فـي الثقافة السياسية..لغـة أخــرى.. فهـم آخـــر

فـي الثقافة السياسية..لغـة أخــرى.. فهـم آخـــر

يبدو ان كثرة طلباتنا من المثقف وسّعتْ  كثيراً من قدراته حتى بدا قادراً على احداث معجزات وتغيير مجرى احداث . فنحن نريده مصلحاً ومبدعاً وأن يوفر لنا عالماً حراً ومساواة وان يكون مثالا اخلاقيا...الخ من الطلبات.  

وإن كان هذا متوقَّعاً، أو متمنّى من إنسان أحاط وعيُه وفهمه بالظواهر الاجتماعية وتاريخها، وتابعَ نمو وتدهور الحضارات او الانهيارات الفاجعة والانحرافات، لكن من غير المتوقع، أو المعقول، ان يكون كما يريد له تصوّرنا. هو ليس خارج طبائعنا البشرية واحتياجاتنا الإنسانية . وهو ايضاً، بحكم ذلك، لا نعزله عن البشر في جوعه وعطشه والرغبة في تأسيس مستقبله والابتعاد عما يشكل خطراً على حياته. نحن بإزاء إنسان طبيعي، واقعي، يريد ان يفيد ، ويريد ايضاً ان يسلم وان يكسب مثلما ينجز ويضحي. المثالية حالات فريدة لا تُعمَّم ولكنها لضرب المثل أو للأمنية في حال. صناعة انموذج او تصوره يجب الا يستبعد طبيعيته لكي لا يبدو من بعد مقصِّراً أو دون التصور.
ثمة مشكلتان تواجهاننا في حديث مثل هذا. الأولى اننا نريد من الآخرين ان ينوبوا عنا في مواجهة المتاعب او الأخطار او رسم الفضائل والمثل . لا ادري ان كانت ثقافة هذا المثقف لصالحه ام لصالحنا؟ أو انها واسطة لنسخّرَه بديلاً؟ الأولى والأكثر صوابا هو ان  نفيد من وعيه في التنوير. في كشف الطريق وتعيين وسائل الدفاع او الهجوم او طرائق ومناهج الإصلاح. اما ان نظل ننظر للمثقف دائماً مثالاً منزّهاً لخدمتنا او ليرضينا او ليعوضنا عما نفتقد، فهذا يمكن ان يكون لأفراد قلة ممتازين أو متفردين، إذا لم نكن مخدوعين فيهم.. ولا يمكن ان نعمم المسألة ونظل على صواب. وصناعة مثقفين نريدهم ان يكونوا شهداء، نريدهم ان يضحوا، الاّ يمالئوا أو يسترضوا الأعلى، والا يطمعوا بموقع، فهذا يعرض المثال للاصطدام بواقعيته وبخطئنا في التصور غير الواقعي.
المسألة الثانية اننا نمنع المثقف ولا نريده ان يغير قناعاته الفكرية. وهذا مطلب في أساسه مناقض للثقافة وتنامي الوعي. وكأن الثبات على الآراء الأولى، او المبادئ بمعناها الشعبي، تعني لا مبالاته بالأخطاء الناتجة في التطبيق وإغفال المستجدات في بلده وفي العالم. هذا التفكير يوجد دائماً ردعاً لمن يريد ان يبتعد عن الخطأ ونتائجه.
ونتيجة لما سبق نجد إما متاجرين بالخصومات السياسية وإما استمرارية لا ضرورة لها على الافكار الاولى بالرغم مما تبين من عدم صلاح بعض من تلك الأفكار في العصر وانها ما عادت تناسب ما يحدث أو ما حدث من تحولات في المنطقة والمجتمع. وكأن من المعيب ان يفكر إنسان اليوم تفكيراً مغايراً لتفكيره السابق وان يطور أفكار او يتبنى نظريات وفلسفات جديدة بدت له أكثر اقتناعا وصلاحا.
نحن لا نضع ثقافتنا لإرضاء أقطاب. مهمة الثقافة تطوير أفكار المجتمع واغناؤها بالجديد المضاف مما يبتدعه الفكر في العالم وحركة الحرية والاحتياجات الانسانية الجديدة. أظنه مطلباً خطيراً ان نمنعه من ذلك او نعيبه. سيكون ذلك عملاً مضاداً تماماً لجدوى الثقافة.
من ناحية أخرى ان الجماهير التي يضع المثقفون طاقاتهم الفكرية وقدرات  وعيهم لإفادتها، أو كما يشاؤون لتحقيق آمالها، تترسخ قناعاتها أحياناً كثيرة حدّ التيبّس. حتى الأحزاب التقدمية حين تدرك ان عليها ان تتطور وتغيّر شعاراتها المرحلية تواجه استنكاراً، بل اتهاما بالانحراف وحتى بخيانة المبادئ. وفي هذا خطر سيتنامى و يفاجئهم بخسارة فادحة. فحين لا يتطور الحزب لما تتطلبه مدركات الوعي الجديد واتساع الآفاق الثقافية وحركات النضال الإنساني في العالم، ستكبر في داخله عوارض تربك مسيرته الداخلية وتحول دون احتفائه بقدرات جديدة وبحيوية العصر. رفض أي تغيير هو عمل ليس في صالح الجماهير أصلاً، بل هو سبب مميت على نطاقي الأفراد والأحزاب.
نحن نعرف ان السياسي في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، سياسي مستميت. هو يتشبث بمبادئ حزبه بايمان عميق يوصله الى التضحية وهذا إيجاب، لكن هذا قد يصد عنه الرؤية السليمة ويوقعه في خطأ الأداء. وهذا سلب. أننا اليوم بصدد مناضل عقلاني يفكرّ ويستوعب تجارب ومجريات. ثقافياً لا نرى صواباً الإصرار على ما ظهر له ضعفه او خطؤه ولا الاستمرار على الدفاع عما ان كانت تطبيقاته أورثت خسارات. لا مسوّغ لاستساغة الفشل في التطبيق والمعاصرة. التخلي عن الجوانب المتخلفة أو السلبية، عمل مطلوب عقلياً وإن كان مثيراً للتذمر او للشتم عاطفياً. أظن المثقف اليوم في أي حركة سياسية أو فكرية أكثر ارتباطاً بالعلم في سلوكه وإيمانه .
قد تتداخل النفعية بالاجتهادات الفكرية . لكن هذه مسألة تشويهية لسنا بصددها الآن نتركها للتربويين والأخلاقيين وإن كنا نعرف قدرتها التدميرية الكبيرة داخل الأحزاب وحتى عموم الدولة وقد يكون لها اتصال مباشر باللصوصية والعمالة .. لكن اولا، ما كانوا اصلاً ولن يكونوا مبدئيين. لذا هم خارج مدى حديثنا اليوم. التمييز مطلوب بين مساعِ انتفاعية مثل هذه وبين السعي الثقافي العلمي لتطوير الأفكار والإفادة من المدركات الجديدة والانسجام مع حركات النضال والحرية والتطورات الفكرية في العالم. وهنا نكون على مفترقٍ صعب: فاما ان تكون هذه الانشقاقات خيانية مصنوعة واما ان تكون نتائج لتطور الوعي والحركات الفكرية والتحولات السياسية في المنطقة والعالم. الاخيرة مطلوبةٌ وضرورية لكي لا تموت الأحزاب مفتوحة الأعين. منع المدارس الفكرية او الأحزاب من تطوير اساليبها النضالية واغناء مضمونها الفكري هو عمل تخريبي غير مرئي. اللغة العدوانية والاتهامية للساعين للتطوير او للأفضل ليست لغة مثقفين. للمثقفين لغة اخرى يحترمها التطور والتجديد وسقي الزرع قبل ان يموت يباساً. الجمود يخالف المبدئية. هو يقتل المبادئ في اماكنها ! لا نستطيع الالتفاف بمبادئنا كما هي، ولا يستطيع سوانا، ونبقى جميعاً في عزلة وعما يستجد مما تطرح المكتبات والأكاديميات وحركات النضال في العالم. لنا نحن أيضاً حصة في الآفاق الجديدة. وهذا لا يناقض احترام المبادئ والتضحية من اجل الأهداف الكبرى.
أود القول: التضحية فضيلة متمّناة والبشرية عرفت الفداء باشكال شتى!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top