لا تسرقوا إرث الفقراء

حسين رشيد 2018/01/10 09:01:00 م

لا تسرقوا إرث الفقراء

ليس ثمّة شغل شاغل للكثير من الشرائح الاجتماعية والطبقات الفقيرة تحديداً، سوى الخصخصة والاستثمار وتعطل تقديم الخدمات التعليمية والصحية بوجه الخصوص، بعد أن كان الإرهاب والأمن همهم وشاغلهم، حتى تحقق بدماء الفقراء وتركتِهم الكبيرة من الأرامل والأيتام الذين سيتيتمون مرات أخرى على يد أحزاب السلطة وفسادهم الذين سيسلبونهم حقّهم بثروات الوطن وإرثهم الأوحد الخدمات العامّة.
بعد أن شيّدت المدن وتطورت الخدمات وقضت على أزمات السكن ووفرت الوظائف وكفلت رفاهية وراحة المواطنين بقوانين الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، حينها سمحت لشركات بمختلف الاختصاصات الخدمية المنافسة في تقديم الخدمات للمواطن بدءاً من التنظيف وجمع النفايات مروراً بخدمات الاتصالات والانترنت وانتهاءً بالكهرباء التي تنتجها شركات متخصصة، ورغم كل ذلك لم تترك المواطنين بين فكيّ الشركات الخاصة، إذ حمتهم بقوانين محكمة التطبيق والتنفيذ والتعويض السريع عن أي ضرر يلحق بأيّ مواطن، فضلاً عن الكفالة الضامنة التي تقدّمها تلك الشركات.
إلا أن الأمر في العراق وما يجري لفقرائه مختلف جداً، إذ جعلوهم ضحايا تجارة السلع والاقتصاد الحر دون قوانين حامية، ضحايا حرية تداول الرأسمال والاستثمار والاقتصاد المفتوح دون قيود، ضحايا إلغاء القطاع العام وسيادة خصخصة الخدمات، ضحايا اللا مساواة الاجتماعية التي تحولت الى ظاهرة طبيعية في ظل اتفاق المؤسسة الدينية وأحزاب الإسلام السياسي ولصوص التحرير وبقايا النظام السابق الذين يجيدون تبديل الأقنعة والانتماءات وتنفيذ كل مايطلب منهم.
لكن بعد حين، وبعد أن يعتاد الناس على شكل الحياة التي رسُمت لهم وفق طبقية معينة، سيجدون اختفاء مفردات الوطنية والإنتاج الوطني والاقتصاد الوطني والاستقلال الاقتصادي الوطني والخدمات العامة والعدالة الاجتماعية من خطابات الساسة وخطب رجال الدين وكتابات الصحافيين وأساتذة الجامعات والأدباء، ربما يعتاد الناس والفقراء منهم تحديداً لفترة، لكنهم سيعودون بقوة ويستعيدون إرثهم الأكبر الذي فقدوه في سني الإرهاب والفساد والغشاوة التي صنعت في دكاكين الأحزاب الإسلامية ومرّرها رجال الدين وجنى أرباحها حلفاؤهم من التجار وسماسرة المال.
آمال العراقيين بدأت تتلاشى تدريجياً، والأمنيات تهرب منهم مثلما هرب شبابهم الى دول المنفى وفقراؤهم الى العشوائيات والتجاوز على الأرصفة والشوارع العامّة لأجل توفير قوت عوائلهم اليومي، وسط انحدار مستوى العيش الكريم في ظلِّ سياسة الأزمات والتقشف، واشتراطات البنك الدولي التي ستفقد الكثير من الطبقات الدنيا والمتوسطة فرص النمو وتكوين أسس للمجتمع، الشباب سيفقد أي أمل في مستقبل منظور يوفّر لهم فرص العمل، بخاصة الطلبة الخريجين الجامعيين والذين سيتضاءل عددهم حين تطول الخصخصة قطاع التربية والتعليم، الذي إذا فقد مجانيته ستكون الضربة القاسية التي توجّه للفقراء الّذين لا يملكون سوى المدارس والمستشفيات العمومية والتي إن لم تكن مجانية فهي مدعومة، لكن حين تقوم الحكومة بخصخصتها، فهي بذلك تسرق إرثهم الوحيد.
ثمّة أمر آخر لايقل خطورةً عن الخصخصة والاستثمار على حساب إلغاء القطاع العام، تكاد تختفي الأصوات الرافضة بل حتى المحفّزة على رفضهما والعاملة على توعية الناس بالخطر الداهم لإرثهم والذي تريد بهما الحكومة سدّ عجزها المالي والتخلص من أزمتها المالية التي نتجت بتحالف الفساد والإرهاب بحلول (بنكية دولية) تقدّم على طريقة وجبات الطعام الجاهز.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top