مكتبة الأوقاف العامة.. بغداد- باب المعظم

مكتبة الأوقاف العامة.. بغداد- باب المعظم

من ضمن المشاريع التي نفذها مكتب محمد مكية ومشاركوه، في النصف الثاني من الستينات، مبنى مكتبة الأوقاف العامة (1967)، في منطقة باب المعظم ببغداد. ومن المعروف، ان مبنى مكتبة الأوقاف التي شيدت في نفس المنطقة سابقا وافتتحت رسميا في 9 كانون الثاني سنة 1932، ظلت تعتبر كأحد معالم منطقة باب المعظم الحضرية، قبل ان تتم إزالتها سنة 1960. ولئن كانت سابقتها تلك وليدة الإنتاج الحرفي (يقال ان "معمارها" أحد الأسطوات البنائين البغداديين، وهو السيد عبد الجبار الجدة، وتم تشييدها بإشراف المهندس محمد علي أفندي. <نقلا عن سالم الآلوسي في رسالة خاصة إلى المؤلف>)، فإن عمارة المكتبة الجديدة، نشدت ان تعكس التغييرات الكبرى التي شهدتها العمارة، ومقارباتها المتنوعة، بالإضافة إلى تبيان التقدم التكنولوجي الحاصل في الأساليب البنائية والمواد الإنشائية.\

 

اختار مصمم المكتبة الجديدة، ان يكون الوضوح وسهولة التعاطي مع أحيازها، المعيار الأساسي في الحل التكويني لمبناه. من هنا، جاء حرص المعمار ورغبته، في ان يكون مبناه بسيطا وبعيدا عن الغموض أو الالتباس، إن كان ذلك لناحية الحركة، أم لجهة الاستدلال على فضاءات المكتبة، أم في اختيار نوعية المواد الإنشائية، بل حتى في طريقة أسلوب معالجة واجهاتها. في عمارة هذه المكتبة، ينزع المعمار أيضا، إظهار التنوع في إطروحته المفضلة الخاصة بمفهوم الجدار ذي الأبعاد الثلاثية، هو الذي سبق ان شاهدنا نماذج منه في كثير من المباني التي نفذت في الفترة الزمنية التي نتحدث عنها، وتحديدا، النصف الثاني من الستينات. شاهدنا ذلك في مصرف الكوفة (1968)، وفي مصرف كربلاء (1968)، وكذلك في مكتبة كربلاء العامة (1969) أيضا. وهنا، كما في مشاريع أخرى مصممة من قبل المكتب، يتبدى الجدار مجزأً إلى وحدات معينة، يضفي تكرارها الإيقاعي، خصوصية معينة على واجهات المبنى. وبما ان المبنى ، ينهض طليقا في الموقع المخصص له، أي ليس من ثمة أبنية لصيقة به، فإن المعمار حرص على تأكيد بساطة الفورم المختار، من خلال قراره بان يكون تنطيق مفردات واجهاته قدر الإمكان متماثلة؛ عدا الواجهة الرئيسية، التي دأب على تغيير موتيف معالجتها، حتى لا يقع في شرك الملل والرتابة.

تتألف موضوعة واجهات المبنى، كما أشرنا تواً، من وحدات تصميمية مستقلة ومنفصلة الواحدة عن الأخرى. وهي تنشأ جراء تجزئة جدار الواجهة و"تكسرها" نحو الداخل. ويتحقق ذلك الانفصال الحادث بيت تلك الوحدات، عبر إظهار عناصر القوام الإنشائي الهيكلي نحو الخارج. فيحرص المعمار على إبراز الأعمدة الحاملة الخرسانية، كفاصلة بين تلك الوحدات المشغولة بالآجر. وبغية تأكيد واقعة "الفصل" ، فانه يلجأ إلى عمل نوافذ شريطية (فرتكالية)، تمتد على طول جهتي تلك الأعمدة الحاملة، مستثمراً إياها كوسيلة لإضاءة أحيازه الداخلية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، يستفيد من وجودها في موقعها المتوسط لإحراز انتقال سلس، بين نوعي المادتين الإنشائيتين المختلفتين، اللتين يتعامل معهما في الواجهة، وهما: السطوح الآجرية الصماء والأعمدة الخرسانية. وفي سبيل تفادي الإحساس بثقل وحدات الواجهة ذات السطوح الآجرية الصماء، فقد انصب اهتمام المعمار في جعلها تبدو اكثر خفة ورشاقة، من خلال قرارين تصميميين، أولهما، أن لا يجعل تلك الوحدات تنهض من الأرض مباشرة، من خلال عمل فجوة فراغية، شغلت المسافة ما بين الأرض وقاعدة خرسانية، امتدت بشكل كابوليCantilever من جسر الهيكل الإنشائي، هي التى اتكأت عليها الوحدة الآجرية المتكسرة. وقد تم غلق سطحها العلوي بواسطة بروز كابولي أيضا، يشبه نتوء القاعدة، لكنه يبرز الآن من جسر الهيكل الإنشائي الأعلى. أما القرار التصميمي الآخر، فانحصر في جعل "ستارة" المبنى Parapet ، تمتد أفقيا، بعيدا عن سطح الجدار، وهي الأخرى محمولة، أيضا، من خلال بروز كابولي، ناتئة من الأعمدة الخرسانية. وبهذه المعالجة، فقد اكتسبت واجهات المبنى خفة إنشائية، رغم طبيعة المادة الإنشائية وطريقة استخداماتها الصلدة. وقد ساهم إيقاع الوحدات الآجرية والفجوات العميقة بينها إلى التخفيف من وطأة حمولة وثقل الجدار المشغول بالطابوق.

اهتم المعمار في تبيان عمومية مبناه من خلال التشديد على مفردة المدخل الرئيس، وإيلاء تصميمه رعاية خاصة. إذ دفع المصمم المدخل إلى عمق المبنى، منشئاً "فناءً" أمامه. لكن هذا الفناء تميز بارتفاعات متباينة. ففي حين كان مقدم الفناء بارتفاع واحد، جاءت نهايته بارتفاع مزدوج Double volume ، مما أضفى على منطقة المدخل أهمية تكوينية خاصة ساهمت في تكريس تفرده التصميمي ضمن عمارة المكتبة ككل. اتسم الحيز الداخلي للمكتبة بتوظيف الإشغال الحر المكتبي، الذي أتاحه القوام الإنشائي الهيكلي المعتمد في إنشاء المبنى.

وفي العموم فإن عمارة مكتبة الأوقاف انطوت على درجة كبيرة من الوضوح التصميمي، عكس بساطة التقطيعات الداخلية، وتوق المعمار لتسهيل مهمة مستخدمي المكتبة. بقي علينا الإشارة إلى امر واحد، نرى بانه لعب دورا سلبيا، وساهم في التقليل من أهمية عمارة المبنى، وهو القرار الخاص باختيار موقع المكتبة، الذي تم اختياره منزويا وراء أبنية أُخر، بعيدا عن الشوارع الرئيسية،مما قلل من حضوره الحضري، أدى إلى غياب عمارة المبنى من شواهد المكان التي تُرى بشكل ملائم، وهو ذات الأمر الذي جعل من عمارة مكتبة الأوقاف العامة ، ألا تؤثر تأثيرا عميقا وملموساً على عمارة المنطقة التي تتواجد فيها، هي التي تميزت طبيعة عمارتها بالحلول التصميمية المعبرة، كما اتسمت طريقة استخدام الطابوق فيها بأساليب حداثية، جعلت من واجهاتها، لتكون أحد أجمل مباني بغداد في ذلك الوقت.

ود. محمد مكيه معمار المبنى، مولود سنة 1914، ببغداد. وقد أصدر لفيف من المعماريين والمثقفين العراقيين، قبل فترة، بيانا تكريميا بمناسبة قرب حلول مئويته، ونشر على نطاق واسع في الميديا العربية. صمم عدة مبانٍ بالعرق وفي بلدان الخليج, وعدت تلك المباني شواهد مهمة في المدن التي نفذت بها تلك المشاريع. منها "مسجد الخلفاء" ببغداد (1963)، ومصرف الرافدين في كربلاء (أزيل مع الأسف)، وكذلك فرع مصرف الرافدين في الكوفة (1968) <الذي هو الآخر، أزيل بصورة تعسفيه في التسعينات، ويسعى لفيف من المعماريين والمثقفين العراقيين لإصدار بيان يناشدون به المسؤولين المحليين، إعادة بنائه مجددا، كإيماءة احترام للمعمار "المئوي" وإثراءً للنسيج البنائي للمدينة الي شيد فيها ذلك المبنى الاستثنائي بقيمته المعمارية>. وغرفة التجارة والصناعة في المنامة، البحرين (1975)، ومسجد الكويت الكبير (1976)، ومشروع جامع الدولة الكبير في بغداد (1982)، وغيرها من المشاريع المهمة الأخرى. مقيم الآن في لندن.

ومؤخراً صدر كتاب عنه، (2014)، ألفه كاتب الزاوية هذه، وهو مكرس لمئوية المعمار بعنوان "محمد مكيه: 100عام من العمارة والحياة". وصدر في عمان / الأردن، بعدد صفحات 272 صفحة من القطع الكبير، والكتاب غني بالمخططات وصور المباني التي صممها محمد مكيه، وبعضها ينشر أول مرة. تم طبع الكتاب في مطبعة الأديب.

تعليقات الزوار

  • رياض

    هل استطيع مراسلة مكتبة الاوقاف للحصول على صورة من مخطوط هل لديهم تواصل الكتروني موقع الكتروني

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top