لكل جريمة حكاية: سائقون.... وقوانين غير رادعة

لكل جريمة حكاية: سائقون.... وقوانين غير رادعة

ما إن فتح هاتفه المحمول حتّى أتاه على الطرف الآخر، صوت طفله الصغير (ع) مليئاً بالسعادة والحيوية وهو يبلغه بأنه نجح وبتفوق وحصوله على درجات عالية في كل المواد، وإن ترتيبه هو الأول في صفه!... غمرت السعادة قلب المهندس (م) وهو يسأل طفله الصغير عن الهدية التي يريدها احتفالاً بهذا النجاح الباهر،  وبهدوئه المعتاد وأخلاقه العالية ترك (ع) لوالده حرية اختيار الهدية المناسبة.

عاد المهندس (م) الى الانهماك في عمله، الى أن حان موعد انتهاء الدوام، فاستقل سيارته للقيام بجولة على محال بيع اللعب والهدايا لشراء هدية لابنه تليق بنجاحه الباهر. وفي اثناء سيره بالقرب من محال بيع الألعاب في الشعب، تلقى اتصالاً هاتفياً على تليفونه المحمول، فتوقف للرد على المكالمة، فأتاه صوت ابنته على الطرف الآخر وهي تبكي بحرقة قائلة: تعال.. بابا ... أخوية (ع) انسحك، دهسته سيارة. أصيب الأب بالذهول وسقط الموبايل من يده وشعر بصدمة هائلة وهو يردد، ليش، منو الذي سحكه... اخوك كان يحجي معايا قبل دقائق. وانطلق بسيارته متوجهاً إلى داره في مدينة الشعب، وعشرات الاسئلة تتزاحم في رأسه.. ماذا حدث؟ وكيف وقع الحادث؟.. وهل أصاب (ع) قاتله أم لا ؟ عشرات الأسئلة ظلت تصارع في رأس الأب المسكين وهو في طريقه الى بيته!
مرت نصف ساعة تقريباً قبل أن يصل المهندس (م) الى منزله، وهناك فوجئ بعدد كبير من جيرانه أمام المنزل وهم في حالة يرثى لها وسألهم عن ابنه بكلمات مرتعشة وكأنه يخشى أن تصدمه إجابتهم بخبر مشؤوم، أكد له الجيران أنه تم نقله بسيارة أجرة الى مستشفى الكندي، وهو يتلقى العلاج بعد أن صدمته سيارة مسرعة أمام المنزل.
فعاد الرجل مرة اخرى الى سيارته وانطلق بها نحو مستشفى الكندي وهو لا يشعر بما حوله وانحصر كل تفكيره في فكرة واحدة، هل فارق ابنه الحياة أم لا ؟ أم أنه ما زال حياً يرزق، هل إصابته خطيرة أم أنها سطحية؟ وظلت هذه الافكار تملأ ذهنه الى أن وصل الى مستشفى الكندي التعليمي، وما إن دخل من ردهة الطوارئ حتّى تسمّرت قدماه عندما شاهد زوجته وابنته الكبرى وهما في حالة انهيار تام وبكاء مستمر، وما إن شاهدته ابنته حتى ألقت بنفسها بين ذراعيه وهي تصرخ بهستريا مات يا بابا! لم يحتمل الأب الصدمة.. ولم تستطع قدماه تحملانه وتهاوى على أقرب مقعد صادفه وانخرط في بكاء حاد، فهو حتى هذه اللحظة كان يتوقع أن يكون (ع) مصاباً بجروح وكسور، ولكنه لم يتخيل مطلقاً أنه فارق الحياة. وتحولت الاحزان التي تملأ صدر المهندس (م) الى غضب عارم وهو يتساءل عن الشخص الذي فعل هذا بابنه، وعلم بأن صاحب السيارة الخصوصي التي دهست جسد ابنه موجود في مركز الشعب بعد أن ألقت الشرطة القبض عليه، وانشغل الرجل في إجراءات تغسيل وتكفين طفله واستخراج شهادة الوفاة وتلقّي العزاء لثلاثة أيام في الفاتحة التي أقامها على روح ابنه، وما إن أفاق من نفسه في اليوم الرابع، كان أول ما اهتم بالسؤال عنه هو قرار قاضي التحقيق نحو سائق السيارة الذي قتل ابنه، وكانت صدمته قوية عندما علم بأن القاضي أخلى سبيله بكفالة مالية، وظل يصرخ داخل المركز، كيف يقتل ابني ويتم إخلاء سبيله بكفالة ليقضي يومه في منزله وبين إخوته وكأنه لم يفعل شيئاً، وابني نائم في القبر بين الموتى؟!
إن عقوبات القتل الخطأ في القانون العراقي غير رادعة لبعض السواق الطائشين الذين يرتكبون حوادث وجرائم سير بحق الناس الأبرياء. وبقيت هذه الجرائم ومع الأسف، تتكرر بدون رادع قوي من المحاكم للحد من ارتفاع نسبها، في بغداد وبقية المحافظات.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top