نوزت شمدين: زمن الرواية هو الذي يحدد كل شيء

نوزت شمدين: زمن الرواية هو الذي يحدد كل شيء

تتعلق الرواية بواقعة ما. وواقعة المجتمعات الحديثة التي أنتجتها التجربة الكولونيالية في مجتمعنا. أي تتعلق بظهور نخبة اجتماعية جديدة هي ظاهرة المثقفين الشبيهة بالانتلجستيا الغربية التي انفصلت تماماً عن طبقة رجال الدين، خصوصاً وان الأخيرين منتشرون في مجتمعاتنا الشرقية. هذه طبقة حديثة لم تبزغ ولم تكن لها مساحة ووقع إلا بعد تغيير 2003 وما أعقبه من احداث. هذا العصر التي تطلق عليه الثقافة الغربية العصور الحديثة. وباعتقادي فإن الرواية هي مغامرة المثقفين بامتياز لما تمتلكه من طاقة إخصابيه وقدرة تحليلية ونقدية للوقائع، مع إضافة بعض المكنونات الداخلية التي تعتلي خلجات الروائيين. "سقوط سرداب" للروائي العراقي نوزت شمدين واحدة من الروايات من عصر ما بعد التغيير الذي يأخذنا فيها شمدين إلى حقبة زمنية من تاريخ العراقي الصعب والذي كان فيها مجرد التطرق لواقعيته الشائكة التعقيد يعرضك للسجن ولا أبالغ إن تمت تصفيتك بدم بادر.. نوزت شمدين وهو ابن الموصل وبلغته السلسة ومجريات سقوط سرداب السردية الآسرة التي تجبرك على قراءة صفحاتها الـ 173 حتى آخرها يحاول أن يؤرخ لحقبة الثمانينات والتسعينات حتى سقوط صدام في 2003 بلغة وأحداث تكاد لا تفارق ذاكرة الفرد العراقي خصوصاً ومن عايش تلك الحقبة.. عن سقوط سرداب وقضايا أخرى تمس تجربة نوزت شمدين الروائية، جاء هذا الحديث الذي أجريناه أثناء زيارة شمدين القصيرة لإسطنبول التركية:
* بدايةً من الاسم "سقوط سرداب" لماذا هذا العنوان؟ وهل للسرداب حدث في حياتك؟
- للسرداب خصوصية كبيرة في حيوات الكثير من أهالي مدينة الموصل. تعددت استخداماته بالنسبة إليهم فقد كانوا يلوذون به هرباً من حر الصيف اللاهب حيث تنخفض فيه درجات الحرارة بخلاف باقي أجزاء المنزل. وكانوا أيضاً وما زالوا يحفظون فيه مؤنهم والأشياء الخارجة عن الخدمة المنزلية وتزداد أهميته في أزمنة الحروب إذ يتحول الى ملجأ تحتمي فيه العائلة من أدوات القتل قنابل أو صواريخ. وبسبب انه ينخفض عن الأرض يستحيل سقوطه كما باقي أجزاء المنزل المرتفعة فوقه. ولأن المنزل وطن فإن افتراض سقوط السرداب مجازاً يعني بالضرورة أن الوطن أو المنزل قد انهار.
* ٤٦٨٣ ماذا يعني لك هذا الرقم؟ ولماذا اخترته بالتحديد رقماً لعدد الكتب التي وجدها ثائر؟
- هذا العدد تحديداً كان الذي ورثته عائلة لزميل من زمن الدراسة الإعدادية واذكر انه كان يتباهى بقوائم يحملها معه على الدوام في حقيبته المدرسية تضمنت أسماء الكتب وأصنافها وتواريخ طباعتها وبينها مخطوطات أهمها على الإطلاق نسخة من كتاب الإسراء والمعراج مكتوبة بخط اليد يمتد عمرها لقرون. وقد رافقته الى المكتبة المركزية العامة في الموصل وحدثنا هنالك الراحل قصي آل فرج عن أهمية المخطوطة وخمن عمرها ثم طلب من زميلي أن يعيدها فوراً الى المنزل ولا يريها لأحد. أما بالنسبة للعناوين الذي ذكرت في الرواية فجميعها لقراءاتي في تلك المرحلة وهي بمجملها روايات عالمية مشهورة وكتب شعر ومجاميع قصصية وكتب فلسفية.
* في "سقوط سرداب" ذكرت ان استبدال العملة بأخرى لا تحمل صورة (القائد الضرورة) من اغبى القرارات هل انت تقصد ذلك؟ ولماذا؟
- كان الناس يسمون العملة الورقية العراقية بالسويسرية وكان لها تاريخ من القوة على صعيد القيمة تبددت مع فرض الحصار الاقتصادي على العراق سنة 1990. وعمد نظام البعث وقتها الى إبدالها لمواجهة شحتها وتدارك الأزمة الاقتصادية الكارثية ولأن الحصار كان تاماً على العراق لجأ الى طبع العملة الورقية بأسلوب بدائي فأدى ذلك الى تضخم غير مسبوق حتى أن شراء سيارة على سبيل المثال كان يستلزم رزماً من النقود. هذا فضلاً عن تحول البلاد الى ساحة لتزوير العملة مصدرها عصابات محلية أو دولية.  
* في الصفحة ٩٢ ذكرت ان السماء لا تمطر لتقودنا وأن الغضب الإلهي حاضر حتى قبل الاقتتال الطائفي سنة ٢٠٠٦؟
- شهدت نينوى في سنوات من العقد التاسع للقرن المنصرم قحطاً بسبب احتباس المطر وتسبب ذلك بزحف الرمال في غرب نينوى وجنوبها وتسببها بتدمير المراعي الشاسعة وطمرت الاراضي الزراعية وعشرات القرى. وكان الناس يربطون ذلك همساً بسياسات الدولة وغضب الله على النظام الذي كان يعيش في رفاهية والشعب يتضور جوعاً.
* ما هو سبب تصويرك لتلك الفتاة العارية في بركة المياه التي لم ينفض غشاء بكارتها حتماً في حلم ثائر؟
- المرأة هي الحياة والمياه وسيلة لإدامتها ووصول ثائر إليهما في حلمه كان يعني توقاً للخروج من السرداب. وهي إحالة رمزية الى توق العراقيين الى ساعة حرية يقضونها بعيداً عن أعين أجهزة الدولة والحزب. كانت تلك الفترة عصيبة، حصار خانق وفقر مدقع ومع ذلك يصدر النظام قرارات ويشرع قوانين ترهق كاهل المواطن وفي كثير من الاحيان ترسله الى ساحات التدريب كالخدمة العسكرية لشهرين (احتياط) أو جيش القدس فضلاً عن الخدمة الالزامية.  
* ماذا تعني لك ياسمين التي أحبها ثائر؟
- لكل منا قصة حب يخفيها عن العالم ونحن الكتاب محظوظون لأننا نتستر خلف الشخصيات التي نخترعها أو بالأحرى أنفسنا التي نقدمها بأشكال أخرى لا يعرفها غيرنا. في الرواية ياسمين أمل لاحقه ثائر سنوات طوال لكن في أحلامه فقط وهي إشارة الى المصدات والحواجز التي تعترض الشباب سواءً في نينوى أو باقي محافظات العراق لأسباب قد تكون دينية أو اجتماعية أو اقتصادية فتسير قصص الحب في العادة برجل واحدة غالباً ويظل الأمر مثل ندبة في الروح لا تزول مطلقاً.
* لو فرضنا ان ثائر لم يتعرف على كم الكتب المعرفي الموجودة في السرداب، كيف ستكون حياته؟
- كنت ساجد شيئاً آخر يفتح أمامه بوابة المعرفة ولم يكن ليخرج ذلك عن نطاق الثقافة. لأنها السلاح الوحيد لمحاربة كل هذا الجهل والظلام في بلادنا. كان من النادر أن تجد بيتاً في نينوى أو بغداد أو البصرة على سبيل المثال ليس فيه مكتبة. كان العراقيون يعشقون القراءة وضربت فيهم الأمثلة على ذلك. لكن الحروب هي التي غيرتنا وسلبت منا سنوات الحصار الاثنتا عشرة حياتنا القديمة فصار الكتاب آخر شيء يفكر فيه الناس، حتى أن كثيراً من الأدباء المعنيين بالكتاب أصبحوا لا يقرأون ويعتمدون على خزين قرائي قديم في الغالب.
* ذكرت عملة نقدية فئة ٢٥ ألف دينار وعليها صورة صدام؟ في حين انه لم يكن في ذلك الوقت مثل هكذا فئة؟ ما تعليقك؟
- هي إشارة رمزية لا غير. يمكن أن تقول انها قراءة تنبؤيه لما سيحدث لاحقاً. بسبب هذا الشخص أو سياساته ستتفاقم مشاكل البلاد وتتأزم ويظهر ألف الف دكتاتور ورئيس عصابة ينهبون خيرات البلاد ويعيثون فيه فساداً.  
* صورت في نهاية الرواية سقوط النظام في بغداد ومدن العراق والفرهود الذي حصل.. ولم تسرد ما حصل في عراق ما بعد التغيير.. لماذا؟
- زمن الرواية هو الذي يحدد كل شيء، المدة التي خرج فيها كانت ساعات قليلة يوم 10 نيسان أي في اليوم التالي لسقوط النظام، والجولة التي قام بها ثائر قمت بها بنفسي جائلاً وسط مدينة الموصل وشاهدت الناس وهم يسرقون الدوائر والمؤسسات الحكومية والمصارف. ومع ذلك أشرت الى تحرك همرات الجيش الأمريكي بهدوء المحتلين، والى سيارات زفة العرس على جسر المدينة الرابع قابلتها سيارات موكب عزاء في الجهة الأخرى، وهذا هو حال العراق ما بعد التغيير، فاسدون يحتفلون بما يغنمون والناس بنحو عام منشغلون بالمآتم والأحزان والكوارث التي لا تنتهي.
* نهايةً.. بماذا تعد جمهورك؟ وما الذي سينتظره منك في الزمنين القريب والبعيد؟
- شارفت على الانتهاء من رواية جديدة عنونها مبدئياً "بهار" زمنها فترة سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على الموصل ومناطق أخرى من محافظة نينوى والجرائم التي ارتكبت بحق الأهالي ومعالم الموصل. هي رؤية للتنظيم من الداخل وطرح لأسباب نشوئه واستفحاله. العمل مغاير لروايتيّ السابقتين "نصف قمر" و "سقوط سرداب" أتمنى أن يثير اهتمام المتلقي سواءً في العراق أو خارجه.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top