وأم سعيد في (الليل) وهو يتقن بناء المنولوج الداخلي الذي يساعد على لحم ما اضاعه البناء التقليدي في معظم قصصه.
ان تجربة عبد الرزاق الشيخ علي القصصية ينبغي ان تفهم على اساس مكانتها التاريخية داخل القصة العراقية ولا تحسب على اساس التجارب الجديدة التي اعقبت ذلك بدءاً من تجارب عبد الملك- التكرلي فقد عاش عبد الرزاق حياة مضنية وغير هادفة ومليئة بالصدمات حتى اختفائه في 14 تموز 1957.


قصة قصيرة .. فضول
 

عبد الرزاق الشيخ علي

وقف بباب مجحره منتصب الاذنين نشط الانف وشمل المكان بنظرة ثاقبة من عينيه اللامعتين. كان الهدوء شاملاً إلا من انفاس منتظمة مالوفة طالما اصاخ اليها بشغف ولذة. ونقر قوي سريع على الواح شفافة بيضاء ألفه في هذا الفصل وفي الشتاء الماضي عندما كان يسعى وئيداً في طلب غذائه بعد ان ذهبت امه في رحلة غامضة.
اطمأن إلى ما حوله فرفع يديه الدقيقتين واعتلى حافة البساط بخفة ومضى يستعرض ما عليه فلم يجد ما يسترعي انتباه معدته واسنانه فتلك الصحف المبعثرة على البساط والكتب المرصوفة في المكتبة والملابس الموضوعة بالدولاب، يعمل فيها اسنانه في غير هذه الساعة التي يستقبل فيها أنفه رائحة طيبة وهناك هناك فوق هذه القوائم الطويلة.
لم يلاق كبير صعوبة في اعتلاء صدر المنضدة. ولم يكن يرى الجبن موضوعاً بين الخبز والفاكهة حتى هز ذنبه طرياً واطبق عليه باسنانه الدقيقة بنشاط عظيم.
احس بامتلاء بعد قليل، فتوقف عن القرض ورغب في اللعب. طفق يلهو بقطعة الجبن فاهتزت الكأس في مكانها فراقه ذلك الاهتزاز. ونشط في استدامته. ضربها برأسه ورفعها بجنبه ويديه، وفجأة مالت الكأس وانقلبت على قطعة الجبن وسال بعض ما فيها على رأسه، مكث برهة يحدق في السائل الابيض والكأس المائلة، وكان النقر مستمراً وكذلك الانفاس المنتظمة فدفعه الفضول الى رفع يديه والوقوف على قدميه، وادخل رأسه في الكأس فتأثر برائحة قوية كانت تفوح منها وشرب الثمالة.
مضت فترة والجرذ واقف في مكانه لخدر اصاب اطرافه وحرارة تصاعدت الى رأسه. اشياء لا عهد له بها تتحرك فيه، يداه تطولان! رجلاه تتضخمان! فمه يتسع لالتهام القطط كلها مرة واحدة وانطلق يرقص نشوة وانتشاء غب برهة وجوم وجحوظ انه ينمو.. انه يكبر سيمزق صدور القطط بمخاله الفولاذية ان جرؤت على اعتراض سبيله في الخروج من وراء هذه الجدران الضخمة العالية، آه.. هذا زميل جديد.. وقفز عليه ينشد معانقته وتقبيله لكن وجهه ارتطم بصفحة المرآة بشدة.. فتراجع وهو يحملق متعجباً في ذلك الجرذ الذي يضرب من ينشد صداقته.. وتهيأ للقتال بيد ان الانفاس التي تحولت الى شخير عالٍ صرفته عن العراك واسترعت انتباهه، اندفع نحو السرير واعتلاه.
كان قد الف انفاس صاحبه واعتاد النظر الى وجهه اثناء تطوافه.. لكن الوقار كان قد زايله في ذلك اليوم وتملكه الفضول في معرفة ما في داخل الثقبين اللذين يخرجان تلك الاصوات العالية، مد ذنبه بهدوء وفي هذه اللحظة انفتح الباب ببطء واحتراس وارتفع في جو الغرفة عطاس سمر الجرذ في موضعه، وبينما هو يحاول الحركة سقط عليه شيء انتزعه من مكانه بشدة وقذفه بعيداً.. وكان القط الذي دخل الغرفة قبل هنيهة يتأمل ذلك المشهد متحفزاً فما كاد الجرذ يرتطم بالجدار حتى وثب عليه بخفة وحماس عظيمين ورددت الحيطان صدى قهقهة وتصفيق.


عبد الرزاق الشيخ علي يعود مع الربيع
 

كاظم السماوي

كان عائدا من باريس، شعره الاسود الفاحم المسترسل وراء عنقه: وكلماته الهادرة المدوية.. وعيناه العميقتان الكبيرتان الكئيبتان.. كان يقول اشياء جديدة.
ويتحدث في اشراقات دنياً كانت حلماً زهواناً في اعماقنا آنذاك، لشدة ما كان شغفه عميقاً باستجلاء ذكرياته تلك حيث لم تكن الايام قد اسدلت ستارها الكثيف عليها بعد..
وكان ينتقل بين احياء باريسية معروفة، الشانزليه، مونمارتر.. مونبارناس. اللوفر.. نوتردام.. اللايبار..
وفي احدى الامسيات كان لنا موعد تحت كومة متناثرة من النخيل في مقهى بسيطة وعلى حصيرها الاسمر..
ننثر مجموعة تلك الذكريات، صور، ولوحات، وبطاقات ملونة- كان بعضها لفنانين عرفتهم باريس قديماً وحديثاً: غوثمان- رينوار- دي لاكروا- بيكاسو.. وكان ينطق اسماءهم بلهجته الباريسية الجديدة.. ثم يجمع تلك الكومة من الذكريات ويفتحها على طرف المنضدة المتآكلة.. ويصمت قليلاً.. ثم يردد.. والأدب!!
وكأنما اراد ان يسبقني اليه قلت: قصته هناك..
"وابعد من هناك.. الادب يعني الانسان الشامخ، سيد الارض، وصانع الحياة، فاذا لم يكن هذا هو محوره فانه ثرثرة حانقة، وصناعة بائرة.
فالأدب، دم، ودموع وجراح ونار، وإشراق وهو بعد هذا كله يهندس للغد العملاق..
غد الانسان، ومن اجل هذا فإنني امتهن الأدب إن لم يكن قادراً على كسر سيف الطاغية، وتخريق شراع القرصان، وهدم قلاع البربري.
انه هيبة اعصار الجموع، وبناء الغد.. غد الشموخ والاشراق والفرح.
الغد.. نحن بناؤه اهل القلم.. كاتباً وشاعراً ومفكراً ومن صنع اقلامنا التي تجوس الظلمات ومتاهات الجوع، وزرائب السجون.. نصغي الى معاناة مضطهدة، وآهة مستغل، وجراح قتيل، في هذه الدروب يسير الادب الى غده المشرق.. حيث هي تبقى الاكواخ وتبقى السجون والاضطهاد والاستغلال وثائق قديمة لعصر غابر فيما سيأتي به التاريخ من غد يسوده زهو الحب والربيع الذي يخبو ولا يذبل ولا يموت ربيع الانسان الخالد..
كان عبد الرزاق يؤكد على هذا.. باصرار مضطرم وايمان لا يتزعزع بغده الكبير عند باريس وبغداد، هاتين المدينتين اللتين كانتا تتنازعان حبه وعذابه وآماله الكبار..
ليلة صيف تلك التي طال فيها لقاؤها الاول الى ما بعد الهزيع الاخير
حتى اذا انقضت السابلة الا من المسهدين عدنا نجر خطانا على ارصفة بغداد الكئيبة المثقلة بالهموم.
وفجأة ران الصمت على سيمائه المتشنجة غضباً وانزوى في عينيه المتقدتين صدى بعيد من الذكريات.
لقد لقيت عبد الرزاق بعدها مراراً في الطريق الطويل.. وكانت الآفاق تتلبد بالعواصف والاعاصير.. وليال لم تكتمل بإشراق نجم.. وبدأ عبد الرزاق يلملم ذكرياته يسكبها في قصصه التي نشرتها له الاهالي، ثم استقرت في مجموعة "حصاد الشوك" وكان اسم هذه المجموعة وشيج الصلة بالاشواك التي تحف بالطريق الطويل.
فقد كان يعي ويدرك كل كلمة يكتبها ويقولها..
ويعرف أي افق من غده نجد السبيل
اليوم والغد الشوك والسنبل لكليهما حصاد.. وتتشامخ حركة السلم عبر الآفاق البعيدة ويسافر عبد الرزاق الى (برلين) في اول وفد عراقي!! لقد كان ذلك آنذاك حدثاً سياسياً عبر تاريخ بغداد السياسي، فمن يستطيع ان يمر عبر بوابة بغداد الجديدة، ولكن التاريخ يحدثنا ان الحرية تجد لها منفذاً عبر اضخم اسوار الطغاة.
وهكذا وقف عبد الرزاق الانسان البسيط على اطلال الزيخشتاغ ثم عاد يحدثنا عن الاطفال والزهور، والرايات الزرقاء، والحمامات الراقدة فوق اكوام الرماد والخرائب والاطفال، وشباب الدنيا اسودهم وابيضهم ينشدون لحناً واحداً بعشرات الكلمات واللغات.
للسلم، وللإخاء، للاطفال، للزهور، للموسيقى، للثغور القرمزية الصغيرة..
الاطفال الذين كان عبد الرزاق يعانقهم في الدروب والشوارع والحدائق، ثم عاد ليحدثنا عنهم.. اولئك الذين فقدوا آباءهم في قاع بحر، او تحت اطلال في ساحات مجهولة.. آباءهم الذين لن يعودوا الى الابد.
ورجع عبد الرزاق ليشد على يده ويقرع (اجراس السلام) ، لأطفال بلاده السمر من اجل ان لا يظلوا على قارعة الطريق ينتظرون عودة آبائهم الذين لن يعودوا.. الى الابد!!
وكان آنذاك يقرع جرس السلام.. ولقد كانت بغداد كهفاً اسود لعصابة لصوص تبيع وتشتري بالدم، والشرف والضمير.. تبيعها في سوق النخاسة لأي دافع ثمن.
ويقف عبد الرزاق في قفص الاتهام وتضمه السجون في الصحراء المقفرة في "نقرة السلمان" تلك القلعة البربرية في احضان الرمال، والرياح والسموم..
وكنت آنذاك خارج العراق فلم اسمع عنه بعد هذا سوى ان الجدران السود قد اطبقت عليه واخرست الكلمة النذيرة، وابرم حلف بغداد..
هكذا سمي باسم مدينته التي احب اطفالها ونخيلها وبسطاءها واراد لها ان تكون أفقاً يمور بألف جناح، وارضاً تميس في جنباتها ضفائر السنابل الذهبية والزهور..
وها إن عبد الرزاق يدفع ثمن تلك الاحلام الشريفة ويقضي شبابه واطيافه الملونة بألف قوس قزح في صحراء وظلام عام 1954..
الشقاء دثار مخملي ابيض يجلل الربوات والجبال والارياف وكان بيتي هناك انا واطفالي نقلب ايدينا على لهب الموقد.. وطرق الباب واطلت ورقة صغيرة تحمل اسمه.. انه ينتظرني في مقهى بحري على شواطئ البحر الابيض.
وهرعت انزل الدروب الملتوية بين احضان البحر وبيوت القرميد الاحمر المتناثرة، لشدة ما كنت في شوق ظامئ له- ووجدته يتأمل البحر المترامي البعيد..
كان وقلق الضياع يطل من قسماته وشددت على يديه طويلاً وجلست ليحدثني بحسرة عن الخيبة في ان يجد العلاج لدائه الوبيل.
وصعدنا الجبل ثانية.. وضمتنا الليالي الطويلة حول موقد النار، كان انساناً نسيجاً وحده..
لا ينزل كتفيه للصاعدين النازلين- كان صريحاً الى قرارة الاعماق.. كان يبصق على الوجوه الشنيعة ذوات الاقنعة، وكان يقول اشياء تشنج اعصاب الطيبين.. اذا شطوا او ركبهم الغرور او نسوا انفسهم قليلاً، وتعالوا بأكتافهم وانوفهم.
كنا جماعة من شريدي الطغيان يضمهم الجبل الابيض المكلل بالثلوج- بين محكوم غيابي في مجالس نوري السعيد العرفية، وبين هارب من السجن، وبين طريد ضاقت به الآفاق، اساتذة ودكاترة وعمال، وطلاب..
وكل صباح يوم احد نجتمع ونقرأ ونتحادث وكان يجلس بيننا عبد الرزاق صامتاً طيباً.. ولكنه سرعان ما ينفجر كالبركان اذا ما لسعته كلمة مغرورة ويكاد ينقض كالاسد الهادر فلا يهدأ حتى يعيد ذلك الانسان الى اعماق حقيقته..
وقد احببت عبد الرزاق في منفاي الصغير.. فقد كان انساناً حقاً، كان يبتسم بعمق اذا ما المت بنا ملمة.
كان لا يغير داؤه الوبيل اهتمامه.. كان متفائلاً كبيراً فكم ذرعنا الدروب العتيقة من الجبال.. وحديثه المنساب لا ينقطع عن احلام غده الزهوان.
كان انساناً عجيباً اذا ابتسم تجد الوادي والجبال والاشجار تكركر معه.. وكان على زاوية فمه اصرار عجيب.. وذات صباح جلسنا كعادتنا نتصفح الجرائد اللبنانية وعلى زوايا تسمرت عيناه او ظل كذلك امداً طويلاً.
اراد ان يبعد الجريدة ولكني تناولتها برفق.. وكانت تحمل آنذاك لي ولاصدقاء آخرين انذاراً باسقاط جنسياتنا اذا لم نطاطئ هاماتنا للسادة الاجلاف.
وغرقت عيناه في عيني طويلاً دون ان ينطق بكلمة، لقد كان يقرأ كل لمحة من لمحات وجهي.. يقرأ اصراري ناطقاً مدوياً ثم ظلت نظراته معلقة في الافق البعيد.. البعيد..
1954..
ميناء بيروت.. وجواز سفر عبد الرزاق كان اسمه (محمد حسين) وحقيبة صغيرة فيها كل ما امتلك في الحياة، كتابات، وبدلتان، وشيء كان يصفق بجانبي ضمير. امواج البحر تترامى الى ما وراء المجهول تمتد وتمتد امام عيني وبجانبي لم يزل عبد الرزاق المودع الوحيد.. كان لا يقول شيئاً.. كان يصرخ بصمت كانت عيناه تتقدان جمراً.. غضباً.. كان لا يقول شيئاً
صفير الباخرة .. هزات يده السمراء النظيفة جداً كضميره..
جمر عينيه يتقد خلال رعشات مناديل بيضاء لم تكن لي
من اضواء بيروت.. تغيم وينأى بها الافق البعيد..
عام 1959
شارع الرشيد.. اتصفح الوجوه اسال عنه المارة.. اقتحم الابواب.. اطرق الصمت على كل شفة.. اتوسل للحيرة في كل عين.. قلت لهم كان اسمه محمد حسين.. ايضاً.. قلت لهم كل ما قاله لي من اشياء.. ووجدتني اجلس بعد لهاث!! في مكتب جريدة لأكتب بتساؤل جريح "اين عبد الرزاق؟" وتحمل الجريدة ذلك التساؤل الى عشرات الالوف من الناس البسطاء الذين احبهم عبد الرزاق..
ولكنهم مثلي لا يدرون!! ولا يعرفون سوى ان يرددوا تساؤلي مرة.. وثانية، وثالثة.. مئة مرة!
ايها الناس الذين ترددون الف مرة كل يوم.. اسم الحرية.. والسلم، والانسانية,,
ايها الادباء العائدون كل مساء الى بيوتهم وفي لهفة تعانق اطفالهم الصغار..
اذكروا.. عبد الرزاق الانسان الذي يعيش في بسمات اطفالكم.. الانسان الذي قرع جرس السلام.. وغاب .. ولم يعد.
ان لم تجدوه.. فتشوا عن رجل اسمه محمد حسين ايضاً.. وقولوا لاصدقائه هنا وهناك السائلين عنه انه سيعود مع الربيع.. ربيع انسانيته الكبير.

 

 

للاتصال بنا  -  عن المدى   -   الصفحة الرئيسة