الصلاحيات المحدودة لحكومة تصريف الأعمال القادمة

آراء وأفكار 2014/05/27 09:01:00 م

الصلاحيات المحدودة لحكومة تصريف الأعمال القادمة

يصبح مصطلح (تصريف الأعمال) أكثر حضوراً عند تقديم الحكومات استقالتها، أو تسحب الثقة عنها من قبل البرلمان، أو تنتهي الدورة التشريعية، فتكون هناك مدة من الزمن قد تطول أو تقصر حتى تشكيل الحكومة الجديدة. ففي تلك المدة تستمر تلك الحكومات بأداء أعمال محددة اصطلح على تسميتها (تصريف الأعمال)، وتضع الدساتير في الدول المختلفة نصوصا لمعالجة الأوضاع تلك، أو قد يشوب بعض الدساتير عوز تشريعي لمعالجة هذه المواضيع، اذ ان الغالب من دساتير العالم يخلو من تعريف لحكومة تصريف الأعمال. لذا فان دراسة هذا الموضوع تستوجب الرجوع إلى النصوص الدستورية والقانونية ان وجدت، والسوابق المعتمدة في الهيئات التشريعية أو السوابق المعتمدة للحكومات السابقة والأعراف الدستورية وأحكام القضاء،
فضلاً عن جهود فقهاء القانون العام، والدستوري منه على وجه الخصوص، خاصة الجهد المتميز لفقهاء القانون في فرنسا ومجلس الدولة فيها، الذين تناولوا هذا الموضوع دراسة وتدقيقاً، قبل وبعد استقالة حكومة (جورج بومبيدو) في 16 تشرين الاول 1962 أثر سحب الثقة عنها، الذي أدى إلى ارساء البناء المؤسسي لهذا الموضوع وتطويره حتى اصبح بالشكل المعروف به حالياً.
ولما كان الغالب من دساتير العالم لم يورد تعريفا لمصطلح (تصريف الأعمال)، اذن ما المقصود بـه؟ وبماذا عرفوا هذا المصطلح؟ وما هي الصلاحيات الممنوحة لحكومة تصريف الأعمال؟ وما موقف الدستور العراقي منها؟ نحاول الإجابة على هذه الأسئلة وعلى الوجه الاتي: -
أولاً - تعريف حكومة تصريف الأعمال
لقد عرفت حكومة تصريف الأعمال بتعاريف عديدة محسوبة على الجانب الفكري والمعرفي لقائلها، ولعل من أهم تلك التعاريف: (هي السلطة المناط بها تأمين استمرارية وديمومة الحياة الوطنية من تاريخ استقالة الحكومة وتاريخ تأليف الحكومة الجديدة). أو يقال انها: (تهدف إلى بيان نطاق الاختصاصات التي تتمتع بها الحكومة التي تضع بارادتها نهاية لتقلد الحكم أو أنها لم تعد تتمتع بثقة البرلمان)، أو كما يعرفها المعجم الدستوري الفرنسي: (هو النظام الذي يطبق، فيما عني الشروط على الحكومات المستقيلة كافة، لكون تلك الحكومات لا تتمتع بكامل السلطة، إلا أن يكون هناك مقابل ذلك تحريك تبعيتها السياسية ضمن الشروط المحددة بالدستور)، كما عرّفها الفقيه الفرنسي Waline بأنها: (تصريف الأمور الجارية التي تتصف بالاستعجال التي لا تكون لها صفة سياسية). ويقول شفيق المصري استاذ القانون الدولي: (ثمة مبدأ في الحياة الدستورية العامة للدول والحكومات معروفة بمبدأ استمرارية المرافق العامة، لأن الحياة الوطنية وقضايا الناس والمواطنين لا يمكن ان تتجمد إلى حين تشكيل حكومة جديدة). أما المادة (64) من الدستور اللبناني: فقد أعطت حكومة تصريف الأعمال الحق بممارسة صلاحياتها بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال. ومعلوم ان لبنان، من أكثر الدول ممارسة لتصريف الأعمال بسبب التشكيل الطائفي المعقد لديهم والتدخل الخارجي المعروف، اذ قد تطول لديهم مدة تصريف الأعمال إلى أوقات قياسية، وكما كان الحال آنذاك في حكومة رشيد كرامي (1969) حيث امتدت مدة تصريف الأعمال فترة زادت على السبعة أشهر.
يضاف إلى هذه التعاريف ان حكومة تصريف الأعمال تبقى من دون رقابة برلمانية في حالة حل البرلمان أو انتهاء دورته التشريعية. وهذا يعني أنها لا تستطيع القيام بأي عمل يتطلب المراقبة. هذا من جهة، أما من جهة أخرى فأن الحكومة المستقيلة بسبب سحب الثقة، هي حكومة منزوعة الثقة، أي أن الشعب من خلال ممثليه قد سحب عنها الثقة، ولم تعد تمثله، وليس لها من صلاحيات ترتقي إلى ثقة الشعب بها.
ثانيا - المسائل التي تخرج عن اختصاص حكومة تصريف الأعمال
ولما تقدم، وبالإشارة إلى التعاريف أعلاه، وما استقرت عليه الأعراف الدستورية والجهود الفقهية المعروفة في هذا المجال، والأحكام القضائية المتصدية لهذا الموضوع، والنصوص التشريعية في بعض دول العالم المختلفة، والسوابق المعتمدة في الهيئات التشريعية والسوابق التي اعتمدتها الحكومات السابقة، والجهد الأكاديمي في القانون العام، وحيث ان هذه الحكومة لا رقابة برلمانية عليها، ومنزوعة الثقة في الحالة الثانية، وكما مبين أعلاه، فأن خلاصة الرأي تتجلى في ان المسائل الآتية تخرج عن صلاحية حكومة تصريف الأعمال، لكونها أعمالا غير اعتيادية وغير روتينية ولا تتطلبها حالات الاستعجال، والسبب في حجب هذه المسائل من الحكومة تلك لكونها تتطلب رقابة برلمانية، وهي على الوجه الآتي:
1 – لايجوز لها تقديم مقترحات لتعديل النصوص الدستورية أو الغاء نصوص دستورية خلال تلك الفترة، لأن أمراً كهذا يرتبط بسياسات الدولة العليا وكونه من القرارات المصيرية، الذي لا يندرج تحت مفهوم تصريف الأعمال.
2 – وليس لها كذلك اقتراح مشاريع القوانين، لأن اقتراح المشاريع يندرج تحت مفهوم (سياسات الدولة) التي تخرج عن صلاحية تلك الحكومة، هذا أولاً. أما ثانياً فان تلك المشاريع قد تحمل الدولة أعباء مالية وهو أيضاً خارج اختصاصها. أما ثالثاً وكما في – الحالة العراقية – فإن مشاريع القوانين بحاجة إلى سلطة تشريعية لتشريعها وحسبما تتطلبه النصوص الدستورية، ولانتهاء الدورة التشريعية فإن تلك المشاريع تبقى حبراً على ورق.
3 – كما لا يجوز لها عقد الاتفاقيات والمعاهدات الدولية لذات السبب الوارد في الفقرتين (1) و(2) أعلاه .
4 – وكذلك لا يجوز وضع خطط التنمية الطويلة الأجل أو الشاملة، لأن ذلك يتطلب رقابة البرلمان الغائبة في مثل تلك الأوقات.
5 – ليس لحكومة تصريف الأعمال القيام بالتعاقد لإبرام القروض، أو إحداث أية أعباء مالية أو صرف أية اعتمادات.
6 – وليس من صلاحياتها أيضاً تحديد أسعار السلع والخدمات التي تؤثر على الواقع الاقتصادي للبلد.
7 – ولا يجوزلها إصدار أوامر تعيينات في الدرجات الخاصة، اذ ان ذلك يندرج تحت مفهوم الأعمال السياسية المحظور القيام بها من قبل حكومة تصريف الأعمال.
8 – ليس لها كذلك تغيير الهياكل الاقتصادية للدولة، لأن ذلك يندرج أيضاً ضمن مفهوم السياسات العليا للدولة، والمستثناة من صلاحيات حكومة تصريف الأعمال.
9 – ان لا تتخذ أية قرارات أو اجراءات من شانها تقييد الحكومة اللاحقة أو ترهق ماليتها.
ثالثاً - الصلاحيات المخولة لحكومة تصريف الأعمال
بعد ان بينا المسائل الممنوع اتخاذها من قبل حكومة تصريف الأعمال، فلا بد والحالة هذه من الوقوف على الصلاحيات المخولة لحكومة (تصريف الأعمال) الواجب اتخاذها، من أجل استمرارية وديمومة عمل المرافق العامة، والحيلولة دون توقف الحياة الوطنية وقضايا الناس، وتمشية الأعمال اليومية الاعتيادية والروتينية والضرورية والعاجلة، اذ تستند تلك الصلاحيات إلى الأحكام الدستورية والآراء الفقهية والتطبيقات القضائية في المحيط الاقليمي والدولي التي تناولت هذا الموضوع، فالغالب من الآراء يعتبر الأعمال التالية هي من صلاحية حكومة تصريف الأعمال: 
1 – للحكومة الحق في تمشية الأمور اليومية والأعمال الروتينية، وهي تلك الأعمال التي لا يجوز تأجيلها أو إيقافها لأن في ذلك تعطيل للمرافق العامة. ومثال ذلك توقيع وزير الكهرباء عقداً مع وزير النفط لتجهيز المحطات الكهربائية بالوقود.
2 – اتخاذ القرارات الإدارية اللازمة لمعالجة المسائل التي تسقط قانوناً بمرور الزمن (التقادم)، أو اتخاذ القرار المناسب بالنسبة للعقود المعلقة على أجل.
3 – معالجة المسائل التي تستوجب اتخاذ قرارات عاجلة بسبب طبيعة تلك المسائل التي لا تحتمل التأجيل، ومثال ذلك أن عقداً أبرمته وزارة التجارة لاستيراد مواد غذائية، وان تلك المواد قابلة للتلف بطبيعتها جراء ارتفاع درجات الحرارة، فلا بد من اتخاذ القرار المناسب بشأنها.
4 – الأعمال التي لا تتضمن مشكلات ولا تواجه صعوبات، كالقرار الذي يتخذه الوزير المختص لسحب مبلغ من المال من المصرف الذي تتعامل معه الوزارة لغرض توزيع رواتب منتسبي وزارته.
5 – لا يجوز لحكومة تصريف الأعمال أن تتخذ أي قرار من شأنه تقييد الحكومة القادمة.
6– لا يجوز لحكومة تصريف الأعمال القيام بالأعمال والمسائل الخارجة عن اختصاصها والمذكورة في الفقرة أعلاه، وإذا ما تجرأت وقامت بها فان الطعن القانوني سيلاحقها بسبب عدم الاختصاص.
رابعاً - الدستور العراقي وحكومة تصريف الأعمال
بعد هذا الاستعراض المبسط والوجيز عن مفهوم حكومة تصريف الأعمال والصلاحيات الممنوحة لها لاتخاذ القرارات، أو ما ممنوع عليها القيام به، نسأل هل تضمن الدستور العراقي نصوصاً عن حكومة تصريف الأعمال؟ واذا وجدت نصوص من هذا القبيل فهل عرّف هذا المصطلح أو بيّن صلاحية الحكومة خلال تلك المدة؟ والإجابة نستعرض الموضوع على وفق الاتي:
تصريف الأعمال اليومية 
فقد نصت الفقرة (د) من البند (ثامناً) من المادة (61) من الدستور على: (في حالة التصويت بسحب الثقة من مجلس الوزراء بأكمله، يستمر رئيس مجلس الوزراء والوزراء في مناصبهم لتصريف الأمور اليومية لمدة لا تزيد على الثلاثين يوماً، إلى حين تأليف مجلس الوزراء الجديد ....).
كما نصت الفقرة (ثانياً) من المادة (64) من الدستور أيضاً على: (يدعو رئيس الجمهورية، عند حل مجلس النواب، إلى انتخابات عامة في البلاد خلال مدة أقصاها ستين يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مستقيلاً، ويواصل تصريف الأمور اليومية).
في النصين أعلاه أورد المشرع مصطلح (تصريف الأعمال اليومية)، ولم يرد مصطلح
(تصريف الأعمال)، فهل ان الأخير مرادف للأول؟ وبغية الوقوف على هذا الأمر، نورد بعض التعاريف لمصطلح (تصريف الأعمال) التي تناولتها أحكام فقه القانون الدستوري اقليمياً وعالمياً ومنها: (هي الأعمال التي بفعل طابعها الضروري والعاجل تتطلب تدابير فورية لا بد منها لتسيير المرافق العامة وقيام الحكومة بوظيفتها الإدارية اليومية). 
فقد عرفه الفرنسي (بيار دلفولفي) Pierre Delvolve: (الأعمال التي تعود للنشاط اليومي للادارة، ماعدا الأعمال التي تؤدي إلى تعديل دائم لجهاز أو مرفق عام أو نظام قانوني).
وقد عرفها مجلس شورى الدولة اللبناني: (.... الأعمال الملحة الضاغطة والتي لا تحتمل التأجيل أو الإرجاء لحين تأليف الوزارة الجديدة والتي بسبب سرعتها تستوجب اتخاذ قرارات فورية او تلك التي تكون مقتصرة على تنفيذ مهمة الادارة اليومية....). رقم القرار 655/ 2009 -2010 في 5 / 7 / 2010 .
وكذلك القرار الشهير الذي أصدره مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 4 / 4 / 1952 الذي جاء فيه: (... سلطة مناط بها تأمين استمرارية وديمومة الحياة الوطنية من تاريخ استقالة الحكومة، وتاريخ تأليف الحكومة الجديدة ...).
مما تقدم يتضح ان مصطلح (تصريف الأعمال اليومية) الوارد في دستورنا، مرادف لمصطلح (تصريف الأعمال) المتعارف عليه دولياً واقليمياً، لذا فان الحكومة المسحوب عنها الثقة برلمانياً، وكذلك الحكومة في مدة حل البرلمان، هي حكومة تصريف أعمال من الوجهة الفقهية والدستورية.
ولكن السؤال المهم يبرز في حالة انتهاء ولاية مجلس النواب الحالي في 14/6/2014 وعدم تشكيل حكومة جديدة والمدة من نهاية الدورة البرلمانية ولحين تشكيل الحكومة الجديدة قد تطول وقد تقصر مع غياب النص الدستوري المعالج لهذه المدة، اذ أن الحكومة غير مسحوب عنها الثقة حتى يصار إلى حكم المادة (61/ ثامناً/د) من الدستور، ولا مجلس النواب في حالة حله بناء على طلب رئيس الجمهورية كما تقتضيه المادة (64/ثانياً)، فما هو الوصف او التكييف القانوني لهذه الحالة؟ 
والرأي لدينا: لكي تكون الحكومة بكامل صلاحياتها الدستورية يجب ان تكون هناك سلطة تشريعية (برلمان) قد منحت الحكومة الثقة على وفق الآلية المعروفة دستورياً هذا من جهة، أما من جهة ثانية، فان تلك الحكومة تكون خاضعة لرقابة السلطة التشريعية، وحيث ان انتهاء الولاية البرلمانية بانتهاء دورتها يعني فقدانها سلطة الرقابة على أعمال الحكومة، كما ان الثقة الممنوحة للحكومة قد انتهت بانتهاء الدورة الانتخابية ولا يوجد من يجدد هذه الثقة، فيكون الوضع الدستوري للحكومة هو ذات الوضع في حالة حل مجلس النواب المذكور في المادة (64 / ثانياً) من الدستور، وبذلك يكون الوصف القانوني لها باعتبارها حكومة تصريف أعمال وتتمتع بالصلاحيات المحدودة المذكورة في البند (ثالثاً) من مقالنا، وليس حكومة بكامل الصلاحيات كما يذهب البعض لغياب شرط المراقبة البرلمانية وانتهاء مدة الثقة الممنوحة لها.
فضلاً عن محدودية صلاحيات حكومة تصريف الأعمال التي يجب ان تلتزم بها، فإن خروجها عن تلك الصلاحيات يخضع لرقابة الرأي العام، أو الرقابة السياسية التي تباشرها هيئات ذات طابع سياسي، إضافة إلى الرقابة القضائية.
*قاض وباحث قانوني

 

تعليقات الزوار

  • AHMED RADI

    أستاذنا العزيز اذا امكن مصادر المقالة

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top