من أجل قراءة تاريخية وثقافية لمفهوم (الكاولية)

شاكر لعيبي 2018/01/15 09:01:00 م

من أجل قراءة تاريخية وثقافية  لمفهوم (الكاولية)

ألمحنا قبل وقت قريب، أن مفردة (كاولي) و(كاولية) التي تعني في العراق الغجريّ والغجر، قد تكون متصلة بالنطق الهنديّ لمفردة (قوّال) التي تكتب وتنطق كاوّالي qawwali، ويُقصد بها المغنّي القوّال الصوفيّ (الفقير)، الذي يقول أشعاراً روحية مغناة.
إذا كانت هذه الفرضية الجديدة صحيحةً، فإن هناك مسافة اعتبارية بين الغجريّ والقوّال؟
المفردة (qawwali) موجودة في القاموس الإنكليزيّ (القوّالي)، ويعرّفها بصفتها نمطاً من الموسيقى العباديّة الإسلامية التي ترتبط اليوم مع الصوفية في الباكستان.
في شرح أصول الكوّالي (= القوالي) تقول المراجع الإنكليزية "إن الفضل يعود إلى واليّ مدينة دلهي الصوفي أمير خسرو الدهلويّ، صاحب الطريقة الشيستية، في دمج التقاليد الموسيقية الفارسية والعربية والتركية والهندية في أواخر القرن الثالث عشر لإنشاء الكوّالي الراهنة. ما زالت كلمة "سماع" تستخدم في آسيا الوسطى وتركيا للإشارة إلى أشكال مشابهة للكوّالي، وفي الهند وباكستان وبنغلاديش، الاسم الرسميّ المستخدم لجلسة الكوالي هو (محفل السماع). وتضيف المراجع أن "Qaul (من العربية قول) هو (نطق [النبيّ])، وكوّال هو شخص كثيراً ما يكرر (يُغنّي) قولاً، فالكوّالي هو ما يغنيه الكوّال”.
الغجر مفردة فصحى اليوم، ليست عربية ولا توجد في اللسان، ولعلها دخلت من التركية عام 1596م، نهاية السادس عشر وبداية القرن السابع عشر الميلاديين. جميع محاولات ربطها بكلمات كالأيجيبت (Egypt) لا تبدو مقنعة، نظراً لعلو هامة الثقافة المصرية القديمة دائماً.
تفسير الأستاذ لطفي الخوري مقنع: كلمة الغجر تركية هي (كوجر) بجيم مثلثة (Gocher) ومعناها القوم الرُّحّل لأننا "سمعنا بعضهم يسمونهم إلى اليوم غوجر في الموصل، ومنهم من يسمونهم القرج". يستعرض كتاب (الغجر والقرج فى العراق) لطه الحديثى 1979، الأصول المقترحة لمفردة الكاولية. ولا نجدنا متفقين معها.
معني غجر الراهنة لا علاقة له إذنْ بمعنى (الكاولية). لكن لماذا دخلت المفردة (كوجر) = الغجر، المحترمة نسبياً بالنسبة للكاولية، نهاية السادس عشر؟ نعتقد لوجود سبب تأريخيّ مرتبط بتاريخ شبه القارة الهندية، وبقبائل "الزطّ" أو الجتّ. مفردة زطّ، يقول اللسان، هي تعريب "جتّ" بالهنديةِ: جيل من أهْل الهندْ إليهم تنّسبُ الثيابُ الزّطية، كانوا قد وصلوا من السند منذ عصور بعيدة إلى سواحل الجزيرة العربية، وهم غير معنيين بكلمتنا. بالمقابل شهدت حالة الجت Jats في الهند تغيّراً جذرياً في القرن السابع عشرم عندما حمل الجتُّ الهندوسيون السلاحَ ضد الإمبراطورية المغولية، مما يعني دخولهم تاريخ آسيا السياسيّ والتجاريّ والثقافيّ. ولعل ارتحالاتهم الواسعة إلى العالم الإسلاميّ بدأت من حينها، مصحوبة بانتقال تقاليد غنائية سابقة أسّسها الدهلويّ أواخر الثالث عشرم.
يفترض الدكتور حميد الهاشمي في (تكيّف الغجر: دراسة انثروبولوجية لجماعات الكاولية في العراق)، المدى 2012، استناداً إلى ول ديورانت، أن أصل التسمية ينطبق على قبائل هندية كانت بعض نسائها يمتهنّ الجنس والرقص كخدمة دينية، وكنَّ في معبد الملك "كاول" فانتسبن إلى "كاول" تعظيماً لأنفسهنّ. اجتهاد نحترمه، لكن هل من قرينه فيلولوجية، منطقية، تأريخية، بشأن الانتساب إلى "كاول" المذكور، ومن هو "كاول"؟ أم أننا أمام تشابهات صوتية، مُشوّهة ترجمياً. ألا نتحدث بالأحرى عن ملوك تشولا (Chola يُكتب كولا Cōla) التاميليين، كأن يكون تشولا راجاراجا Chola Râjarâja (حوالي 1004م). وألا نتحدث عن البغاء المقدّس (ديفاداسي) الهندوسيّ؟ المشكلة أن يُقرأ تشولا (Chola) أو (كولا Cōla) بلفظ "كاول"؟ أو يكتب راجاراجا بصيغة راجاما (ص23)، ونرحّب بأي تصحيح لسوء فهمنا الممكن.
فرضيتنا هي انتقال القوّالين من الهند والبنجاب إلى العراق في القرن السابع عشرم، فسُمّوا بـ (الكاولية) تبعاً لنطق العراقيين لمفردة (كاوّالي qawwali) التي سمعوها ولم يعرفوا أصلها.
لكن، كيف تحوّل الكلام الصوفيّ الأصليّ إلى شعر شعبيّ، ريفيّ لا يرتبط (بالقول) الصوفيّ؟ وكيف تحوّل القوّالون إلى غجرٍ بالمعنى المقلق للمصطلح؟..الخ.
أسئلة قد نحاول الإجابة عليها يوماً في مادة منفصلة.

تعليقات الزوار

  • ابو نضال الكروي

    يعني بالنهاية اذا قوال او غجر او قرج او كاوليه يعتبرون رمز للدعاره ويقدمون جسدهم لاجل المال دون العمل بشرف لكسب المال يستخدمون جسدهم في كل مايحتاجون

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top