موفق محمد..  الشاعر والإنسان

موفق محمد.. الشاعر والإنسان

تعرفت إلى الشاعر موفق محمد، عبر كتاب شعري مع متابعة نقدية للقصائد، صدر عن مجلة الثقافة الجديدة في تموز 1976 بعنوان (الملحق الشعري) وكان من حظ موفق محمد، أن يكتب سعدي يوسف عن قصيدته، ومنذ ذلك الوقت وأنا أقرأ لموفق محمد، دون أن أسأل نفسي حينها، ما السبب في ذلك؟


ولم أشأ أن أجيب عن السؤال؛ لأنني أؤمن أن الشعر، وتلقي الشعر تجربة غامضة، يتفاعل معها الشاعر أو المتلقّي تلقائياً، ويبدو لي إن الوقت مناسب الآن كي أكتب عن ذلك. ولكن عليّ أن أتحدث أوّلاً عن موفق محمد الإنسان؛ لأن موفق محمد الشاعر لا يختلف عن موفق محمد الانسان، وكما يقول الفرنسي بوفون (الأسلوب هو الإنسان نفسه) أقول، الشاعر هو الإنسان نفسه.
هو مدرس للغة العربية، ومن المؤسف إنني لم أتتلمذ عليه مباشرة، ولكنني أسمع أصدقائي وهم يتحدثون بفخر عن موفق محمد المدرس؛ بل الصديق موفق محمد، لقد صار صديقاً لأكثر من ثلاثة آلاف طالب درسوا عنده والأدب وأحبوا القواعد، وتعلموا الإعراب! وحصلوا في السادس الإعدادي على درجات كاملةٍ ... وكلنا ـ حتّى أنا ـ نخشى الإعراب! وبعضنا يكره القواعد!
لموفق محمد أسلوب متفرد في التدريس، فهو يمزج النكتة الشعبية والمفارقة، والشعر، والقرآن الكريم، (وكلمات أخرى) في تقديم الأمثلة، فيشدّ انتباه الطلبة وتترسخ المعلومات عندهم؛ لأنها اقترنت مع مثير خاص يسيل له لعاب الطلبة، ولا يكتفي بذلك؛ بل هو يعرب هذه الآيات القرآنية الكريمة؛ فتزداد معارف الطلبة.
آثر موفق محمد أن لا يعطي الدروس الخصوصية للطلبة وهو في أشد سنوات الحصار، الدروس الخصوصية حرام، نحن نأخذ راتباً من الدولة لقاء تدريس الكتاب تدريساً وافياً، ومن أين يأتي والد الطالب بثمن الدروس الخصوصية، هل سأتركه يجوع، أو يسرق لكي ينجح ابنه؟؟  هكذا كان يقول؛ لذلك زاول موفق محمد بيع الشاي في شارع أربعين في الحلة، ولم يأكل من السحت الحرام، رزقنا الله الجنة معه، وسقانا من رحيقها المختوم.
يتابع موفق محمد تلامذته في الشعر، يصحح لنا، ويبارك ما نكتب، وينهانا عن الخطأ والانحراف، والشاعر الحق هو الشاعر الذي يقرأ الآخرين، ويقول رأيه بصراحة، وهو الخبير الحكيم.
أما موفق محمد الشاعر، فمنذ قصيدة (الكوميديا العراقية) المنشورة في مجلة (الكلمة) وحتى هذه اللحظة، آثر أن يكون مع الشعب، وليس مع السلطة، وأي سلطة لم تقتل الشعب!!
وربما أستطيع القول، إن موفق محمد (شاعر شعبي) ولا أقصد بهذا المصطلح الشاعر الذي يكتب باللهجة العامية، مستخدماً الإيحاء الصوتي للتأثير، مع اعتزازي بمثل هذا الشعر، ولا اقصد أيضاً ذلك الشعر الشعبي الذي شاع في العصر العباسي الثاني الذي يقدم إلى الجمهور لغرض إرضائه ومتعته، معتمداً الدعابة أو الهجاء المقذع أو الكدية، ولا أقصد أيضاً بعض الشعر السياسي الذي شاع في العراق، متخذاً الهتافات السياسية المباشرة، أو صيغة النصيحة والوعظ والارشاد للمجتمع، بطريقة نثرية، لكنني أقرن موفق محمد مع الشاعر الإسباني العظيم لوركا، فقد وصف بأنه (شاعر شعبي) لأنه تمثل التراث الشعري لغرناطة، وأغاني التروبادور، وترنيمات الأطفال، وضمنها في شعره، ودون وعي منه في بعض الأحيان، فضلاً عن صلته المباشرة بمتلقيه، ففي محاضرته عن الروح المبدع في الشعر التي ألقاها في أمريكا يقول (لا بد للشعر من ناقل، لابد له من كائن حي) وفي قراءته لشعره امتحن قدرة شعره على التأثير أكثر من مطبوعاته. حتى قال الشاعر رافائل البرتي: كان لوركا يتدفق بشحنة من الرقة الكهربائية والفتنة، ويلف مستمعيه بجو أخّاذ من السحر، فيأسرهم حين يتحدث أو ينشد الشعر أو يرتجل مشهداً مسرحياً أو يغني أو يعزف على البيانو.
وموفق محمد يشبه لوركا تماماً، يتدفق بشحنة من الرقة الكهربائية والفتنة، وقد تمثل في قصائده، القرآن الكريم، والشعر العربي، والفولكلور الشعبي، وفنون الشعر الشعبي كالأبوذية، وله مجموعة شعرية، وظّف بها أغاني المطرب الشعبي العظيم سعدي الحلي، وتناول في شعره شخصيات مشهورة في المجتمع المحلي، أو أماكن أثيرة على الناس، لا ليصور هذا الشخص أو المكان فقط، بل ليصور حياة كاملة للشعب. وهو يغني في شعره أيضاً، كما يغني لوركا، فكيف استطاع أن يقنعنا فنياً بالاستماع إليه والتفاعل معه.
مما لا شك في فن النقد، أنه ليس للموضوع أو القضية التي يتناولها الشاعر في شعره أي مزية ما على مدى جودة هذا الشعر، وتفرده، وأنا مع الرأي النقدي للجاحظ مع تغيير الألفاظ (إن الموضوعات معروضة على الطريق، يعرفها الشاعر القومي والماركسي والوجودي و(الاسلامي)، وإنما الشأن في إقامة الشعر، وتخير الصورة) وأرى أن نجاح موفق محمد لا يستند إلى اختياره لهذه الموضوعات فقط، فقد اختارها الكثيرون مثله، ولكن نجاحه يكمن في تحويل هذه الموضوعات إلى شعر. ونحن نحب محمود درويش ليس لأنه كتب في القضية الفلسطينية؛ بل لأنه حول هذه القضية إلى شعر، وسجل قصيدته، ليبقى.
يعرف ماثيو أرنولد الشعر بأنه نقد الحياة، ولا يستطيع نقد الحياة إلا من له القدرة على إثارة العواطف. وعندما ينتقد موفق محمد الحياة يقدمها لنا على شكل كوميديا سوداء، لذلك كتب سعدي يوسف (إن موفق محمد مغرم بالكلمة ـ الصفعة) فكم صفعة نحتاج كي ننتبه إلى ما نحن فيه!!!
وأما العواطف التي يثيرها موفق محمد فهي العواطف النبيلة، كالحرية والحب والعدل، رافضاً الظلم والاستغلال والسرقة، ولكن بتصوير فني، والعاطفة في شعر موفق محمد عاطفة صادقة؛ لأنها نتيجة أحداث عاشها الشاعر عياناً، وليست مستلة من النصوص، وهي عاطفة قوية، بما تحمل من أسئلة وحوارات وعتاب. والعاطفة في شعر موفق محمد مستمرة مع القصيدة، لا يصيبها الخمول أو البرود، لأن القصيدة محتفظة بوحدتها الأساسية، و( تنتظمها صرخة واحدة، ضد وحشية القهر والاستلاب) كما يقول سعدي يوسف في متابعته النقدية؛ ولأن القصيدة عند موفق محمد ذات معمار هندسي خاص، فأما أن تبدأ مع حدث يومي بسيط، ولكنه ينمو ويتصاعد، ليصير حدثاً كبيراً، أو إن القصيدة تبدأ بحدث كبير شديد الخطورة، يحتاج المستمع إلى معرفة تفاصيله. ولموفق محمد قدرة عالية على تصوير الشخصيات والأحداث، وكأننا نشاهدها للمرة الأولى، ولا يمكننا ترك القصيدة حتى لا تفوتنا بعض التفاصيل الطريفة، ويستقي الشاعر هذه الصور من ذاكرته، ومحيطه، وبيئته، ويؤلف منها شكلاً متناسقاً جديداً، فأنت ترى شط الحلة، وتتلمس جدران الجامعين، كما يتلمسها السكران آخر الليل، ويأخذك الشاعر إلى بيته الذي لا أحد يسكن فيه، وتعبر على الجسر القديم الذي ابيضت لحيته، وتصعد النخلة مع سارق المكتوم، وتزور جهنم، وتجلس في مقبرة غير موجودة على الأرض، وتحس بحرارة الطلقات التي قتلت قاسم عبد الأمير عجام، وتبكي مع أولاد الخايبة، وتستمع بغضب إلى فتاوى الإيجار، و ... و غير ذلك، إنه يذكرنا بالأدباء الكبار، الذين انتجوا أدباً عالمياً من خلال المكان والتراث والزمان المحلي.
لم يخدع موفق محمد بالألفاظ الفخمة والمعجمية؛ بل استخدم لغته اليومية التي يتحدث بها، وأجمل اللغات هي لغة أمي، فأنتج الشعر عن طريقها، وتتميز قصائده بالإيقاع، وبنظام العروض العربي، ولكنه يستند إلى حسه وذوقه الموسيقي، فيخرج عن هذا النظام، وكأنه أكبر من العروض، وعلينا أن نتذكر أن العروض علم وصفي قائم على استقراء القصائد، وربما يأتي باحث مجد فيستقري الموسيقا التي قام عليها شعر موفق محمد.
أما الشخصيات والأحداث الشعرية فهي مبتكرة عنده، لتلائم رسالة القصيدة، ولديه براعة في الربط بين عاطفة القصيدة والمشاهد الخارجية التي يوظفها، فضّلاً عن الجدة في صوره، والمفارقة المرّة في نهايات قصائده، والقدرة على إبراز فكرة القصيدة عن طريق الإيحاء والمشاركة الوجدانية، وليس عن طريق الهتافات السياسية المباشرة.
وموفق محمد شاعر متنبئ، فقد نشر في العام 1976 هذا المقطع :
شاهد أحد السادة رجلاً
يسحب طفلاً نحو الذبح
فقال له :
ويلك!
قده إلى الذبح قوداً جميلاً.
وكأن العراق اليوم هو ذلك الطفل الذي ما زال يُقاد إلى الذبح!
وأخيراً، إن موفق محمد، هو الشاعر الوحيد الذي أعلن صراحة وعلى رؤوس الأشهاد، قبل سقوط الدكتاتور وبعده أيضاً، إنه تحول إلى حمار! قال في قصيدة مؤرخة في العام 1998 :
" إن كان رأسي عاطلاً
والقلب مذوبحاً بهاتين اليدين
فعلام سيري في الطريق على اثنتين
جرب قوائمك الجديدة
واسترح من صخرة الإنسان
من سيزيف
وابدأ بالنهيق..."
وقال في قصيدة مؤرخة في العام 2006 :
" ألم ترَ أن لا حمار في العالم يشبه موفق محمد
فهو الوحيد الذي يسير على قدمين اثنين
عابراً الشوارع من المناطق التي يشم فيها
 جلد أخيه الوحشي
لاعناً من دجنه ..."
فسبحان من جعلنا بشراً وحميراً في العهدين!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top