الفوضى المنظمة في المسرح والمدينة

الفوضى المنظمة في المسرح والمدينة

           


د. فاضل سوداني



 اختلفت جذرياً تلك المواضيع التي نوقشت على الخشبة في الأزمنة  التي تلت تطور الإغريق. فمع مسرحيات شكسبير بدأ  النقد الاجتماعي للحياة  وتأشير معادلة الخير والشر والصراع بينهما وازدواجية هذه العلاقة  في ذات بشرية واحدة. فالبطل الشكسبيري لا يكون أحادي الجانب وإنما يخضع لديناميكية التطور، وهو لا يشكل نموذجا لمجتمعه أو عصره فحسب وإنما يمتلك القدرة على عبور الزمن وصولا  لمشاكلنا الآنية. من هنا ظل شكسبير يقلقنا بل هو معاصرنا حقا على حد تعبير البروفيسور يان كوت.
وفي أزمنة لاحقة تميز المسرح بمعالجة المشكلات الاجتماعية بسخرية مرة، بما فيها معالجات مسرح القرن السابع والثامن عشر. وأكدت  الكثير من النصوص والعروض المسرحية رفض المظالم الاجتماعية، وتطور هذا إلى التأكيد على ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية ومطالبة الإنسان بحقوقه، الذي بدأ مع نهاية القرن التاسع عشر وانعكس هذا  في أعمال الكثير من مؤلفي المسرح العالمي.
لكن التطورات العظيمة في القرن العشرين الذي مر عاصفا ومضطربا  ومخيفا في ذات الوقت وما زال تأثير حروبه المعلنة والمخفية كبيراً على الإنسان، أعطت إمكانيات جديدة للمسرح فأرتبط بالتطور التكنولوجي وأشر تنامياً متزايداً للوعي الثوري والفلسفي في معالجته لشتى المشكلات الاجتماعية والفردية ضمن الواقع المضطرب . وطبيعة  هذه المشكلات وحجمها خلقت الوعي الشمولي للفنان المسرحي وساعد هذا على إمكانية المسرح وقدرته في أسلبة العصر، من خلال التأكيد على جوهر المشكلات الأساسية التي تميزه.
ومن اعتيادي القول أن المسرح يتطور وسط الاستقرار والهدوء الاقتصادي والسياسي وحرية التجريب التي لا بد أن تطور ديناميكية الفكر، غير أن المدن تخلق أحيانا جحيمها الأرضي وتجعل من الحرب قدرها فيتحول كل شيء إلى أشباح ويصير المسرح خرابا. إلا أن مسرح ما بعد الحرب العالمية الأولى والثانية أكد حالة من الفوضى المنظمة، أي الفوضى البنائية من اجل خلق اللاتوازن في النظام الطبقي وكذلك في الوعي الاجتماعي للمدينة وإعادة خلق ديناميكية الوعي الفردي الجديد.
فارتبط المسرح بالفلسفات الطليعية (والتي تسمى خطأ بالعبثية، أو اللامعقول) وخاصة الوجودية وفلسفة تضخيم الذات التي نشأت بتأثير الحروب. وتوزع الفكر المسرحي لتأشير جانبين:
الأول: فضح النظام  الرأسمالي ـ الاستغلالي وكشف الأسباب الحقيقية والعدوانية للحروب التي تقودها مخططات أرباب العمل، والمساهمة في  بناء وعي جديد واغناء روح الإنسان من خلال التأكيد على الفكر الماركسي كأيديولوجيا يمكن أن تمنح الإنسان عالما فوق الطبقات. وكان للعقل البريختي المؤدلج  والمشاكس دور كبير في تأكيد الأيديولوجيا في المسرح وإعطاء أهمية كبرى لاحترام حرية الإنسان.
الثاني: إبراز الخواء الروحي والقلق المضاعف للإنسان الخارج للتو من تحت أنقاض الحرب مع الإشارة إلى استلاب هذا الكائن في عالم غير حر أساسا، وفي الآن ذاته تضخيم الذات الفردية وسط تناقضات حياتية عصيبة نتيجة لخواء العصر. وقد أكد هذا الاتجاه أيضا التناقض في الوجود والحياة والتأكيد على عزلة الإنسان، وقصور لغة التفاهم بين الإنسان والعالم المحيط. وبالرغم من الكثير من الفوضى المنظمة ، إلا أن المدينة لا بد أن تشكل مسرحها من جديد بعد كل أزمة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top