تحرير الرمادي؛ نصف الحكاية

مازن الزيدي 2015/12/29 09:01:00 م

تحرير الرمادي؛ نصف الحكاية

تحررت الرمادي بعد 7 أشهر من "سقوط" غامض، ولم يُكشف عن الجهات المتورطة بملابساته. اذ لم يحظ هذا الحدث باهتمام مشابه لما حظي به ملف سقوط الموصل الذي تولته لجنة برلمانية مختصة.
انطلاقاً من حقيقة يؤكدها علم النفس، من ان الصحفي "كائن مضطرب"، فإني إنشغلت عن خبر الانتصار العظيم، بنوبة "فلاش باك" استعدت خلالها شريط الاحداث منذ سيطرة داعش على المجمع الحكومي في الرمادي، حتى لحظة قيام الجيش العراقي برفع العلم مرة اخرى فوق المبنى.
الجيش المحرِر، هو ذاته الذي إتهمه وزير الدفاع الاميركي اشتون كارتر بالتخاذل وعدم امتلاك "إرادة للقتال"، رغم مقاومته للمد الداعشي اكثر من 17 شهرا! أيضا فان قوات مكافحة الارهاب هي ذاتها التي ابلت بلاءً حسناً مؤخراً، وكلنا يتذكر تأكيد قائدها الجنرال برواري لقناة عربية حول سيطرة قواته على مركز المدينة يوم سقوطها الملتبس.
ويتضح حجم المفارقة، عندما نستذكر اعتذار الجنرال مارتن ديمبسي، حينها، عن هذه الخسارة، بان التحالف الدولي ركز على بيجي أكثر من الرمادي، لأهمية الاولى ستراتيجياً.
ما يمكن تسميته بـ"الاضطراب المهني"، قادني للتساؤل حول تسويق الانتصار في الرمادي وكأنه "فتح الفتوح"، وإغفال جهود الحشد الشعبي الذي قطع أوردة داعش وأطبق حصاره على المدينة منذ بداية الصيف. تساءلت ايضا عن سر التغافل عن الصمود الاسطوري لمدن كحديثة والبغدادي وعامرية الفلوجة ومناطق أخرى في الانبار وهي تقاوم منذ أكثر من عام؟!
ثم هل من قبيل الصدفة ان يتم الخلط بين الرمادي التي سقطت في آيار 2015 وتحررت في كانون الثاني من العام ذاته، وبين الانبار التي عجز داعش عن فرض سطوته الكاملة عليها، بفضل مقاومة البوفهد والجغايفة والبونمر؟ ومن المثير للغرابة ان ينساق بعض العراقيين خلف هذا التضليل، الذي تمارسه بعض الاطراف، ليعلن تحرير الانبار بالرغم من تواجد داعش في بعض أحياء الرمادي!
اعادتني لحظة تحرير الرمادي الى استذكار حجم الخلافات السياسية التي كانت تعج بها الانبار، خلال زيارتي لها صيف 2012، لتبلغ ذروتها مع انطلاق الاعتصامات لاحقا.
فقد كان الصراع السياسي يتجلى بسخط ساسة وشيوخ الانبار على الحزب الاسلامي الذي احتكر المال والسلطة منذ 2003، بفعل تسهيلات اميركية حينها. ولم يكن الانقسام الاجتماعي والعشائري، المزمن، أقل خطورة، فالخلاف بين الصحوات وتنافس "شيوخ المقاولات" كان يلقي بظلاله الثقيلة على خطط التنمية الطموحة التي كان يستعرضها أمامنا المحافظ قاسم الفهداوي، وهو يتحدث عن رمادي "حديثة" تحاذي الحبانية ومنتجعاتها.
هنا تكمن أهمية التحذير من محاولة تعويم جماعات مسلحة وأطراف  سياسية سهلّت سقوط المدينة بيد داعش، والكف عن تعليق كل التهم على شماعة التنظيم لغرض تبييض صفحة البعض.
فأي خارطة طريق لتسوية الاوضاع في الانبار لن يكتب لها النجاح اذا لم تقم بفضح هذه الاطراف بمسمياتها الصريحة، ومحاسبتها، بعيدا عن الانتقام طبعا، الى جانب إشراك الاطراف المناهضة لداعش في صناعة مستقبل المحافظة.
ولن ينجح هذا أيضا، إلا إذا قرر ساسة الانبار ومشايخها إبعاد محافظتهم عن المشاريع الاقليمية، وفتح حوار صريح مع بغداد يمنع تكرار سقوط المدن من خلال تحصينها أمنيا واجتماعيا من دواعش الدين والسياسة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top