في ذكرى شاعر السينما

علاء المفرجي 2015/11/18 09:01:00 م

في ذكرى شاعر السينما

برغم قلة أعماله (سينما، أشرطة، روائية) فأن تلك السينما ومؤرخيها يضعونه في مرتبة كيروساوا وبرغمان وبونويل وبازوليني والقلة الأخرى التي لا خلاف على موهبتها العميقة وعبقريتها الفذة.
فمن معطف ميخائيل روم ذلك المنتمي الى جيل مبدعي الأشرطة السيمية خرج اندريه تاركوفسكي وكان لابد له وهو الموهوب ان يصنع أشرطة مختلفة خاصة وانه يدرك ان الإبحار في موج (السينما السوفيتية سابقاً) التي أذهلت عشاق السينما بمنجزها أمر تكتنفه الصعاب ويتطلب قدراً كبيراً من المغامرة.
تاركوفسكي الذي رحل منتصف الثمانينيات مثله مثل قرينه الايطالي بيير بازوليني اهتم بالشعر وكتبه، وكان الاثنان كانا تجسيداً للصرخة التي أطلقها اورسن ويلز حين قال ان (الشريط لا يكون جيداً الا عندما تكون الكاميرا عيناً في رأس شاعر وهو الأمر الذي منح أشرطة تاركوفسكي خاصية الشعر وتحريضيته، وكان ان منع شريطه الأول (اندريه ربولوف) داخل بلده برغم استحواذه على أكثر من جائزة في الخارج.
ان أهمية سينما تاركوفسكي تكمن في جمال تلك السينما وشاعريتها، وفي مثل هذا النوع من السينما يواجه المتفرج تماسك البناء الفني-الفكري الذي يخلقه المخرج (الشاعر والفنان) وخروج هذا الإبداع كتعبير كامل ليس فقط عن مكنونات صاحب العمل بل عن الرغبة في خلق سينما مختلفة.
في فيلم (المرأة 1974) يتيح تاركوفسكي للشعر ان يتفجر في عمل سيمي.
ففي بداية الفيلم امرأة جالسة بالقرب من بيت في غابة ونظرها ممتد الى الحقول التي تتمايل نباتاتها بفعل الريح وكأنها تنتظر شيئاً ما... يقترب منها طبيب يتحدث معها تنشأ علاقة دافئة بين الاثنين يفكر الرجل بحزن يقف وينظر وراءه وكأن أحداً ناداه، لكنها لم تكن سوى الريح.
في هذا المشهد يتعامل المخرج مع حس شعري حاد فهو من المخرجين الذين يؤلفون افلامهم تأليفاً، ويحول الموسيقى والشعر والسياسة الى صور مرئية تكون طبيعية مرجعية لها.
ان ما يجمع شخصيات تاركوفسكي أنها شخصيات مبدعة والشعر غالباً ما يكون سمة إبداعها.. وهكذا تراها شخصيات تعيش قلقاً وتمزقاً بين ما هو يومي وما هو فلسفي، بين الروحية والمادية مكونة رفضاً داخلياً.
في فيلم (سولاريس 1972) كان أكثر أيماناً بدواخل الانسان ، حيث يكتشف الحقيقة بسؤاله عن العلم الذي يبدأ كخطوة لصالح الإنسان وسرعان ما ينقلب ضده.
أما في فيلم (تضحية) فأنه يأخذنا الى عالم الرجل الذي يعيش عصراً غير إنساني.. في هذا الفيلم يسبر تاركوفسكي اغوار الشخصيات ويفصح عن دواخلها بمرايا شاعر ويقدم شريطاً مليئاً بالرغبات والهموم الإنسانية.
في فيلم (حنين) وهو أخر أعماله تتعامل الشخصية الرئيسية مع الصراع الداخلي بصمت وتسعى الى الى الغاء الحدود في الزمن، البطل هنا مدرس وباحث موسيقي يذهب في زيارة لقرية ايطالية يقتفي اثر حياة موسيقار روسي زار القرية نفسها قبل قرنين وينتاب هذا الموسيقار ألم وحنين الى بلاده، يتكرر الشيء نفسه مع الباحث.. يكفي ان نقف عند معنى عنوان الفيلم ومدلول هذه الكلمة في العربية، خاصة اذا ما عرفنا ان تاركوفسكي قد درس العربية وأتقنها.
وفي حديث له قال تاركوفسكي عن هذا الفيلم: "ان الإنسان يبقى فيه من الطفولة المقدار الذي يريده، بعد ذلك اذا ما أراد التوقف عن الطفولة يموت".
حمل المخرج شريطه هذا وغادر الى ايطاليا لتنتهي مع زمن التصوير حياته في باريس.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top