التعادلية لتوفيق الحكيم دفاع عن حرية المفكر وقداسة افكاره

التعادلية لتوفيق الحكيم دفاع عن حرية المفكر وقداسة افكاره

شكيب كاظم لقد دأب توفيق الحكيم على اثارة اسئلة حقيقة او وهمية، لتكون بداية لاجابة يدلي بها ليقيم عليها احد كتبه، يجيب عنها اجابة قد تطول وقد تقصر، لابل انها قد تطول لتشكل كتابا قائما بذاته، ولقد نهج هذا النهج في اكثر من كتاب من كتبه، فنجده في (الرباط المقدس) او (قصة الفن) وثالثا في (التعادلية)

كتابه الصادر عام 1955، والذي جاء ردا على سؤال من سأل ما مذهبك في الحياة والفن؟ وقد اطلق الاديب الكبير توفيق الحكيم لقلمه العنان، ليجوس في مناح متعددة من الفن والفكر والرأي في صفحات نافت على المئة والعشرين صفحة. ما يستحق الوقوف عنده ان توفيق الحكيم، قد سبق اهل زمانه في تأييده الفصل بين الفكر والالتزام، وبين الاديب والواجهات لان الالتزام يجعل الاديب والفنان تبعا للمذهب الذي يعتنقه، ولا يستطيع النظر للامور نظرة مستقلة بعيدة عن الموقف المسبق الذي يجعل عين الرضا والقبول كليلة عن رؤية مشاهد العيب والخطأ لابل يحاول تزيين الخطأ وتسويغه وايجاد المبررات له، خوفا من الاخ الاكبر المنبث في كل مكان ورجل الامن القابع في معطف كل واحد منا، والذي يجعل المفكر والاديب والمبدع خائفا اكثر من الخوف نفسه، واضعا في الحسبان ما آل اليه حال الكثير من اقرانه وزملائه وقد لايكون خوفا، بل اقتناعا بالنهج، وتلك مصيبة اسوأ واعم لان معناها ان خاصية الغوص في ذات الحدث، قد فقدت دوافعها في ذات- الاديب، وان المجسات الحساسة للاديب الفنان وقلمه قد اصابها الصدأ صدأ الفكر المهيمن الواحد، الذي احاله الى نوع من البلادة الفكرية ازاء الاحداث والمتغيرات لذا رأينا من يسخر قلمه لخدمة الانظمة على مدى عقود، على الرغم من الانعطافات والالتواءات التي مرت بها تلك النظم، لكن ظل هذا على مواقفه منها لايكاد يريم، او يراجع نفسه، كأنه تمثال حديد اصم وليس كائنا بشريا يتأثر ويتغير تبعا لحقائق الحياة والاشياء، غير ناظر الى ان اللحظة الزمنية لاتكاد تشبه اللحظة الزمنية التي تسبقها، او التي تأتي بعدها، لتأكيد ان الدنيا في تغير مستمر، والتي لاتتغير ولا تتبدل هي الاصنام الصم فقط. لقد كتب الاستاذ توفيق الحكيم، الذي يعد رائدا للكتابة المسرحية العربية التي تتعامل مع الذهن والعقل، والتي تكتب لتقرأ شأنها شأن الاعمال الابداعية الاخرى مثل: القصة او الرواية او الشعر، وكذلك تكتب لتمثل على خشبات المسارح، اقول كتب الحكيم كتابه (التعادلية) وسر رأيه في تعادلية الفكر والحياة، وان كان الكثير من ارائه في التعادلية بحاجة الى نقاش وتداول ولانه يعترف في ثنايا كتابه بأن لا احد يأمل في حلول نهائية او اجابات قاطعة، وانما المطلوب هو الاجتهاد في الملاحظة والتفسير، ولانه يقترب في التعادلية الى انواع من الثنائية او الثنوية، فالتعادل اذن هو الحقيقة الاولى للحياة على الارض فلما كان الشهيق يعادله الزفير فكذلك عالم الروح يعادل عالم المادة كذلك فالقلب او الروح يعادل العقل فالروح مكمن الشعور والتصورات والخوالج واللواعج في حين العقل مربط الافكار المادية العلمية، وان الجهد العقلي يكون معادلا للجهد العضلي، كل يصب من جانبه في خدمة الانسان وتقدمه، واذا كنا نمايز بين العقل والروح، فان غاستون باشلار في كتابه الرائد والرائع الموسوم بـ(جماليات المكان) صدر في ضمن (كتاب الاقلام) مترجما من قبل الراحل غالب هلسا عام 1980- يذكر وهو يناقش مسألة ظاهراتية الروح في الشعر، وكونها اكبر من ظاهراتية العقل يأتي برأي طريف مفاده: من النادر ان نجد في لغة الفلسفة الفرنسية المعاصرة، وكذلك علم النفس كلمتي عقل وروح على اعتبار انهما متمايزتان، ولهذا فان الفلسفة وعلم النفس الفرنسيين، لايستجيبان لموضوعات كثيرة جدا، نجدها في اللغة الالمانية حيث التمييز بين العقل والروح شديد الوضوح، ولكن نظرا لان فلسفة الشعر لابد ان تتمتع بكل ماللكلمات من قوة فعليها الا تبالغ في تسهيل او تصعيب اي شيء بالنسبة لفلسفة كهذه فالروح والعقل ليسا مترادفين، وحين تعدها كذلك فاننا نعجز عن ترجمة بعض النصوص الثمينة. ان اعتزازي بتعادلية الروائي والمسرحي والمفكر توفيق الحكيم يعود الى انه ومنذ بداية العقد الخمسيني من القرن العشرين في وقت صعود الراديكاليات الى سدة الحكم، وكانت الصوت الذي لايضارعه صوت، وفي صعود مفاهيم الالزام في الكتابة والتعبير، يطلع توفيق الحكيم بارائه المنادية بالحرية، وضرورة الفصل بين المبدع وبين ان يكون مفسرا لحساب جهة من الجهات التي تحيله في النهاية قطعة حديد في آلة كبيرة لايملك لنفسه امرا. هو لايدعو الى فصل الاديب عن السياسة، فالسياسة مهمة كالغذاء والماء والهواء، بل فصله عن السياسيين المحترفين العاملين بفن الممكن، وبأن الغاية هي المهمة الاساس، ولايهم كيف التوصل اليها، والتوسل عن طريقها فلا تكاد الحياة تخلو من مظهر من مظاهر السياسة لكن يدعو الى فصل النتاج الفكري عن ان يستغل ملآب واهواء معينة وان يجير لحساب فكرة او رأي، وبالتالي يتحول الاديب الفنان الى امعة من الامعات، وليس قائدا منفردا ينظر الى الحياة من موقعه الخاص، برج الحياة، وينظر اليها بمنظاره الخاص الذي يخفى على عامة الناس، فيستطيع عند ذاك ان يدل على مكاممن الداء في جسد المجتمع، وامكان ان يصف الدواء الناجع الشافي، وهو

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top