الساعات الأخيرة من معركة وزارة الدفاع : نهاية تراجيديا عراقية

آراء وأفكار 2015/02/08 04:37:00 ص

الساعات الأخيرة من معركة وزارة الدفاع : نهاية تراجيديا عراقية

بدأ الخناق يشتد على بناية وزارة الدفاع بعد ظهر اليوم الأول للانقلاب، إذ حُوصرت من أغلب جهاتها، خاصةً بعد التحاق العديد من العسكريين المناوئين لسلطة تموز بوحداتهم العسكرية، تلبيةً لنداءات إذاعة الانقلاب، بغض النظر عن موقفهم من السلطة الجديدة وطبيعتها وقوامها. لقد خضعوا لمنطق الأنظمة العسكرية وضوابطها، ولم يمعنوا التفكير في ماهية السلطة الجديدة ومدى شرعيتها الدستورية وآفاقها اللاحقة.  التحقت بقوى الانقلاب، بعد ظهر ذلك اليوم، وحدات من بطاريات المدفعية المتمركزة في الجهة المقابلة لوزارة الدفاع عبر نهر دجلة في جانب الكرخ. كما التحقت مجموعة جديدة من الدبابات لتنضم إلى القوة المهاجمة للوزارة من شارع الرشيد. كما انضمت طائرات جديدة إلى تلك التي سبق أن شرعت بقصف وزارة الدفاع ومعسكر الرشيد. هذا التكثيف والمساندة لقوات الانقلاب، أديا إلى تركيز الهجمات العسكرية على مقر الزعيم قاسم، حيث قُصف بعدة صواريخ جو - أرض، بغية قتله بأسرع ما يمكن، خوفاً من احتمال قدوم نجدات من الوحدات العسكرية القريبة من بغداد تلك التي سبق أن طلب منها المساندة. 

في هذا الوقت، طلب الزعيم قاسم، من مدير الحركات العسكرية، عبد الرحمن عبد الستار، الاتصال بكتيبة مدرعات خالد، في منطقة المشتل من رصافة بغداد، يستحث آمرها، بأمر تحريري، الإسراع بالقدوم لفك الحصار المضروب على الوزارة. لكن الرسالة، كما تقول مصادر الانقلاب، لم تصل إلى مبتغاها، إذ وقعت في أيديهم. 
لكن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا، لماذا لم يتحرك آمرو الوحدات العسكرية المنوط بهم تطبيق خطة أمن بغداد، بمن فيهم هذا الآمر؟ أو اولئك المعنيين بجوهر الانقلاب والعارفين بخفاياه؟ هل الأمر متعلق بالحالة النفسية وما شابها من ارتباك نتيجة المباغتة والأخبار الكاذبة عن مقتل الزعيم قاسم؟ ألا يستطيعون الاستنتاج، وهم المحاربون المحترفون، أن استمرار القصف الجوي والأرضي المستمر بضراوة، يعني أن المسألة غير محسومة وأن هناك مقاومة مستمرة؟ أم أن الأمر متعلق بانعدام الرؤية السياسية الواضحة للصراع القائم، وبالتالي رغبتهم بـ(الوقوف على التل) لأنه الأسلم، كما يتصورون، رغم معرفتهم بحصافة وسلامة موقف الزعيم قاسم في عملية الصراع القائم آنذاك؟ أم يكمن ترددهم في عدم مساندة الزعيم قاسم في أسباب فنية صرفه غير معلن عنها، أو أن بعضهم حاول الشروع بالتحرك في المساندة، وهذا ما حدث فعلاً على قلته، لكنهم قُمعوا بقسوة من قوى الانقلاب والضباط المترددين؟ 
إن واقع التشتت الذي أصاب كل خلايا المجتمع العراقي في تلك الفترة العصيبة وما سبقها من ظروف، يفرض نفسه في عدم إمكانية التماثل والتساوي لمواقف أمراء الوحدات العسكرية من الانقلاب ومساندة الزعيم قاسم من عدمها، وخاصة اولئك الذين لم يكونوا مع الانقلاب لا روحياً ولا نفسياً. هناك، بالضرورة، ظروف غير معروفة أو غير منشورة، حالت دون تنفيذ أوامر القائد العام للقوات المسلحة. علماً بأن الأغلبية المطلقة من المراتب الدنيا والجنود كانت تبدي حماساً ملحوظاً في ضرورة التحرك لفك الحصار عن وزارة الدفاع وإخماد حركة الانقلاب. لكن الأمر النهائي كان منوطاً بضباطهم وقيادات وحداتهم، الذين ينقصهم الوعي السياسي للعلاقة المبدئية بالزعيم قاسم وضعف المبادرة الذاتية. 
في حدود الساعة الثالثة، (ربما) قد أدرك الزعيم قاسم، حسب استنتاجنا، خطأه في اعتماده المعايير العسكرية البحتة وحدها في إشغال المراكز الحساسة والمفصلية داخل الجيش، في ظرف كان المفروض فيه الأخذ بالاعتبار موقف الضابط السياسي والعسكري في آن واحد. وتجلى موقف هؤلاء المترددين في ساعات الانقلاب الأولى حيث [كان عبد الكريم قاسم يعتقد أن الضباط سينفذون أوامره، وكان كلما كلم ضابطا على انفراد أبدى استعداده وقال نعم والآن سنخرج وسننفذ الأوامر، لكن ما أن يقفل عبد الكريم سماعة التلفون، حتى توضع أوامره جانباً ولا تنفذ... ]. 
كما أدرك الزعيم قاسم، متأخراً، موقفه من المنظمات الاجتماعية والنقابية التي كانت تؤيد جوهر سياسته العامة، تلك التي احتشد أعضاؤها وقياداتها السابقة أمام الوزارة مطالبة إياه بتوزيع السلاح عليها، في الوقت الذي سلمتها الاجهزة الحكومية والأمنية لشخصيات لا لون لها ولا موقف محدد من مصير النظام وآفاقه، أو في أحسن الأحوال لمن لا قاعدة حقيقية عنده. 
لقد انتظر الزعيم قاسم معرفة ردود أفعال القوى المؤيدة له، من حزبية ومستقلة، إزاء مفعول البيان الذي أملاه على مدير الأمن العام، مطالباً فيه الجماهير بعدم الامتثال لقرار منع التجوال الذي أذاعته إذاعة الانقلاب وخروجها للشوارع دفاعاً عن الثورة ومشروعها وعرقلة القوات المهاجمة. لكنه فوجئ، كما تقول مصادر الانقلابيين، بخلو الشوارع منهم. 
نتساءل مرة أخرى، هل استجاب مدير الأمن العام لهذا المطلب؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فهل وزع منتسبو هذا الجهاز البيان كما أمر الزعيم قاسم، والعديد من كبارهم ساهم في تهيئة أجواء الانقلاب؟ أم أنه تم الاكتفاء بطبع البيان، تلافياً لاحتمال المحاسبة عند فشل الانقلاب، لذا لم يوزعوه بالشكل المطلوب والمفترض؟ 
من جانب آخر، لماذا لم تتحرك قوى الأمن بصورة إيجابية وتستخدم ما لديها من إمكانات مادية لعرقلة قوى الانقلاب من الوصول لغاياتها؟ وهل كان الاعتقال المبكر لمدير الأمن العام من قبل قوى الانقلاب، في حدود الثالثة ظهراً، دوراً في شل فعالية قوى الأمن ؟ ربما كان صدور أمر تعيين جميل صبري مديراً للأمن العام، من قبل إذاعة الانقلاب، عند الساعة الثانية والدقيقة العشرين قد أفشل موضوعة طبع وتوزيع البيان؟. ستبقى كثير من الاستفهامات تطرح نفسها وستظل الإجابات عليها طي الكتمان ما لم تنشر المعلومات الرسمية عن مجريات الأمور في مديرية الأمن العامة يوم الانقلاب. ومن اللافت للنظر، أن كثيراً من المعلومات الرسمية قد نشرت عن تحرك الوحدات العسكرية المؤيدة أو المناهضة للانقلاب في بغداد وغيرها من المدن، باستثناء ما له علاقة بمديرية الأمن العامة. في الوقت الذي نلاحظ أن هذه القوى قد انضمت لقوى الانقلاب منذ ما بعد ظهر اليوم الأول في أغلب المدن العراقية الصغيرة؛ حيث ساهمت في قمع التظاهرات المؤيدة للزعيم قاسم حتى قبل أن تحسم المعركة في بغداد، مما ساند الانقلاب عملياً. 
لقد كان من أهم أخطاء الزعيم قاسم، أنه حكم بهذه الأدوات البالية، فكراً وممارسةً.. ويكمن جوهر المسألة، في ما يخص مديرية الأمن العامة، في كونها كانت قبلاً قد تأسست وتدربت على محاربة القوى الوطنية بعامةً، واليسار بخاصةً، لذا من المنطقي أن سياستها كانت مع كل من يساهم في إكمال هذا التوجه. إضافة إلى سيطرة العقول المتلحفة بمنطق ذوي الولاءات الضيقة و المنحدرين من المناطق الريفية والحواضر المتريفة. يضاف إلى ذلك أن دور العناصر الحزبية من مختلف فصائل التيار القومي بين هذه القوى قد سهل للانقلابيين نجاح مهمتهم. لقد كان جوهر سياسة هذه الفصائل ومكوناتها في تعارض حقيقي مع المشروع القاسمي المغاير لمنطق تفكيرها وارتباط مصالحها. لقد كان من أهم أخطاء الزعيم قاسم، كما ذكرنا أنه حكم بهذه الأدوات ولم يجر عليها تغييرات جذرية لا في بنية هيكليتها ولا مبادئ عملها ووسائل بلوغها وقوامها. 
في حدود الساعة الواحدة والدقيقة الأربعين، أُذيع أمر تعيين العقيد خالد مكي الهاشمي بمنصب قائد القطاعات المدرعة في بغداد ومديرا للدروع إضافة إلى منصبه. وقد سبق للموما إليه أن التحق بكتيبته (كتيبة الدبابات الرابعة) بعد الساعة الثانية عشرة، إذ أصبحت حظوظ نجاح الانقلاب أكبر، ومن ثم قام بالاستيلاء على بقية كتائب الدبابات المجاورة في معسكر ابو غريب. مما أهله أن يتحكم بحدود خمسين دبابة، وبدأ بتحريكها لمساندة الانقلاب، حيث وجه بعضها إلى وزارة الدفاع والبعض الآخر إلى المناطق الشعبية التي كانت تقاوم الانقلاب في الكاظمية، وعَقد الاكراد في شارع الكفاح والكريمات قرب الإذاعة. 
في حدود الساعة الرابعة عصراً، أُقحم، لأول مرة، المشاة في معركة وزارة الدفاع بعد أن كانت مقتصرة على الدبابات، مما صعد من حدة القتال. لقد جوبهت القوة المهاجمة بمقاومة شديدة لم يتوقعها الانقلابيون، وبخاصةً من قبل منتسبي الانضباط العسكري، الذين استطاعوا رد الهجمات أكثر من مرة طيلة عصر ومساء الثامن من شباط، مما دعا قائد قوة الهجوم إلى طلب المساعدات العسكرية أكثر من مرة. وهذا ما أكده أغلب من كتب عن هذه المعركة، التي بدأت موازين القوى تختل فيها لصالح الانقلابيين مع تقدم الزمن، نتيجة تعزيز قواتهم، مقابل النقص المستمر بالرجال والعتاد في القوات المدافعة وعدم تحرك الضباط الموالين للزعيم قاسم وتقاعسهم عن مساندته. 
وإزاء المقاومة العنيدة، أعلنت إذاعة الانقلاب في حدود الخامسة عصراً، عن تعيين العقيد محمد مجيد (من حركة القوميين العرب) مسؤولاً عن إدارة وقيادة الهجوم على وزارة الدفاع، حيث حددت مهمته في القضاء على المقاومة المسلحة فيها وعلى الزعيم قاسم ورفاقه من الضباط. وبعد وصول الكثير من الامدادات العسكرية (البشرية والآلية) وانضمام أحد أفواج اللواء الآلي الثامن المستقدم من الحبانية ، وضعت خطة عسكرية لبدء الهجوم الكبير في حدود الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم بالتنسيق مع بطاريات المدفعية والدبابات المتمركزة في الجانب الثاني من دجلة في جانب الكرخ بقيادة الضابط عبد الكريم زاهد، والتي كانت تصوب نيرانها على مقر الزعيم قاسم منذ الصباح. بمعنى أن المعركة كان يدور رحاها من الجو والجهات الأربعة، حتى أصبح المقر مطوقاً في كماشة. 
استمر القتال عدة ساعات وقوى الانقلاب، الأكثر عدةً وعدداً، لم تستطع سوى السيطرة على عشرات الأمتار من مدخل بناية وزارة الدفاع. ولا يعلل ذلك سوى المقاومة الشديدة التي أبداها (الضباط الصغار) ومراتب وجنود القوات المتمركزة لحماية الوزارة. [... وكان عبد الكريم الجدة، آمر الانضباط العسكري، ورفيق له، يحتلان موضعاً على بعد 40 ياردة فقط من القوة المهاجمة...]، كما ذكر ذلك أحد ضباطها. 
توقف القصف الجوي بعد حلول الظلام، لكن القتال استمر حول وزارة الدفاع طيلة النصف الأول من الليل، الذي تم خلاله احتلال بعض أجنحة الوزارة، وأسر العديد من الجنود والمراتب المدافعة، بعضهم لنفاد عتادهم، والآخر لهروب ضباطهم أو استسلامهم، أو لكونهم محاصرين بين ناري المدفعية من صوب الكرخ ونيران الدبابات من الجهات المحيطة بالوزارة في جانب الرصافة، وخاصةً من جهة شارع الرشيد والميدان. 
كانت إذاعة الانقلاب طيلة نهار الثامن من شباط، تعلن عن التعيينات في قوام السلطة الجديدة على مختلف الصعد العسكرية والأمنية في البدء (للمزيد راجع الملحق الثاني في الكتاب)، لتشل من قدرة سلطة تموز وقاسم على التحرك، نتيجة لنصيحة خبراء الانقلابات العسكرية ولمعرفتهم بخضوع الضباط إلى الانضباط العسكري وسياقات أوامره. إذ في حدود العاشرة صباحاً، أذيع البيان رقم 2 الذي بموجبه تمت إحالة أهم أركان المؤسسة العسكرية التي استند إليها نظام الزعيم قاسم، إلى التقاعد والذين بلغ عددهم 18 ضابطاً. ومن اللافت للنظر أن هذا البيان لم يشمل كل قواد الفرق العسكرية، إذ استثني البعض منهم، ممن لا يخشى الانقلابيون بأسهم أو اندفاعهم في حماية النظام. 
أعقب ذلك، طيلة نهار ومساء ذلك اليوم، إجراء تعيينات في قوى الأمن الداخلي، والوحدات العسكرية، حيث عُين كل من عبد الغني الراوي قائداً عسكرياً لمنطقة الرمادي؛ وعين الرئيس الأول (نقيب) جميل صبري البياتي مديراً للأمن العام؛ وعبد الهادي الراوي آمراً لمعسكر الرشيد؛ ومحمد مجيد مديراً للخطط العسكرية؛ وسعيد صليبي الجميلي آمراً للانضباط العسكري، ومنح المقدم أحمد أمين رتبة زعيم شرطة وعُيِّن مديراً عاماً للشرطة؛ كما منحت الرتبة ذاتها إلى المقدم فاضل السامرائي مع تعيينه آمراً للقوة السيارة (شرطة النجدة) ؛ وعُيِّن عبد الكريم فرحان آمراً لموقع بغداد؛ وعبد الرحمن عارف قائداً للفرقة الخامسة؛ ونقل العقيد حمدي سعيد إلى منصب آمر اللواء الخامس والعشرين؛ ونقل آمر اللواء السابق العقيد زكي حسين حلمي إلى إمرة الادارة؛ والزعيم مدحت عبد الله مديراً لإدارة الجيش؛ وبعد الثامنة مساءً بقليل أعلن عن تعيين: العقيد رشيد مصلح التكريتي حاكماً عسكريا ؛ وعارف عبد الرزاق قائداً للقوة الجوية؛ وطاهر يحيى رئيساً لأركان الجيش. كما تم تعيين د. عبد العزيز الدوري رئيساً لجامعة بغداد محل د. عبد الجبار عبد الله الذي أقصي من منصبه ومن ثم اعتُقل . 
سبق أن أعلن في حدود العاشرة صباحاً البيان رقم 3، الخاص بتشكيل (قوات الحرس القومي) لكي [تدافع عن الشعب والوطن وتساعد قوات الجيش والشرطة في رعاية المواطنين (!!)]. ثم أُكمل ذلك بالبيان رقم 4 الخاص بتعيينات قيادة الحرس القومي برئاسة العقيد الركن عبد الكريم مصطفى نصرت ومجموعة من الحزبيين المدنيين الذين منحوا رتباً عسكرية مؤقتة وهم: ابو طالب عبد المطلب الهاشمي (رئيس)؛ نجاد محمود الصافي (رئيس)؛ صباح محمد فاخر المدني (ملازم أول)؛ أحمد محمد العزاوي (ملازم أول)؛ عطا محيي الدين (ملازم أول). 
ثم توالت جملة من البيانات والمراسيم والقرارات الخاصة بمنع التجوال، وإغلاق الحدود والمطارات، وإلغاء تراخيص الفرق المسرحية والصحف والمجلات (بيان رقم 6)، ودعوة بعض الضباط إلى الالتحاق بمناصبهم، كذلك دعوة موظفي ومستخدمي دوائر البرق والبريد والهاتف والأطباء والعاملين في المخابز، للالتحاق بأعمالهم وإلا تعرضوا للعقاب. 
وعند بدء الليل، وتحديداً في الساعة التاسعة وعشرين دقيقة، صدر البيان رقم 13. وفي حدود العاشرة والربع صدرت التعيينات الرئيسية في السلطة الجديدة: إذ صدر البيان رقم 15 الذي نص على تأليف مجلس قيادة الثورة، الذي عين نفسه بنفسه وخولها ممارسة السلطة العليا في الدولة، بما فيها التشريعية، وتحديد صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتعيين مجلس الوزراء وتحديد مهامه... الخ. 
بعدها أصدر المجلس البيان (رقم 16)، القاضي بحل مجلس السيادة وإعفاء رئيسه وأعضائه من مناصبهم. وبغية ملء الفراغ الدستوري للسلطة الجديدة، أُعلن البيان (رقم 17) القاضي باختيار المجلس عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية، بعد ترقيته إلى رتبة مشير، من بين أعضائه حتى انتهاء فترة الانتقال غير المحددة. ثم أعقب ذلك البيان (رقم 18) الذي بموجبه أُعلن عن قوام الحكومة المؤقتة برئاسة أحمد حسن البكر، التي ضمت 21 وزيراً ، والتي كانت خليطاً غير متجانس جمعه الكره والثأر من حكومة الزعيم قاسم والقوى الديمقراطية عامة واليسار على وجه الخصوص والشيوعي بالأخص.
الاستسلام والمرافعة المبتورة:
اشتد القتال على كافة المحاور المحيطة بوزارة الدفاع طيلة صباح اليوم التاسع من شباط، وقد استأنفت الطائرات قصف مقر الزعيم ووزارة الدفاع وقضت على صمود الجنود والمراتب التي تدافع عنها مما اضطرها إلى الضغط على الزعيم قاسم بالسؤال: ماذا نعمل؟ آنذاك أُجبر الزعيم قاسم وقد بدأت الذخيرة بالنفاد على الاتصال (في حدود الساعة الثانية عشرة والنصف). اتصل الزعيم قاسم بعبد السلام عارف للمرة الأخيرة، في حدود الحادية عشرة، من التلفون الذي كان في قاعة الشعب المجاورة للوزارة، وأخبره بانه قرر الاستسلام، وحصل منه على وعد بأن لا يهينوهم ولا يعتدوا عليهم والسماح لهم بالسفر إلى خارج العراق. وهذا ما أكده طالب شبيب بالقول:
[...كان إطلاق الرصاص حتى صباح 9 شباط مستمراً بين القوة الكبيرة التي تحاصر وزارة الدفاع والقبو (لم يكونوا في القبو حسب افادة قاسم الجنابي - الناصري) الذي تحصن فيه عبد الكريم قاسم مع بعض ضباطه. وفي الحادية عشرة من صباح نفس اليوم اتصل قاسم وقال: نريد الاستسلام!! ولم يذكر أي شرط عدا ما اتفقنا عليه ووعدنا به يونس الطائي سابقاً... ]. لكنه لم يذكر ماهية شروطهم. 
لكن هيهات أن يقف الحقد والثأر البدوي أمام الوعود الكلامية الزائفة، إذ كان الانقلابيون قد قرروا، كما عبر طالب شبيب عن موقفهم بالقول: [... لم يكن يونس الطائي يعرف أن قراراً بالتصفية الجسدية قد اتخذ فعلاً. إذ لم يدر بخاطرنا أن ندعه يترك العراق بأي شكل من الأشكال وذلك لأسباب كثيرة ، منها ما هو سياسي وعدلي ومنها ما هواحترازي وأمني. لأن خروجه سيثيرإذا ما أقام في إحدى الدول الاشتراكية مشاكل نحن في غنى عنها... ] . لأن الزعيم قاسم سيكشف من خلال الوثائق التي بحوزته عن ماهيتهم ومدى ارتباط قادة الانقلاب بالقوى الدولية الغربية. وهذا هم في غنى عنه فعلاً. 
بعد أن يئس الزعيم قاسم من قدوم المساعدات العسكرية من الوحدات الموالية له، وأدرك بالتالي اختلال موازين المعركة أصبح لصالح الانقلابيين. ولأجل وقف نزف الدم، قرر الزعيم قاسم الاستسلام بعد الاتفاق مع قادة الانقلاب على جملة من الشروط. وقد أحدث قراره هذا ردود فعل من بعض رفاقه الذين كانوا معه، كما تقول إحدى الروايات. لكن لم نستطع تأكيد أو نفي ذلك. لكن بالضرورة الحتمية سيثير مثل هذا القرار ردود فعل متباينة بين الزعيم ورفاقه. 
يذكر يونس الطائي أنه: [بعد الاتفاق على التسليم جاء فاضل عباس المهداوي وطه الشيخ أحمد فأخبرهما الزعيم قاسم، أنه أرسلني لوضع ترتيبات التسليم. فعارضا بذلك قائلين: كيف ذلك فإنهم سيعدموننا في كل الأحوال؟ قال قاسم: إذا كانوا سيعدموننا لا نستسلم واستمر الجدل بينهم حتى أخر لحظة حول التسليم أو عدمه... ] . 
هذا النص المقتضب والمتداخل، لا يوضح حيثيات النقاش ومتى بدأت؟ ولماذا استمروا بالقتال إلى ظهر اليوم التالي؟ وطبيعة ردود افعالهم؟ وهل الزعيم قاسم أجبرهم على قبوله، أَم ماذا؟ ولماذا أطاعوا الأمر؟ كما أن الطائي تم توقيفه صباحاً فكيف عرف أن الجدل استمر بينهم حتى آخر لحظة؟ هل الكره المتبادل بين الطائي وكل من فاضل عباس المهداوي ووصفي طاهر وطه الشيخ أحمد، أملى ذاته على الطائي لقول ذلك؟ علماً بأن قاسم الجنابي كان حاضراً ولم يتطرق إلى ذلك لا في تقريره المذكور سابقاً ولا في أحاديثه لإسماعيل العارف! ربما مذكراته (إن وجدت) ستوضح ذلك مستقبلاً. إني أميل إلى أن الزعيم ورفاقه قد وافقوا على التسليم بناءً على وعد الانقلابيين بتسفيرهم للخارج. وهذا ما يستدل من أقوال الزعيم قبيل لحظات من إعدامه.
بعد ذلك حلق الزعيم ذقنه، وغيّر ملابسه، وهيأ نفسه إلى عملية الاستسلام التي تمت في الوقت الذي لا تزال المقاومة البطولية لقواته مستمرة بضراوة، في أماكن أخرى من وزارة الدفاع وانصاره المدنيين في خارجها.. وفي الوقت نفسه قام الانقلابيون بقطع خط الهاتف عن قاعة الشعب بعد المكالمة الأخيرة، وأرسلوا أوامرهم إلى القوة المهاجمة لجلب الزعيم ورفاقه إلى مقرهم المؤقت في دار الإذاعة في الصالحية. 
وفي حدود الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً توقف الرمي من داخل الوزارة. وفي حدود الساعة الثانية عشرة والدقيقة الاربعين زحفت القوة المهاجمة بآلياتها العسكرية باتجاه قاعة الشعب، المجاورة للوزارة. وحال وصولها [إلى الباب الحديدي لقاعة الشعب تم كسره من قبلنا ودخلت القوة وانتشر الجنود في الساحة المحيطة لقاعة الشعب، فاذا بصوت عالٍ يناديني: 
- يا ملازم.. أنا عبد الكريم قاسم.. ولا حاجة لإطلاق النار - سأخرج حالاً!
وفعلاً خرج من داخل قاعة الشعب كل من عبد الكريم قاسم وطه الشيخ أحمد وقاسم الجنابي. وبيدهم أسلحتهم الشخصية (رشاشات بور سعيد على ما أعتقد) وماسكاً عبد الكريم قاسم بيده راديو صغير الحجم، فلما اقترب مني صاح بأعلى صوته: ابتعد أنا بين جنودي الآن. إلا أن كريم حسين أسرع بتجريدهم من السلاح... ]. 
في حين يذكر قاسم الجنابي أن العقيد محمد مجيد، نزع بنفسه من عبد الكريم قاسم رتبته العسكرية (فريق ركن) وكذلك من بقية الضباط الذين أُلقي القبض عليهم في قاعة الشعب معه ، خوفاً من تأثيراتها على العسكريين عامةً والمحبين له على وجه الخصوص. إذ أن الرتبة العسكرية تفعل مفعولها على وفق الأنظمة العسكرية وتراتبيتها. وبسرعة كبيرة حشروهم في ناقلتين مدرعتين عسكريتين لتنقلهم إلى دار الإذاعة، في مجموعتين: 
ضمت الأولى: الزعيم قاسم، طه الشيخ أحمد وكنعان حداد. وكان يقودها آنذاك الملازم سالم العباسي بصحبة الملازم نعمة المحياوي وأحد أفراد الحرس القومي، يقال إنه عماد شبيب (شقيق طالب شبيب)، وقد سلكت طريق شارع الرشيد - جسر الجمهورية - كرادة مريم ثم انعطفت باتجاه الإذاعة في الصالحية. 
بينما ضمت الثانية كلاً من: فاضل عباس المهداوي وقاسم الجنابي، وكان يقودها المقدم هادي خماس وأحد أفراد الحرس القومي.. الذي حاول الاعتداء على المهداوي، فأنزله هادي خماس في منتصف الطريق حسب ادعائه. وقد سلكت طريقاً آخر هو باب المعظم - جسر الصرافية - علي الصالح - شارع 14 تموز - المحطة الكبرى، ثم انعطفت باتجاه ساحة المتحف نحو الصالحية. وكالعادة، تضاربت الآراء في كيفية الاستسلام، ومع من تم نقلهم، حيث أخذ الكل بالتبجح والادعاء بالبطولة الزائفة لتبرير حصته في موقع السلطة اللاحق والارتقاء وظيفياً . 
في حدود الواحدة بعد الظهر وصلت ناقلة الزعيم قاسم إلى مبنى الإذاعة، وعند نزوله ساد الوجوم والهدوء والرهبة من الموقف، عندها رفع يده ملوحاً للجنود هناك، إلا أن الضباط منعوه لخوفهم من امكانية إحداث ثغرة في جدار الصمت والتحفز المرتقب الذي لف الجميع حال نزوله، خاصة من لدن ضباط الصف وجنود وحدة الإذاعة التي كانت تابعة إلى لوائه التاسع عشر، خاصة إذا علمنا بأنه على بعد مئات الأمتار، في الكريمات، كان ولا يزال بعض من انصاره بقيادة الشيوعيين يقاومون ويهتفون ويستنهضون ضمائر الموالين من الضباط. 
وعندما تخطى المدخل الرئيسي لمبنى الإذاعة، الباب الخارجي، عندئذ: 
[ ماتت حركة الحياة وفي الهواء الثقيل القوام لم يُسمع سوى وقع خطى عبد الكريم، بقامته المديدة ومشيته المألوفة الحازمة، مر من أمام المسلحين وراح ينظر بتفرس إلى الوجوه الناطقة بالحقد والذهول، فسرت في أبدان الواقفين رعشات عصيبة، مخلوطة بمزيج متداخل من المشاعر: الذهول؛ الحقد؛ الانبهار؛ ورائحة الانتقام - صرخ صوت مضطرب بغضب: أين الشهيد ناظم؟ وردد صوت آخر: أين دم رفعت؟ انطلق الصوتان كما لو أنهما أرادا أن يوقفا كتلة الصمت التي طوقت المكان.. وعندما وصلوا إلى الإذاعة ساد الحاضرين من الجنود والضباط المحيطين بالبناية وجوم، وخيم على الجو صمت الأموات، فكنت إذا رميت إبرة على الأرض سمعت رنينها... ] . 
وفجأةً اندفع نحوه أحد رؤساء العرفاء الذي رقّته حكومة الانقلاب إلى رتبة، نقيب مؤقت، ويدعى شهاب أحمد عزيز واعتدى عليه وذلك بصفعه على وجهه . لكن إشارةً حازمة من أحد الضباط الواقفين في انتظارهم أوقف الاعتداء، ومن ثم ادخلوا إلى الاستوديو الكبير. 
[... مرت لحظة ترقب غريبة ومشحونة بانتظار وصول الأسرى، وقد ضاعف مقتل الضابط محمد علوان غدراً من مشاعر الانتقام وأَلهَبَ الأجواء المشحونة بنيران الحقد والكراهية وأخرج روح الرعاع عند بعضهم من مكمنها.. وكنت أقف في مدخل الإذاعة ومعي عدد من الأشخاص بينهم صبحي عبد الحميد عندما وقفت المدرعة الأولى أمام الباب الخارجي، فترجل منها راكبوها وكان أول من تبرع بالضرب والشتم على عبد الكريم قاسم ومن معه هم الجنود وضباط الصف وبعض الضباط فتدخلنا لحمايتهم وتحملنا أنا وصبحي ضربات كثيرة وبصاق من أشخاص عديدين. وتمادى بعضهم محاولاً إلحاق الأذى الشديد بهم. 
خاطبتهم بصوت عالٍ قائلاً: أيها الجبناء، قبل يوم واحد كان سيدكم، تبوسون يديه ورجليه والآن تريدون إهانته بعد أن انهزم في معركة لم يكن فيها متخاذلاً عيب عليكم!! ووضعنا أنا وصبحي عبد الحميد أيدينا وأجسادنا لتغطية مرورهم ودخولهم إلى المبنى وساعدنا في ذلك أخرون... ]. 
في حين يروي المقدم الركن صبحي عبد الحميد الواقعة بشكل آخر إذ يقول: 
[... كنت واقفاً في باب الاستديو الكبير في الإذاعة، فشاهدت عبد الكريم قاسم يدخل مبنى الإذاعة وحوله عدد من الضباط الثائرين. تقدم إليه أحد رؤساء العرفاء ويدعي شهاب أحمد وضربه على رأسه قائلاً له: هذي من ناظم الطبقجلي.. فسقطت سدارته العسكرية على الأرض، فتناولتها، وسلمتها له. 
فقال لي عبد الكريم قاسم: أشكرك.. 
وقلت لرئيس العرفاء: لا تضربه.. ماكو داعي. 
ثم أدخلته الاستديو الكبير، وقدمت له كرسي خيزران له ولجماعته، فشكرني على ذلك.. 
وطلب ماء.. فجلب له قدح ماء، وقدم إليه فشرب... ]. 
بعد برهة من الزمن من وصول المدرعة الأولى، جاءت العربة الثانية الناقلة للمهداوي وقاسم الجنابي مع هادي خماس. وما أن نزل منها العقيد فاضل عباس المهداوي حتى تم الاعتداء عليه بوحشية تشمئز لها النفس ويقرف منها الجبين، إذ ضُرب كما يقول أحد الشهود: [... بأخماس البنادق والرشاشات، فسالت منه الدماء الغزيرة، ولم يبق موضع في جسمه لم يصب بأذى. ويقول صبحي عبدالحميد، أنا لم أعرف المهداوي أول مرة عندما اقتادوه إلى الأستوديو الكبير، حيث كان يجلس عبد الكريم قاسم وطه الشيخ أحمد وكنعان حداد، فقد كانت الدماء تغطي وجهه وملابسه. 
ويقول عبد الرحمن فوزي - أحد موظفي الإذاعة، وكان خفراً في ذلك اليوم: 
إن أحد العرفاء تقدم من المهداوي وضربه بأخمص رشاشته السوداء على رأسه، فنزف الدم منه كأنه نافورة، لطخ لوحة الاعلانات المثبتة في الصالون الامامي...]. 
ويؤكد ذلك المقدم المظلي منعم عبدالحميد الذي قال: 
[وصلت المدرعة الثانية التي فيها المهداوي وقاسم الجنابي، نزل المهداوي مهرولاً حتى صعد سلم الإذاعة، فتلقفه الجنود ضرباً فسقط على حديد الدرج فجرح من جراء ذلك جرحاً عميقاً في رقبته، ففقد النظام... ]. 
ويذكر طالب شبيب: [... كان فاضل المهداوي رابط الجأش رغم الاعتداء عليه ونزفه الغزير، ورغم محاولة عبد الستار الدوري، وهو أحد القادة الكبار التحرش به وتذكيره بمحكمة الشعب، ممرراً نطاقاً عسكرياً على وجهه (خده) لكن المهداوي لم يتحرك ولم يقل شيئاً... ] . و من ثم أدخلوا إلى الاستوديو الكبير.
هكذا انتهى حكم الزعيم قاسم والجمهورية الأولى وانتهى زمن نضج الأحلام الوردية والثمر المشتهى وبدأت المأساة والعودة الى المظلم من العصور وكانت المهزلة، التي بدأت منذ ذلك الحين ولا يلوح في الأفق القريب القادم نهاية لها.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top