خيبة مبكرة..!

خيبة مبكرة..!

المدىجاء رد الشعب العراقي، حاسماً ، مدوياً على المشككين باستعداده لممارسة الديمقراطية، واستيعابه لشروطها، عبر جولتين انتخابيتين تشريعيتين، واستفتاء على الدستور، واول انتخابات لمجالس المحافظات. وكان من بين مؤشرات نضوج العراقيين ديمقراطياً هذا الاقبال المتزايد على صناديق الاقتراع، بحيث فاقت نسبته في كل الجولات،

 أي انتخابات مماثلة في الديمقراطيات العريقة، سواء في اوروبا او الولايات المتحدة ، متجاوزين بطبيعة الحال، البلدان العربية والاسلامية التي لن تقبل بأقل من 99.99% من اصوات الناخبين، ولاتتحقق المشاركة فيها ، بغير الاكراه والقسر. وهذا النضوج والوعي الشعبي للديمقراطية، خلق مناخاً، ادى الى تسفيه الطروحات الطائفية والعنصرية وعزل دعاتها من جانب، وتضييق الخناق على الارهاب، وفضح دوافع الارهابيين الحقيقية، وتجفيف مصادر استمرارهم،من جانب آخر ما دفع نخبة القيادات الطائفية ورموزها البارزة الى التنصل والتبرؤ منها، والانتقال بلا مقدمات الى \"المشروع الوطني\"، والى اعادة صياغة شعاراتها، بحيث لم يعد يخلو أي شعار أو ائتلاف أو حزب او قائمة انتخابية، من التنديد  بالطائفية والعنصرية، حتى ان الشعارات الجديدة، صارت \"تضم زعماء بحجم الوطن\".. لكن هذا الوعي والنضوج المبكر للمواطن العراقي، لم يقابله سوى الامعان في خديعته والتلاعب بمشاعره وقوة بصيرته، من خلال استغفاله بالانتقال الشكلي الى مواقع \"الوطنية\" و\"المواطنة\" و\"الديمقراطية\" و\"دولة المؤسسات والقانون\" والى شعارات \"الوحدة الوطنية\". ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، بل عمدت كل الكتل والائتلافات الى \"القائد الرمز\" معيدة بذلك انتاج \"النمط الصدامي\" كبديل عن تقديم المرشح الكفوء، ذي السيرة الوطنية النزيهة. وقبل ان يمحى الحبر البنفسجي من اصابع المصوتين، ظهرت الى السطح النزعات المستورة للمرشحين البارزين ، الذين تحولت برامجهم وشعاراتهم \"الوطنية\" الى مجرد تدافع على تقاسم السلطة والمراكز السيادية! لقد توقع المواطنون، ان يبدأ التحرك لاجراء حوارات مبكرة، تسبق اعلان النتائج النهائية للانتخابات، تستهدف اولاً وقبل أي أمر آخر الاتفاق غير المشروط للتعجيل بتشكيل الحكومة، باعتماد معايير الكفاءة والاهلية وحسن السلوك والماضي النظيف. وعلى العكس من هذا، جاء التحرك قبل بدء الفرز والعد، ليدفع باتجاه التنابز والتنافس والاقصاء والتهميش واعادة الخريطة السياسية من وجهة نظر البعض واستناداً الى دعواتهم لما كانت عليه في مرحلة التسلط واحتكار السلطة من قبل فئة عشائرية  عائلية منبوذة. وكان من ابرز المظاهر المعاكسة لوعي المواطنين وتفاعلهم مع العملية الديمقراطية صعود عدد من السياسيين الى مواقع قيادية في الدولة الجديدة وسعيهم بكل الوسائل لاحتكارها لهم شخصياً وعدم التنازل عنها، ورفضهم عمليا المفهوم الجوهري للديمقراطية، باعتبارها تداولا سلميا للسلطة ومواقعها. ان هؤلاء القادة، لم يعملوا للتمسك بمواقعهم فحسب، بل اعتبروا أي موقع اخر، تقليلاً من شأنهم وخروجاً على الديمقراطية التي تتطلب الاستمرارية ، لا الانقطاع..! والغريب ان اغلب هؤلاء القادة، انسلخوا حتى عن احزابهم ، لعدم تجاوبها مع نزعاتهم \"السلطوية\" ..حتى في الحزب! وتبريراً لهذا النزوع غير الديمقراطي ، لم يوفر قادة \"نادي  الرؤساء\" أية  وسيلة بدءاً من تغيير جلودهم\"الفكرية والسياسية\" الى اعادة النظر في مفاهيمهم التي يفترض انهم تربوا عليها لعقود صعبة وشاقة الى اطلاق حركات واستحداث تسميات \"وطنية\" لها، وشعارات براقة للتعبير عنها، برغم ذلك ، فان ما تحقق اكبر من هذه\" الهلوسة السلطوية\"التي تلبست بعض \"القادة\" الذين لم يضعفوا بسلوكهم المنافي للديمقراطية، حصانة المواطن واستشرافه للمستقبل، وانما اظهروا خفة وسذاجة سياسية، لا يحسدون عليها. والاهم من ذلك، تبين لمن يعرف بواطن الامور ، ان سلوكهم هذا لا يعبر في المحصلة النهائية الا عن  شعور مبكر بالخسارة وخيبة الأمل!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top