نينوى تدقّ ناقوس الخطر الصحّي

نينوى تدقّ ناقوس الخطر الصحّي

منذ ساعات الصباح الأولى، يصطف الموصليون في طابور طويل من أجل الحصول على بضع دقائق كشف ومعاينة من طبيب مختص هو الآخر يتحمل معاناة الوصول إلى المشفى أو في أخذ وقته الكافي في اجراءات فحص المرضى، فضلاً عن حيرته في إعطاء العلاج المناسب الذي يفترض أنه متوفر في صيدلية الموقع البديل لمستشفى السلام التعليمي في حي الوحدة، بعد تدمير شبه تام للموقع الأصلي.

المواطنة بيداء وليد، تجلس بين عشرات النساء منتظرة أن يحين دورها، علماً أنها جاءت قبل يومين، لكنها لم تتمكن من الدخول الى الطبيبة النسائية بسبب الزخم. فيما اضطر المواطن عمار وهاب الى الانتظار ساعتين لغرض الكشف على ولده البالغ من العمر 11 عاماً، والذي فقد أحد أطرافه السفلى في معارك التحرير، ويشكو الألم متأملاً الحصول على طرف صناعي..


مرضى السرطان دون علاج
ليست ثمّة وسيلة أمام الموصليين غير الانتظار، فالعيادات الخاصة ورغم ارتفاع كلفة مراجعتها، فهي قليلة قياساً بسكان المدينة التي تحاول النهوض من ركام الحرب والدمار الذي نال من المؤسسات الصحية، سواء كانت مستشفيات أو مستوصفات أو مراكز صحية أو مختبرات مركزية.
الأنباء تؤكد إن المؤسسات الصحية في المدينة أخذت تستعيد وضعها الطبيعي شيئاً فشيئاً، رغم نسب الضرر والدمار التي لحقت بأغلبها وبشكل متفاوت، اذ بلغت 100% كالمستشفى الجمهوري، وبعضها نحو 90% كابن سينا والأورام والسلام، فيما تقلّ النسب في المستشفيات الأخرى، لكن تبقى هناك مشاكل أخرى متمثلة بنقص الأدوية والمعدّات والاجهزة الطبية والمختبرية، فضلاً عن تجهيزات صالات العمليات.
عبر صفحته الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وجّه الطبيب الموصلي سعد سالم، مناشدة الى رئيس الوزراء حيدر العبادي، بفتح المستشفى التركي التعليمي المتكامل والجاهز للاستعمال والذي يضم ٥٠٠ سرير وعدداً كبيراً من صالات العمليات وأجهزة المفراس والرنين واجهزة السونار وجهاز معالجة الأمراض السرطانية، وكل هذه مفقودة حالياً في الموصل وقد تم انشاؤه في جامعة الموصل قبل دخول الدواعش لصالح كلية طب نينوى. مستشفى كامل ومتكامل يغطّي كل احتياجات المدينة، وكادره كامل متكامل وموجود في المدينة حالياً، ولم يتأثر بالعمليات العسكرية على الاطلاق، ولم يسرق منه جهاز واحد وهو جاهز للخدمة فوراً.
الطبيب سعد سالم، لم يكتف بالمناشدة، فقد عمل طوال الفترة الماضية منذ تحرير المدينة والى اليوم في تأهيل بعض الاقسام المهمّة في المستشفيات، فضلاً عن توفير بعض الادوية والاجهزة من خلال حملات التبرع والمناشدات. وفي ما يخص الخدمات الصحية، بيّن سالم، أنّ نسبة الدمار في دوائر صحة نينوى 80-100% ، وهناك مستشفيات رئيسة دمّرت بالكامل، مبيناً: لم تقم أيّ جهة حكومية بإسناد دوائر صحة نينوى، فضلاً عن عدم توفر أجهزة وأدوية وردهات لقسطرة القلب والتنظير، بل حتى العمليات الباردة لايمكن اجراؤها. متابعاً: الموصل بدون أدوية علاج السرطان والمفاصل وبدون أي معمل للأطراف الصناعية، ودائرة رعاية المعاقين بدون أيّ دعم ورعاية صحيّة .


العمليات في كردستان وبغداد
وفي ما يخص الأعمال والتبرعات، بيّن سالم لـ(المدى): قسم الأشعة في مركز تأهيل المعاقين يحتوي على جهاز واحد تعود عائديته لدائرة التأهيل، ولكنه يقوم بخدمة العيادة الاستشارية العائدة لمستشفى السلام، وقد توقف عن العمل بسبب نفاد محاليل غسل وتثبيت الرقائق الشعاعية. متابعاً: قمنا بشراء سيتات محاليل عدد 6 سيت، وزودناها لقسم الأشعة فور طلبهم منا ذلك، مما جعل العمل متواصلاً، ولم تلاحظ فترة التوقف من قبل المراجعين. مضيفاً: كما طلبت شعبة الاسنان في العيادة الاستشارية أبر تخدير الأسنان لنفادها لعدم توفرها، وبعد اتصالات عدّة مع اهالي الموصل، تم شراء 1000 إبرة تكفل عدد من الخيّرين بدفع ثمنها.
ويضيف سالم: مستشفى الشلل وتأهيل إصابات الحبل الشوكي، هو أحدث مستشفى في مدينة الموصل، كلّف الميزانية 31 مليار دينار عراقي سعة 100 سرير حسب المواصفات العالمية، هذا المستشفى أصيب بقذيفة واحدة في الطابق السفلي من قبل طيران التحالف أدت الى سقوط جزء من الحائط والسقف والسقوف الثانوية وتحطيم الزجاج في الطابق السفلي. موضحاً: قيام البعض من اصحاب النفوس الضعيفة بسرقة ثماني مضخّات لجهاز التبريد المركزي الكائن في الطابق الأرضي وسرقة المحولات الكهربائية الخاصة في المستشفى الذي تم إصلاحه بجهود الخيّرين من ابناء المدينة واصلاح الأضرار ومنع تسلل السرّاق مجدداً.
الكاتب والمتابع للشأن الموصلي فواز الطيّب، بيّن لـ(المدى) يجب أن نعرف بداية أنه تم تدمير 5 مستشفيات رئيسة في الموصل تدميراً كاملاً غير صالحة للترميم إو اعادة اعمارها، وبجهود من الفرق التطوعية ومساعدة المنظمات الدولية، تم تأهيل بعض المراكز الصحية والمستشفيات الصغيرة التخصصية لاستقبال المرضى على شكل ردهات طوارئ .مردفاً: أما العمليات الكبرى والباردة والأمراض المزمنة، يتم تحويلهم الى كردستان أو بغداد . ويضيف الطيّب: مدينة يتجاوز عدد سكانها 3.5 ملايين ونصف المليون نسمة، اصبحت بدون مستشفيات لإنقاذ مرضاها، أمام عجز حكومي واضح من تقديم أيّ بدائل، وهناك اتهامات صريحة من ادارة واطباء نينوى بالتعمد من عدم دعمهم ولأسباب مجهولة .موضحاً: وهناك شكاوى كثيرة من عدم تجهيز المحافظة بالأدوية واللوازم الطبيّة لحالات الطوارئ، فكثير من المراكز الصحيّة لا تملك حقناً أو لفافات ومطهرات الجروح والحرائق وتعتمد على المتبرعين من الأهالي وبعض المنظمات الاجنبية، ولا يخلو يوم من مناشدات عاجلة لتوفير أدوية أو مستلزمات وأدوية ضرورية لإنقاذ المرضى، وبخاصة اصحاب الأمراض المزمنة .


عجز حكومي من معالجة الوضع
الوضع الصحي في محافظة نينوى صعب جداً وكارثي ويحتاج الى علاجات جذرية ودعم حكومي منظّم لبناء مستشفى عام بأسرع وقت ممكن.
معاون مدير صحة نينوى، أوس الحمداني، سبق وأن اعلن في تصريح صحفي، أن نسبة الدمار في المراكز والمستشفيات داخل المحافظة بلغت نسبة 80%، مؤكداً وجود نقص كبير بأدوية الأمراض المزمنة. مضيفاً: إن مدينة الموصل بالكامل، تعاني من عدم وجود أجهزة الفحص الطبيّة كالرنين المغناطيسي والمفراس والأجهزة الأخرى المتطورة، ما يستدعي المريض بالسفر إلى اربيل وبغداد، وإن نسبة الدمار في المراكز والمستشفيات بلغت 80‎%. مبيناً: أن المدينة تعاني من عدم وجود ردهات للقيام بعمليات قسطرة القلب وكذلك النقص الكبير في الأدوية، وبخاصة أدوية الأمراض المزمنة التي لا نستطيع توفيرها. مشيراً الى: أنه رغم الكمّ الهائل من المصابين في الموصل نتيجة العمليات العسكرية الناجمة، إلا أن المدينة مازالت تفتقد الى معمل لصناعة الأطراف الصناعيّة.
على صعيد ذي صلة، طالب عضو لجنة الصحة والبيئة البرلمانية النائب فارس البريفكاني، وزيرة الصحة عديلة حمود، بالتدخل شخصياً لمعالجة النقص الشديد والشُح الكبير في جميع أنواع الأدوية والمستلزمات الطبيّة في محافظة نينوى، وبخاصة الأدوية المنقذة للحياة والمُنعشة للقلب وأدوية الأمراض المزمنة والأدوية السرطانية والمعدّات والمستلزمات الطبيّة المخصّصة لمعالجة أمراض السرطان، وذلك لمنع حدوث كارثة إنسانية وصحيّة في محافظة نينوى. داعياً: وزارة الصحة بإدارج مركز معالجة الأمراض السرطانية ومركز امراض القلب في محافظة نينوى ضمن المراكز الطبيّة التخصصية العراقية التي حصلت موافقة مجلس الوزراء العراقي على دعمها بمبلغ ٢٥٠ مليون دينار شهرياً خارج موازنة وزارة الصحة .
فيما أقرّت النائبة انتصار الجبوري، بعجز الحكومة المركزية عن اصلاح الوضع الصحي بمدينة الموصل. وذكرت الجبوري في تصريح صحفي، إن اغلب مشافي الموصل ومراكزها الصحيّة خرجت عن الخدمة بسبب الحرب على تنظيم داعش الإرهابي، وإن الجانب الأيمن للمدينة يفتقر الآن لأيّ خدمات طبيّة مقدّمة لسكانه الذين يعانون أزمات عدّة اثقلت كاهلهم. مضيفة: أن الجميع يعوّل الآن على المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية في إعادة تأهيل الواقع الصحي بمدينة الموصل، لأن الحكومة العراقية لا تملك الإمكانات المناسبة في إعادة هذا الواقع الحيوي الى الخدمة.


جهود تطوعيّة وتبرعات الأهالي
سبق وأن تلقت صحة نينوى دعماً مالياً من وزارة الصحة بحدود مليار و200 مليون دينار، كميزانية تشغيلية اضافة الى دعم من منظمات طبيّة عالمية، والبعض من ميسوري الحال من أهالي المدينة الذين تبرعوا بتوفير العديد من الأجهزة والحاجيات التي تدخل في تأمين الخدمات الطبية والصحية.
وبسبب غياب التأهيل الحكومي للمستشفيات، تطوع ناشطون وفرق شبابية لإزالة الأنقاض مع القيام ببعض اعمال التأهيل التي دفعت بالكثير من ابناء المدينة الى الانضمام لتك الحملات التي تمكّنت من إعادة الحياة إلى مستشفى ابن الأثير بحي نركال، كذلك اعادة العمل إلى مصرف الدم التابع للمستشفى في الجانب الأيمن، من أجل استقبال مرضى فقر الدم والثلاسيميا وبعض الأورام السرطانية، بالإضافة إلى خدمات الطوارئ للأطفال على مدى 24 ساعة.
لكن كل تلك الجهود تبقى قاصرة مالم يتم التدخل الحكومي العاجل وإجراء حملات تأهيل وبناء للمستشفيات المتضررة. ويقول الطبيب أحمد نزار، إن الوضع الآن مقلق جداً بجميع النواحي، إن كان بنقص الخدمات والأدوية أو الأبنية التي يجب أن تدخل في اول خانات الإعمار. موضحاً: إن موسم الشتاء وطقس الموصل المعروف بالبرد والأمطار سيترك أثره على صحة الناس. مردفاً: وهنا لا اقصد امراض الشتاء المعروفة بل المضاعفات على الأمراض الأخرى خاصة من بُترت أطرافهم والجرحى. ويسترسل نزار بحديثه لـ(المدى) منذ انطلاق عملية تحرير المدينة وحتى يوم اكتمال تحريرها وقطاع الصحة يعمل بجهود ذاتية مع مساعدات بعض المنظمات العالمية، في حين أن اعضاء الحكومة المحلية منشغلون بتوزيع المناصب ورئاسة اللجان والحصول على مقاولات اعمار قطاعات أخرى. مبيناً أن استمرار اهمال القطاع الصحّي سيؤدي الى مصاعب صحيّة، وربما تكاثر أوبئة وانتشار امراض معدية. مؤكداً: على اهمية أن تتظافر كل الجهود لأجل خدمة المواطن الموصلي الذي عانى الأمرّين.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top