بعد مرور 10 سنوات على رحيله..بيت المدى يعيد أنغام العازف المتصوف سلمان شكر

بعد مرور 10 سنوات على رحيله..بيت المدى يعيد أنغام العازف المتصوف سلمان شكر

عشر سنوات يُسجلها الرحيل، حيث تنطوي الأيام، وتتبادل الفصول ادوارها، وتغيّر السماء عباءاتها، الشمس والقمر يرقصان ويتبادلان لعبة الإختباء بين الليل والنهار، وهذه الارض اختارت الصمت، لتراقب عن بعد ما آلت إليه الثقافات اليوم، لم تبقى لنا سوى الإنعكاسات الباردة والبشعة لصور الاشياء، لم يبقى من الأوتار شيئا وجميعها تقطعت وبقيت تلك الأنامل ترقص على اللاوجود، لهذا نجدنا نألف دائما للعودة إلى الماضي، حيث كل شيء جميل، حيث تتخلى الارض عن صمتها، وتضجُّ بربيعها الدائم...


في وقتٍ كانت الموسيقى تُغنِنا عن الكثير من الكلمات، حين بمجرد مرور الأيقونة، اللحن وعطاءاته حتى نجد أن جليد السكون يذوب وتبدأ الحياة بنطقها المعهود، في وقتٍ كانت الأنامل تجد ذلك الوتر الذي يرقص على مداعباتها، لتبث في كل شيء الحياة...
أتحدث من خلال مقدمتي تلك ، عن جلسة صباح يوم أمس الجمعة في بيت المدى في شارع المتنبي، حيث استُذكر الموسيقي الرائد، والاسم الابرز في مدرسة العود البغدادية، والذي شكل مع ابناء جيله ظاهرة في مجال الثقافة الموسيقية الاستاذ سلمان شُكر، الذي رحل عن المشهد الثقافي العراقي منذ عشر سنوات، آخذاً معه ألق الموسيقى وتوهج صداها، وتاركاً ذاكرة لمقطوعات عظيمة خلدت اسمه واعماله، فكما نعلم أن الموسيقى خالدة لا الكلمة، لهذا خُلدت اعمال سلمان شُكر، الذي لم يعزف من اجل ان تمتزج مقطوعاته بصوت ما، بل عزف من أجل الحياة متصوفاً ذائبا ومنصهراً مع ألحانه، لهذا لم يُلحن سلمان شكر لأي مطرب عراقي، وترك موسيقاه متمردة تتوهج في سماءات الموسيقى كنجمٍ لمع وسط ليلة غادرها القمر.

درويش العود العراقي
رسالة حُبٍ جاءت خلال كلمة الباحث والناقد الموسيقي حيدر شاكر الحيدر الذي قال : "سلمان شكر درويش العود العراقي، أكتب لك رسالتي وربما لا توازي ارثك وعلميتك الموسيقية، وقد لا ترتقي للحديث عن مدرستك العزفية التي انفردت بها عن اقرانك الذين أرسوا دعائم مدراس العود العراقي من معلمهم الموسيقار الشريف محيي الدين حيدر، فأتخذت آلة العود لتظهر للعالم إنها آلة تحاكي الروح ولها فلسفتها كونها الألة الاكثر التصاقاً بموسيقانا العربية."
شُكر أبُ لموسيقى التصوف، ذلك العالم الذي لا يفهمه سوى المتذوقين الذين يدركون قيمة التصوف وتأملاته وافكاره التي تناجي الأرواح، يذكر الحيدر أن : " سلمان شكر كان وفيا بمحافظته على مدرسة استاذه الشريف محيي الدين حيدر طيلة الثلاثون عاماً التي قضاها بتدريس هذه الآلة في معهد الفنون الجميلة كونه مدرك أن خلود العازف يكمن بأختياره  لمدرسة إدائية."
فكانت ألحانه وريشته توأمان لا يرافقانه برحلاته المكوكية ببلدان من الشرق إلى الغرب، عربياً وعراقياً ليثبت للعالم ان الموسيقى في بلاد الرافدين حضارة للأنسانية وأداة للتعبير عنها.

الموسيقى الصوفية
المدرسة الموسيقية التي انحدر منها الراحل سلمان شكر، تُعد من اهم واعرق مدارس تعلم فنون العود في العالم كله، حيث يذكر الناقد والباحث الموسيقي وعضو اللجنة الوطنية العراقية الموسيقية محمد لقمان أن : " مدرسة بغداد للعود هذا الاسم أطلق على مدرسة الشريف محيي الدين حيدر، والتي كانت هدفاً للراحل سلمان شكر من حيث أهمية التعلم بها، واصبحت هذه المدرسة مدرسة العود في العالم وليس في بغداد فقط من خلال منير بشير وسلمان شكر وجميل بشير وغانم حداد ،  واصبح لكل منهم مدرسته واسلوبه لنشر مدرسته في العالم، وبهذا انضم عازفي العود لهذه المدرسة التي تعلم بها سابقاً كبار تلك الاسماء الموسيقية."
سلمان شكر اتخذ من العود منهجا متصوفا الهياً، لهذا نجده لم يعزف لمطرب او مطربة، فيذكر لقمان : " أن شكر كان يرى الموسيقى اكبر من تقرن بالكلمات بكثير  ، فإتبع الاحساس الوجداني  ، وعندما نستمع لاعماله نجدها  عالما خاصا يحاكي الذات الانسانية باسلوب متمكن روحي."
تأثر سلمان شكر  بالجانب الصوفي لانتماءه لعائلة علوية ، واحيطت حياته بالجوامع والمساجد وتأثر بالمدرسة التركية للعزف التقليدي مقترنا بالتصوف فأصبح له اسلوب خاص ومميز ذو مفاهيم عميقة.

بين تلميذٍ واستاذ
كثيرون هم المتأثرون بسلمان شكر، بعضهم تتلمذوا على يديه مثل الباحث الموسيقي سعد العاني، الذي لا يزال يذكره فهو كان من تلامذته المقربين جداً، ويقول العاني " أنا من طلابه المجتهدين جداً والقريبين جدا له، فالراحل كان جميلاً في اخلاقه، وحلو المعشر،كان داعماً لطلابه وبشكل كبير، وكان يميز جيداً بين من يمتلك موهبة ترقى به إلى الألق الموسيقي، وبين البعض القلة الذين يعانون من تذوق هذا الفن العظيم."
وأشار العاني" في ذلك الوقت اعني سابقاً كان يتخرج  معظم الطلبة وهم اسماء  ذات ثقل كبير في مجال الموسيقى، عكس ما نجده اليوم تماما حيث صار يتخرج من كل عشرة اسماء  ، اسم واحد يمكنه  الخوض وبنجاح وجدية في هذا المجال." أن ما يستوقف العاني كتلميذ أمام اساتذته من جيل شكر أنهم احتفظوا بالكثير من معرفتهم بعيدا عن طلابهم، فيقول العاني : " انا اعتز جدا بمدرسة سلمان شكر وجيله الذين تتلمذت على يدهم ولكنهم كانوا يحتفظون بسر المهنة اذا صح التعبير دون ان يشاركون بها تلامذتهم كما ينبغي فلم يعطِ اي معلومة لأي تلميذ وتركنا لنكتشف سُبلنا بمفردنا."

اغنى المدارس الموسيقية
موسيقى الراحل سلمان شُكر اغنت المدرسة الموسيقية بعزوفات مهمة، كان البعض غافلاً عنها، فقد ولدت على يد شكر االعديد من المؤلفات الموسيقية منها " الغجرية، وادي الموت، من وحيها، حورية الجبل، ومهرجان في بغداد " ،  اضافة الى  مؤلفاته المصاغة على القالبين التراثيين السماعي والبشرف مثال ذلك سماعي ماهور وسماعي رست وبشرف شد عربان وسماعي نهاوند،  الكثير من المؤلفات الموسيقية، التي استمع اليوم جمهور بيت المدى  من خلال ما قدمه  استاذ العود في معهد الدراسات الموسيقية  العازف نور الدين الحسيني والذي قال : " ستكون فعالية  اليوم غنية موسيقياً  ، لأن مدرسة سلمان شكر واسلوبة عميق جداً، ومختلف تماماً عن الموسيقى الأخرى، فهو صاحب لون خاص في مدارس الموسيقى العراقية."

مقطوعات موسيقية
خلال الجلسة التي شهدت عزف بعض المقاطع الموسيقية التي ألفها الراحل، شهدت الجلسة ايضاً تقديم معزوفات للشاب عمر ستار علوان، الذي قدم تقاسيم من مقام العجم، ومعزفة لاغنية "مشتاك اطير وية الهوى" ، ثم عزف تقاسيم " طور الصبا زمزم"...
الأسلوب الآخاذ الذي عزف به الشاب عمر ستار علوان ، دفع الجمهور للتفاعل معه وبشكل مميز، فروحه الشابة التي امتزجت وتجانست مع الموسيقى وسحرها زاد الجلسة ألقاً ليطغى عليها ربيع الزمن الجميل للثقافة والموسيقى، فطالب الجمهور العازف الشاب بتقديم اغنية مصحوبة بالموسيقى، ليعزف الشاب ويغني أغنية الفنان قحطان العطار " سهلة عندك "  ، ولولا ضيق الوقت لما توقف الجمهور عن مطالبة العازف الشاب بالمقطوعات الموسيقية.

 وداعاً موسيقياً
لم تخلو الجلسة من المداخلات، فبين المقطوعات التي قدمت كانت اسئلة الجمهور تتخلل جمال الجلسة، وتضفي عليها شيئاً من النشاط والحيوية، الباحث والاعلامي عماد جاسم ذكر من خلال مداخلته : " ان للراحل  سلمان شكر قدرة رهيبة تأخذ المستمع لفضاءات مغايرة تماما عن الواقع من خلال ما يقدمه من الحان." حيث لقب جاسم، شكر قائلاً : " انه عاشق التطريب في العود، وقد حضرت له امسيات عزف منفرد وكان بارعاً في العزف المنفرد فهو يلعب بروح من الامتزاج والتآثر والاتقان مضفياً جواً طربيا."
وأشار جاسم قائلاً : " حتى نهاية حياته بعد ان مرض وفقد قدرته على النطق ، حضرت له امسية في وزارة الثقافة وقد تفاعل الجمهور مع طربياته وذلك الشجن فكان ذلك وداعا موسيقيا مؤثرا ورمانسيا."

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top