والدي المهداوي كما عرفته

والدي المهداوي كما عرفته

فراس فاضل المهداوي كان المهداوي منشغلا بحلاقة ذقنه حين رن جرس الهاتف في ذلك الصباح الرمادي الكالح المحمل بصقيع شباط المريب والمفجع.. رد المهداوي على المتكلم في الطرف الاخر كما هي عادته دائما حين يرن جرس الهاتف، كان المتكلم اجش الصوت مرتعبا يرشح حقدا وكراهية وكان يتوعد على طريقة الجبناء حين تؤاتيهم الفرص..

كنا نستعد لتغيير ملابسنا حتى نرافق الوالد كعادتنا في ايام الجمع اما للتنزه او زيارة بعض الاصدقاء او الذهاب الى الكاظمية، اما في هذه الجمعة فكان موعدنا في المركز الثقافي السوفييتي لمشاهدت احد افلام الحرب العالمية الثانية. بعد هذه المكالمة فتح المهداوي المذياع فسمعنا بيانات الانقلابيين والتي تعلن عن مقتل عبدالكريم قاسم وبدء العهد الجديد. ارتدى والدي ملابسه العسكرية على عجل وطلب من رئيس العرفاء اسماعيل المسؤول عن فصيل الحماية المكلف بحراستنا تحضير السيارة العسكرية مع جنديين بكامل اسلحتهم والتحرك فورا الى وزارة الدفاع. بعد دقائق طرق الباب وكان الطارق ملازم غازي ولا اتذكر اسم ابيه مع اخي الاكبر صادق وكان رئيس عرفاء مظليا، كان ملازم غازي يقود سيارة مرسيدس زرقاء طلبوا من الوالد اصطحابهم كي يتوجهوا الى كردستان لمعرفتهم بالعلاقة الجيدة التي تربط المهداوي بقيادة الحركة الكردية والتي لم تتأثر اطلاقا بالعمليات العسكرية التي قام بها الجيش ضد الشعب الكردي آنذاك، انتهرهم المهداوي وطلب منهم التوجه الى وزارة الدفاع او معسكر الرشيد للدفاع عن الثورة. بعدها غادر البيت برفقة رئيس عرفاء اسماعيل وجنوده، قطعت عليهم الطريق مجموعة من قطعان الحرس القومي التي بدأت تنتشر في شوارع بغداد حين سمعه البيان الاول للانقلاب.. امر المهداوي مرافقيه ان يطلقوا النار عليهم ومواصلة الطريق كان هذا آخر عهدنا بالمهداوي.. لم يتخاذل ولم يتردد ولم يتراجع كما يتحرض البعض بل برز الى مضجعه كبطل مغوار وخاض معركته الاخيرة ليومين متتاليين واستشهد وهو يهتف (يحيا الشعب).. بقينا في البيت تسيطر علينا مشاعر الخوف والقلق والحزن.. ام وحيدة وسبعة اطفال والمذبحة تقترب والسماء ملبدة بنذر شريرة اقترب النهار من منتصفه ونحن لاندري ماذا نصنع اعدت لنا الوالدة طعام الغذاء كان رزا احمر مع حساء ولحم احضرته على عجل البعض منا اكل قليلا والبعض لم يستطع وانا منهم ومازلت منذ ذلك اليوم لا استطيع تناول الرز الاحمر او حتى مجرد النظر اليه. قبيل العصر سمعنا اصوات جنازير دبابات تقترب من البيت (كان بيتنا في المسبح) شعرنا برعب حقيقي وانكفأنا على بعضنا لاندري ماذا نفعل واذا بعريف مطر وهو الوحيد الذي بقي من فصيل الحماية معنا. طالب منا مغادرة البيت فورا وعدم الخروج من الباب الرئيسي بل الصعود الى السطح وتسلق شرفات البيوت المجاورة (كان المهاجمون يعتقدون بأن المهداوي مختبئ في البيوت حيث لم يعلموا من هم الموجودون في وزارة الدفاع مع الزعيم عبدالكريم قاسم ولا عددهم الحقيقي.. تسلقنا شرفات الدار بمساعدة عريف مطر ونحن لم نزل في ملابس النوم وحفاة وكانت الوالدة معنا كنا سبعة: مناضل نضال منوّر افاء فراس نوال وفرند.. عبرنا اربعة اسطح ثم نزلنا على سطح مرآب الالبانية والتي كانت مجاورة لنا. شعرنا بنوع من الاطمئنان حين بدأنا النزول الى باحة السفارة من على سلم خشبي كان منصوبا هناك، طرقت والدتنا باب السفارة الذي كان موصدا فأطل بعض موظفي السفارة من الشرفة وكان احدهم يتحدث العربية فسألنا من نحن وماذا نريد فاخبرته الوالدة بمن نكون ولماذا جئنا الى هنا لكنه اعتذر عن مساعدنا وطلب منها أن تنتظر داخل المرآب الى ان ينظر مسؤولو السفارة في الامر. ذهبت بنا الوالدة للمرآب وكان مفروشا بالتبن فبقينا داخله الى ان انتصف الليل وحين لم يأت النيا احد ارسلت امي مناضلا ليطرق بابهم ثانية ويطلب المساعدة فقد اشتد بنا البرد والجوع والقلق وبعد ان اتى مناضل يطرق الباب اطل نفس الشخص الذي كلمنا اول مرة ورمى له بكمية من الخبز والمعلبات طالبا منه عدم ازعاجهم ثانية فرجع الينا بما معه وبعد ان اكلنا قليلا نمنا ملتحفين ببعضنا والوالدة فوقنا معتقدة انها ستبعث الدفء في اوصالنا المتجمدة.. بقيت حالتنا الى يوم 15 شباط حينها نزل الينا الموظف الذي كلمنا في اليوم الاول وطلب منّا مغادرة المكان متذرعا بهدوء الوضع ورفع منع التجول خلال ساعات النهار.. خرجنا الى الشارع العام ونحن نصف موتى من شدة ما عانيناه في اليومين الماضيين قررت الوالدة ان نذهب الى بيت عمتي فاطمة المهداوي وكان زوجها العميد الركن محمد حسين صبري كان بيتهم في دور الضباط وطلبت من مناضل ومنوّر ان يسبقونا الى هناك لدرء الشكوك من حولنا حيث كانت حواجز الحرس القومي منتشرة على كافة الطرقات ثم اوقفت سيارة اجرة كانت مارة من هناك ورجت من سائقها ان يوصلنا الى دور الضباط فقال لها اركبوا وبدا عليه الاستغراب من منظرنا واشكالنا المتعبة اتذكر ان السيارة اوقفت في ساحة مرجان من قبل حضيرة من الحرس القومي سألوا السائق عن كلمة السر فأجابهم ((سالم)) حينها سمحوا له بالمرور بعد ان تطلعوا فينا مليا دون ان يعرفونا طبعا ودون ان يسألونا شيئا.. بعدها سألت الوالدة السائق عن اخبار الانقلاب فاستغرب من سؤالها واجابها بسؤال آخر قائلا هل بقي احد في ا

تعليقات الزوار

  • تحياتي فراس ...ما أحلك تلك الظروف الاي ممرتم بها ولكن كانت خالة ام مناضل امرأة شجاعة وقوية أنقذت ماتبقى من الموقف ...تحية لروحها الطاهرة...وتحية للصبية نوال الجميلة...ايام سوداوية مرت على الشعب العراقي فعلا

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top