المخرج البولندي بافل بافليكوفسكي:  فيلم  إيدا  ردُّ فعلٍ على السينما المعاصرة

المخرج البولندي بافل بافليكوفسكي: فيلم إيدا ردُّ فعلٍ على السينما المعاصرة

تدور أحداث فيلم "إيدا" للمخرج بافل بافليكوفسكي في بولندا عام1962. وهو  فيلم طريق شبيه بالحلم يتتبع حياة فتاة يتيمة تربت في دير تدعى "آنا" يخبرونها أن اسمها حين الولادة هو "إيدا لبنشتاين" وأن والديها يهوديان قتلا في الحرب. مصدر هذه الأخبار هي خالتها "فاندا" ذات الروح الحرة التي تكره براءة ابنة أختها لكنها تضع الفتاة تحت جناحها كي تكشف الحقيقة المظلمة لماضي العائلة في الريف البولندي.
شارك الفيلم في العديد من المهرجانات في عام 2014 وحصل على تقدير كبير. جمع نحو 4 ملايين دولار في شباك التذاكر في الولايات المتحدة وحاز على نجاح كبير في فرنسا أيضا. وفاز بجوائز الفيلم الأوروبي ورشحته بولندا ممثلاً لبلدها في سباق الأوسكار.
وفيما يلي مقابلة مع المخرج أجرته معه مجلة "أندي واير": 
*عرض فيلم "إيدا" لأول مرة في الربيع لكنه بقي حياً تماماً منذ ذلك الحين. حاز على النجاح كفيلم فني في الولايات المتحدة حين وصف كونه عودة إلى أيام الفيلم الفني المجيدة، أيام "دراير" و"برغمان". هل كان ذلك هو هدفك؟
- ليس فيلم "إيدا" تقليداً لأي من هذه الأفلام لكنه مشابه لسينما تتميز بالتأملية والهدوء غير أنها تدور حول الأشياء الكبيرة في الوقت نفسه. من الممكن أو أنه ظاهرياً يذكّر بأولئك المخرجين لأنّه بالأبيض والأسود وبنسبة 4:3. لا أعرف ماذا يفكر الناس حين يقولون مثل هذه الأشياء. لكنها بالتأكيد مداهنة. لهذا فأنا لا أقف ضدها. 
*لماذا صورت الفيلم بالأبيض والأسود وبنسبة 4:3 ؟
- بالأساس كان لديّ مجرد حدس ، بأنه كان الشكل والصيغة المناسبين لفيلم يدور في تلك الفترة. كذلك بينت أن تلك الفترة كانت بالأبيض والأسود. فتصورته بالأبيض والأسود. لهذا من الطبيعي جداً أنني يجب أن أفكر به بالأبيض والأسود.حتى في كتابة السيناريو كنت مقتنعاً مسبقاً بأن تلك هي الطريقة التي يجب أن أنظر بها وأشعر. بينما كنت أحضر للفيلم أدركت بأني أصنع فيلماً من المظهر الخارجي للواقع. إنه واقعي نفسي وقصة تدور في زمن ومكان معينين أو قصة تهدف إلى الواقعية. هذا الطراز من الأفلام هو الذي "يظهر واقعياً".اعتدتُ أن أكون مذنباً بنفسي بسبب ذلك في أفلامي الأولى قبل 10 أو 15 سنة مضت. الآن لديّ حافز التأمل بالنسبة للأفلام التي تترك لي فضاءً كي أملأه وأتصوره ويبقى معي فترة أطول كنتيجة. وأريد أن يكون فيلم "إيدا" هكذا لا فيلماً يشرح التاريخ أو يروي قصة درامية جداً. إنه يفعل كل هذه الأشياء إلى حد ما،لكنه يشبه حلماً تتذكره حالما تشاهده.
في حين أن فيلم " إيدا" ينهمك بالتاريخ الأوروبي الذي رأيناه سابقاً - لا سيما الجدل حول تعامل بولندا مع مواطنيها اليهود خلال الحرب العالمية الثانية الذي ما يزال قضية قائمة -.
هذا فيلم غير تاريخي. هل تتفق على ذلك؟
حاولت محاولة مستحيلة: أن أصنع فيلماً تاريخياً لا يبدو تاريخياً. التاريخ واضح جداً في الأفلام الأوروبية. حين تصنعها في بولندا يكون التاريخ جدّ محسوس. الإغراء يكمن في محاولة توضيح التاريخ وبذل الكثير من الجهود في تلوينه فتكون النتيجة النهائية في غالب الأحيان هي نوع من نسخة تاريخية يكون فيها البولنديون أما ضحايا أو مرتكبي جرائم. هناك دائماً نوع من التفسير البسيط للتاريخ. إذ أنّ الإنسانية من وجهة نظري هي دقيقة الفروق وغامضة ومعقدة. لهذا حاولت أن أتجنب مثل هذه التفسيرات وأظهر، من ناحية، شيئاً غامضاً ومليئا بالتناقضات وهو، من الناحية الأخرى، نوع من التأمل الخالد فيهم- بالهوية والفرد وعلاقته باللحظة التاريخية كفرد، تناقضات الروح الإنسانية، كم عدد الناس الذين نكون معهم في عمر واحد أو حتى عدد الناس الذي نكون معهم في يوم واحد. ذلك ما يكون فيه الفن ملائماً كمعارض للسياسة والصحافة. لهذا فإن ذلك هو ما أردت أن أعمله. لكني غير متأكد تماماً إن كان سوف ينجح. 
* ما هو رد الفعل السياسي والأيديولوجي تجاه عرض الفيلم في بولندا؟ 
كنتُ أفكر:" يا إلهي، أنا أحاول المستحيل: أن أصنع فيلماً تاريخياً ثم لا تناسب كل تلك الأشياء التي يتوقع مني الناس أن أملأها وأن أوضح من هم الناس الطيبون ومن هم الناس السيئون". لكن الفيلم لا يدور حول ذلك. وأنا سعيد بأنه يجري استقباله بتلك الطريقة. على الرغم من أنّ العديد من الناس الذين لديهم هواجس سياسية وإيديولوجية مختلفة لا سبيل لهم للفرار منها يفككون الفيلم بطريقتهم الخاصة ويهاجمونه كونه ضد بولندا، ضد هذا أو ضد ذاك أو ضد العلمانية. حتى أن البعض اتهمني بالعداء للسامية الذي هو أمر مربك. لكن هؤلاء الناس غير منهمكين عقلياً في الفيلم و الحقيقة التي حاولت أن أصورها، وهم لا يدخلون إلى الفيلم بعيون مفتوحة وقلوب وعقول مفتوحة. إنهم يعرفون مسبقاً ما يعرفون. وهم يدققون فقط فيما إذا كان الفيلم قوياً أو محبطاً. لكنهم ليسوا الأغلبية بفضل الله. ومع ذلك يجري تحقيري هنا وهناك.
* يترك فيلمك الكثير من المسؤولية على عاتق المشاهد وثمة الكثير من الغموض السردي. فهل من السهل بالنسبة للجمهور أن يرسموا ما يروه في فيلم من هذا النوع؟
حسن. في الحقيقة أنه كما قال أحدهم:" في الفيلم الجيد أنت تملك حوارات مع نفسك". إنه ليس الدرس الذي تحاول أن تنقله للمشاهد. إنه يشبه تحريات لتلكم الشخصيات وتلك التناقضات والغموض للطبيعة البشرية والحياة. بالنسبة لي الفيلم الجيد يتعذر تبسيطه إلى درس. لا تستطيع أن تترجمه إلى جملة واحدة. على العكس، كلما فعلت ذلك تكون ثمة حكمة قليلة في الفن. كما قال تشيخوف:"تعريف الفن هو التحري الصحيح لمشكلة" بدلاً من محاولة نقل درس. 
* كيف وجدت بطلة الفيلم الشابة "أغاثا ترزبوجوفسكا"؟
اندهشتُ حين علمت أنها ليست ممثلة محترفة وهذا هو أول دور لها.
لم ترغب بالتمثيل. إنها ليست ممثلة في الواقع. فالتمثيل شيء لم يغرها ويجعلها مناسبة للدور. لا يوجد عظم تاريخي في جسدها. إنها راسخة وهادئة. إنها تصغي. تعلم كيف تصغي وتلاحظ وتفكر قبل أن تتكلم. مخلوق نادر هذه الأيام. وجدناها في مقهى تقرأ كتاباً وتهتم بشؤونها.وبدت مثيرة للاهتمام. لذا اختبرناها. حصل ذلك بعد شهور وشهور من البحث اليائس عن ممثلة تستطيع أن تجسد "إيدا" وفشلنا في العثور على واحدة. كان يجب أن أختبر 400 شاب وطالب مسرح. كنت على وشك أن أفقد صوابي. المشكلة أن "إيدا" شخصية نادرة جدا- نفسياً واجتماعياً- وهي شخصية نادرة على الصعيد النفسي. لهذا كان من الصعب تصوير ذلك. حتى تجد شخصاً مناسباً. كانت أغاثا بالتأكيد مناسبة. والأمر المتناقض أنها كانت ملحدة تماماً وصاحبة مبادئ. 
* ملحدة ذات مبادئ؟
بالضبط. كان ثمة شيء متماسك ومثير للاهتمام في مقاربتها للحياة. الكثير من الممثلات الشابات أخبرنني أنهنّ دائماً كنّ يرغبن في أن يصبحن راهبات أو أنهنّ متدينات جداً. وأنهنّ يحببن أن يمثلن على الشاشة. بينما كانت أغاثا صريحة وراسخة وهادئة وقوية. شكراً للرب لهذه المقابلة ، اغفر لي التورية. كانت عظيمة. 
* أغلب فترات الفيلم كان على " ترزبوجوفسكا" أن تحمل كل هذه العواطف بصمت في وجهها. ربما يكون هذا السبب في أن الفيلم يذكرنا بالفترة الكلاسيكية للسينما الفنية إذ يتوجب أن يؤدي الوجه هذه المهمة. كيف تمكنت ممثلة غير محترفة من إنجاز ذلك؟ 
كان دوراً صعباَ جداً. لم يكن هناك مجال كامل للعواطف تؤديه. لكن ما فعلته في منتهى القوة وبالنسبة لها كانت أول مرة تكون في موقع فيلم. لهذا كانت جدّ قوية حين يحيط بها طاقم الفيلم وممثلة مبدعة حقاَ وممثلين لكن من بين جميع الممثلات اللاتي مثلن أمامها فإن "أغاتا كولسزا" كانت فنانة مسرح مجرّبة. فلم تضعف إطلاقاً. كانت حقاً قوية كما كانت "إيدا" قوية. والعلاقة بين الممثلتين انعكس تقريباً على العلاقة بين الشخصيتين على الشاشة.
* خضت صراعا مع روبير بريسون طوال حياتي المتعلقة بالذهاب إلى السينما لكني شعرت بأن فيلم "إيدا" يحمل بعضاً من إيقاعاته الشبيهة بالحلم وأسلوبه المونتاجي الحلزوني مثل فيلم "ليحالفك الحظ يا بالثازار" و" موشيت" اللذين هما أكثر رمزاً من "إيدا" لكنهما يدوران حول نساء شابات يدخلن العالم. هل كان لبريسون تأثير عليك؟
- يقارن الناس بين فيلمي وأفلام بريسون الذي كان أكثر طموحاً. كان عدم تمثيله من التطرف بحيث إني أفكر بأنه كان متطرفاً جداً بالنسبة لذوقي. لكن بالتأكيد كان رائداً في هذا الاتجاه. لكني لا أدخل في شأن الممثلين غير المحترفين لنقل مثلاً. بالنسبة لي، على الممثلين أن يمتلكوا شخصية وجواً مميزاً ولغة جسد. إنهم ليسوا موديلات. اعتادوا على تسمية الممثلين موديلات. لكني أريد منهم أن يساهموا في الفيلم. أنا معجب ببريسون بشكل كبير، لكن الأمر يختلف بالنسبة لي. افترض أن نفاد صبره مع المسرحية والسينما المنحدرة والملوثة بالمسرح والأدب أشاركه إلى نقطة ما. أنا أحب السينما التي تكون فريدة من نوعها و لا تستعير من الفنون الأخرى.
* في العديد من الأفلام المعاصرة تكون الكاميرا موجودة لكي تغطي الأحداث حقاً ولا شيء آخر. و"إيدا" هي الأطروحة المضادة لذلك والذي هو السبب في أنّ هذا الفيلم في الأقل يشبه الماء في الصحراء.
كان فيلم "إيدا" بطريقة أو بأخرى رد فعل على السينما المعاصرة. أغلب الأفلام التي أشاهدها تغسلني تماماً مثلما يغسل الماء ظهر البطة. لماذا يحركون الكاميرا؟ لماذا تكون مركزة؟ لماذا هناك صورة مقربة "كلوز آب"؟ لماذا يتوجب على الحوار أن يوضح كل شيء؟ لماذا يوضح الناس ما يفكرون ويشعرون به دائماً في الحوار؟". الحاجة لكل هذه المعلومات للحبكة الناجحة هو أمر لا يقنعني. لهذا أحاول أن أصنع فيلماً لا يحمل ذلك.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top