ترتيبات تشكيل الحكومة تركن ثالث حملة لنزع السلاح خارج الدولة

ترتيبات تشكيل الحكومة تركن ثالث حملة لنزع السلاح خارج الدولة

 بغداد/ وائل نعمة

يبدو أن دعوة رئيس الحكومة حيدر العبادي الأخيرة لحصر السلاح بيد الدولة تشبه دعواته السابقة التي ذهبت أدراج الرياح، حيث كشف الانفجارالشديد الذي وقع في مدينة الصدر مطلع حزيران الحالي ــ كان بسبب عتاد تابع لأحد الفصائل المسلحة ــ أن الحكومة غير قادرة على ضبط السلاح المنفلت.

وعقب الانفجار الذي أسقط نحو 10 منازل وأكثر من 100 ضحية بين قتيل وجريح، تفاعلت أغلب القوى السياسية، التي تملك أجنحة مسلحة، مع دعوة العبادي وطالبت بتطبيق خطة لنزع السلاح من الاحياء السكنية، لكن الواقع يقول غير ذلك.
وتفيد المعلومات بأن رئيس الحكومة غير قادر لوحده على السيطرة على السلاح، حيث تتهم قوى سياسية حصلت على مقاعد كثيرة في الانتخابات وصارت قريبة من الاخير، بأنها تملك الجزء الاكبر من السلاح، لذا يحتاج الامر الى اتفاق سياسي قد يصعب عقده الآن بسبب ضغوط مباحثات تشكيل الحكومة المقبلة.
بحسب تقديرات مسؤولين هناك أسلحة تعادل كميتها ضعف عدد سكان العراق، وهذا الحجم الهائل من السلاح الذي يعود تاريخ صنع بعضه إلى العهد الملكي، تصبح مهمة "حصره" قضية معقدة، لأنه ينتشر بيدعشائر لها تغلغل في عمق الحكومة وفصائل الحشد الشعبي، وهي مؤسسة تابعة للحكومة أيضا، وجهات مسلحة توصف بأنها خارج إطار الدولة.التعقيد يأتي من أن عملية نزع السلاح من المجموعة "الخارجة عن الدولة" يعني الاعتراف ضمنيا بوجود تلك الجماعات بشكل رسمي،وهي في العادة ترتبط بجهات سياسية متنفذة بالدولة، ولذا يجب على الحكومة نزع سلاحها دون المساس بها.

السلاح مقابل التحالف
ويكتسب مصطلح "حصر السلاح" مطاطية واسعة، كما يصفه مسؤولون، حيث يفهم منه قانونا، على وفق ما يقوله فالح الخزاعي، وهو نائب في البرلمان، بانه "السلاح غير المرخص لدى جماعات الحشد، وآخرخارج إطار الدولة".
لكن بالمقابل تسمح التعليمات، ونظراً للظروف الامنية الاستثنائية التي مرت بها البلاد، ان يملك كل مواطن "مسدسا" او "بندقية"، كما ان هناك الآلاف من المدنيين انخرطوا قبل 4 سنوات بالقتال لحظة دخول داعش الى العراق، ضمن المتطوعين في فتوى المرجع الأعلى السيستاني الشهيرة"الجهاد الكفائي"، واستخدموا أسلحة بعضها متوسطة لا يعرف مصدرها.وبعد الاجتياح الامريكي للعراق في 2003، تركت مخازن سلاح الجيش عرضه للنهب. ويضيف الخزاعي وهو قيادي في احد فصائل الحشد الشعبي لـ(المدى): "ظل هذا السلاح موجودا طوال تلك الفترة بيد جهات كثيرة، واستخدمه اشخاص عاديون في معركتنا ضد تنظيم داعش عقب فتوى السيد السيستاني".
وفي حرب الاربع سنوات ضد التنظيم المتطرف،كما يؤكد مسؤولون عراقيون، أنفقت الدولة نحو 100 مليار دولار، وهو ما يعادل ميزانية الدولة خلال عام كامل، على شراء الأسلحة والذخيرة، وكان بعض الاسلحة يتسرب الى يد بعض الجماعات، حيث شكلت أكثر من لجنة في تلك الفترة للتحقيق بسرقة أسلحة من مخازن وزارة الدفاع.
ويقول مسؤول شيعي رفض نشر اسمه لـ(المدى) إن "الاسلحة موجودة لدى جهات سياسية اصبحت اليوم تمتلك مقاعد كبيرة في البرلمان،ويقوم العبادي بمغازلتها من اجل تشكيل الحكومة المقبلة". ويرجح المسؤول أن "المفاوضات ربما صارت على حساب عملية نزع السلاح، حيث يجامل رئيس الوزراء تلك الجهات من أجل التحالفات".
بعد 24 ساعة من انفجار مدينة الصدر، ذكر مكتب العبادي أن رئيس الوزراء أمر "قيادات العمليات ومديريات شرطة المحافظات بالقيام بحملات تفتيش واسعة داخل المدن وخارجها لمصادرة مخازن الأسلحة والذخائر التابعة لجهات خارج الأجهزة الأمنية المسؤولة، وتحميل هذه الجهات المسؤولية القانونية والقضائية ومنع أي سلاح خارج إطارالدولة".
وفي الشأن ذاته يقول سعد المطلبي، عضو اللجنة الامنية في بغدادلـ(المدى): "المشكلة إن الحكومة تريد حصر السلاح الذي تستخدمه الجماعات المسلحة، وهي في الاساس يجب ان ترفض وجود تلك الجماعات الخارجة عن الدولة قبل قرار سحب سلاحها". ويؤكد المسؤول في بغداد، أنه منذ صدور قرار رئيس الحكومة بشأن نزع السلاح، "لم يحدث أي تحرك ولم يجر تفتيش لمواقع يحتمل ان يوجد فيها عتاد أوسلاح مخزون".
وكان زعيم التيار الصدري، قد عرض عقب حادثة انفجار كدس العتاد،مساعدة الحكومة في إجراء تفتيش وحصر السلاح في "المدينة" وبقية المدن العراقية، بعد عطلة العيد الماضية. وكانت "سرايا السلام" التابعة للصدر قد اتهمت بحيازة أعتده في داخل المدنية، كما رجحت وجود مخازن مشابهة في منطقة قريبة من مكان الحادث.
وما زال "سوق السلاح" في وسط مدينة الصدر قائما حتى الآن، حيث يباع في داخله كل انواع السلاح الخفيف الذي يعود الى فترة الحروب السابقة وبعضها مصنعة في اربعينيات القرن الماضي، حيث يقول المطلبي: "لا وجود للدولة في ذلك المكان الذي يقع فيه السوق، وحتى رمضان الفائت كان السوق مفتوحاً".

مهمة معقدة
عملية حصر السلاح، بحسب ما يقوله المسؤولون، لاتهدف الى ملاحقة حاملي الاسلحة الخفيفة، حيث هناك نحو 100 ألف طلب رخصة قدمت الى وزارة الداخلية لحمل المسدس، لكن الحملة الحالية وحملتين سابقتين في عام 2015 و2017، تركز على الاسلحة المتوسطة والثقيلة التي تستخدم مثلا في حل نزاعات العشائر في البصرة.ويقول جبار الساعدي، رئيس اللجنة الامنية في المحافظة الغنية بالنفط،لـ(المدى) أمس، إن "أسلحة بي كي سي، وقذائف، وهاونات، تنتشربكثرة في البصرة، والحكومة لا تبدو قادرة على ضبط الاوضاع في المحافظة".
ويعتقد المسؤول الامني أن السلطات غير جادة في حصر السلاح، وأن الانتخابات قد أوقفت إجراءات لتصفية 4 آلاف أمر اعتقال في البصرة،كانت مجمدة منذ 2003، حيث وجد بعض المطلوبين وقد توفوا.
وفي منتصف شباط الماضي، أمهل مجلس الامن الوطني، وهو لجنة حكومية تضم وزارات أمنية، المواطنين 10 أيام لتسليم السلاح، فيما قال مسؤولون وقتذاك ان عدد الاسلحة التي جمعت لا يذكر، حيث تمتنع جماعات مسلحة مرتبطة بجهات سياسية تسليم أسلحتها، كما أن تلك الجهات تسرع الى إخفاء أسلحتها قبل كل حملة حيث تحصل على معلومات مسبقة من أطراف أمنية تساندها.
ورغم التعهدات المعلنة بنزع السلاح، مثل ما حدث قبل أيام في ديالى،حيث توعدت السلطات الامنية هناك بأخذ إجراءات لتحقيق ذلك الهدف،يقول عبد الخالق العزاوي، عضو اللجنة الامنية في المحافظة: "على الحكومة أن تجمع السلاح من بغداد أولا ثم تأتي الى ديالى، هنا الاوضاع صعبة جدا وحتى النساء تملك أسلحة متوسطة". ويؤكد العزاوي في اتصال مع (المدى) امس أن "أي إجراء لحصر السلاح لم يتخذ في المحافظة، ولدى بعض الجماعات المسلحة مدافع وهاونات تحمل في السيارات المدنية".
إلى ذلك يقترح النائب فالح الخزاعي، وهو المعاون الجهادي لكتائب سيد الشهداء وهي احد تشكيلات الحشد، ان يصار الى "اتفاق سياسي لضبط السلاح وألا يبقى الامر في إطار الإعلام". ويضيف ان "السلاح موجود لدى الحشد والجماعات المسلحة وهي في الغالب ترتبط بأحزاب سياسية".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top