سيميولوجيا الثقافة

سيميولوجيا الثقافة

يرى صلاح فضل، بأن "العلامات الثقافية هي موضع الدرس السيميولوجي في نظمها المختلفة التي تتناولها البحوث السيميولوجية، وذلك مثل توظيف الإشارات اللونية والخطوط المختلفة سيميولوجياً في علامات المرور، حيث يلعب اللون "أحمر، أصفر، أخضر" والشكل "من الرسم والخطوط" والأيقونات وحركة التبادل بين الأشكال وتقاطعها مع الألوان، يلعب كل ذلك دوراً مهماً في منظومة علامات المرور.


كذلك درسوا علامات المأكل في قوائم الطعام وعلامات الملبس في المناسبات الاجتماعية من أفراح وأحزان، من ملابس ملائمة للصباح وأخرى للمساء، في قطع وألوان يؤثرها الرجال والنساء ودلالات ذلك بتشكيلاتها المختلفة"( فضل، صلاح، مناهج النقد المعاصر، ص:83). وبهذا تكون الثقافة بمفهومها الواسع، موضوع الدرس السيميولوجي.
تهدف السيميولوجيا إلى تتبع العلامات التي يتواصل بها أفراد المجتمع فيما بينهم. وهو ما يتضح بشكل جلي من خلال تعريف السويسري دو سوسير. أما القراءات الأمريكية التي توارثت على تصورات بورس، فقد أعطت أهمية خاصة للعلامة في الحياة الاجتماعية. ولهذا تظل دروس دوسوسير ذات طابع تأسيسي مهم. ولم تصبح السيميولوجيا منهجاً في التحليل وحقلاً من الحقول المعرفية الإنسانية، إلا مع الفرنسي رولان بارت في طروحاته النظرية التجريبية. ولعلَّ فقر المعرفة السيميولوجية في بدايتها، إذ أضحت نسخة من المعرفة اللسانية، من حيث بناء أدواتها المعرفية والمنهجية، هو ما حفز بارت للذهاب بعيداً في الدرس السيميولوجي، بتناوله موضوعات بعيدة عن اللغة مثل: الصور، والأزياء، ودراسة الأساطير. وهو التفرد الذي منحه مكانة مهمة في التحليل السيميولوجي بشكل عام، والسيميولوجيا الحديثة بشكل خاص.
مدرسة موسكو ­ تارتو  Moscow – Tartu  School.
تختلف جماعات الاتحاد السوفياتي اللسانية عن قريناتها من الجماعات اللسانية الأخرى، لكونها أولت للجانب السيميائي اهتماماً بالغاً، وخاصة سميوطيقا الثقافة. والثقافة بالنسبة لها وفق المفهوم السيميائي هي: نظام من العلاقات بين الإنسان والعالم المحيط به من جهة، والطريقة التي تنظم هيكلة العالم من جهة ثانية. وبما أن نظم العلاقات بين العالم والإنسان تختلف من ثقافة إلى أخرى، فهذا يعني أن "العلامات التي تأتينا من العالم لا ينظر إليها ولا تثمن بالطريقة نفسها في الثقافات المختلفة "( بوزيد، عبد القادر، يوري لوتمان... مدرسة تارتو- موسكو وسيميائية الثقافة والنظم الدلالية، ص 186) وهناك جماعتان اهتمتا بالجانب السيميوطيقي للثقافة، وهما:
­مدرسة (موسكو ­ تارتو) وتعد رائدة في هذا المجال، بعد أن وضعت كل مفاصل الحياة الاجتماعية في أنظمة وأنساق علامية تعمل بشكل ترابطي.
­جماعة ايطاليا التي مثلها (روسي ­ لاندي Rossi-Landi، وامبرتو إيكو Umberto Eco)، وسعت إلى تحقيق الغرض نفسه الذي سعت إليه المدرسة السابقة، إلا أنها لم ترتق إلى مساهماتها.
تأسست مدرسة تارتو في ستينات القرن الماضي بفضل كل من (يوري لوتمان) و(فياتشلاف ف. إيفانوف) و( أ. م. بياتيجورسكي) و( ب. إ . أوسبنسكي) و( ف. ن. توبوروف)، وهم أشقاء جماعة الشكلانين الروس، وأول من نادى بأدبية الأدب بشكل منتظم، من خلال العودة إلى النص والانطلاق منه، بغية تفكيك نظامه اللساني. وأثارت المقالة التي كتبها المؤسسون (نظريات حول الدراسة السيميوطيقية للثقافات) اهتمام النقاد في الغرب، عند نشرها في كتاب: (بنية النصوص وسيميوطيقا الثقافة) باللغة الانكليزية.
بدأ عمل مدرسة تارتو بشكل منظم انطلاقا من المؤتمر الذي عقد في موسكو عام 1962م، تحت عنوان: (الدراسة البنيوية لأنظمة العلامات). وكتب افتتاحية المؤتمر ايفانوف، وفيها أشار إلى أن الإنسان والحيوان وحتى الآلات تلجأ الى العلامات. كما تضمنت مقالته مفهوم "النموذج" أو "النمذجة". وهو المفهوم الذي أصبح فيما بعد أرضية أساسية في الدراسات السيميائية السوفيتية، إذ وصفت الأنظمة السيميائية بأنها "نمذجة العالم"، بمعنى: إنها تضع مظاهر العالم الخارجي في شكل تصور ذهني أو نسق أو نموذج. وقد أكد ايفانوف على ضرورة تصنيف أنظمة العلامات على أساس تدرج هرمي، تشكل اللغة نظامه الأول. لكن تأكيده على أن اللغة الطبيعة هي الأساس يعد مبدأ قديماً. كما شدد على الجانب التواصلي للغة، لأن الأنظمة السيميائية لا تشكل العالم فقط، بل لها وظيفة أخرى، هي نقل المعارف المختلفة(المناصرة، عز الدين، شعرية المنهج السيميائي، في السيميائية، ص:42-45).
فاللغة نتاج عملية التواصل بين أفراد المجتمع، وتكسب بالتعلم والممارسة. وبالتالي فهي جزء من وحدة كلية وهي الثقافة. إن "بنية اللغة يتم تجريدها من مادة اللغات، ثم تصبح مستقلة وتتحول إلى ظاهرة لا يتوقف مدى تزايدها، ظاهرة تبدأ العمل في نظام الاتصال البشري بوصفها لغة، وتصبح من ثم عناصر تدخل في تكوين الثقافة"( يوري لوتمان و بوريس أوسبنسكي، حول الآلية السيميوطيقية للثقافة، ص:313). ومن هذا المنظور تندرج اللغة ضمن منظومة ثقافية خصبة تتشكل من: العادات، والتقاليد والسلوكات، وعلامات التحية... لأنها أدوات للتواصل البشري، وتتشكل بذات الطريقة التي تشكلت بها اللغة. فالدراسة السيميوطيقية للثقافة "لا تعتد بوظيفة الثقافة كنظام من العلامات فحسب، فمن المهم التوكيد على أن علاقة الثقافة بالعلامة والدلالة تتضمن في حقيقتها واحداً من المقومات النمطية الأساسية في الثقافة"( يوري لوتمان، وبوريس اوسبنسكي، ص:301).
إن العلامة كما تراها مدرسة تارتو، لا تكتسب دلالتها إلا من خلال وضعها في إطارها الاجتماعي، مادامت العلامة ­من وجهة نظرهم­ مفهوماً يتكون من وحدة ثلاثية، وهي: المبنى، والمدلول، والمرجع. وارتباطا بهذا المفهوم طرحوا مفهوم (الأنظمة الدالة) التي ينبغي دراستها اعتماداً على منابع مختلفة: اجتماعية، واقتصادية، وسلوكية، وسياسية. وتعد تلك الثلاثية جوهر اشتغال السيميوطيقية الثقافية، لأنها تنظر إلى الظواهر الثقافية، بوصفها موضوعات تواصلية وأنساق دلالية. وتضطلع الثقافة بوظيفة حفظ الأشياء الطبيعية وتذكرها على المستوى اللغوي والسلوكي والديني.
 يُتبع

تعليقات الزوار

  • الهام بريطل

    موضوع مفيد المرجو تزويدي بالمولد حول مدارس السيميولوجيا باكملها الفرنسية الأمريكية الروسية وان كان هناك مدارس اخرى المرجو تقديمها شكرا

  • الهام بريط6ل

    معلومات مفيدة اود المزيد فيما يخص هاته المدرسة وباقي المدارس الراءدة في مجال السيميولوجية وهل السيميولوجيا هي السيميوطيقا يختلف الافضل فيهما فقط ويحتفضان بنفس المعنى

  • احمد

    الجميل في السيمياء بشكل عام والسيمياء الثقافية بشكل خاص أنها تنطلق من النص إلى الفضاءات الأخرى، ولا تعمل كعمل المناهج النسقية الأخرى.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top