بيت ( المدى ) يستذكر الرائد الفنّي لأدب القصّة عبد الملك نوري

بيت ( المدى ) يستذكر الرائد الفنّي لأدب القصّة عبد الملك نوري

  زينب المشّاط
 عدسة/ محمود رؤوف

شخصية جدلية، كتبت في مجال القصة، في وقتٍ كانت الساحة الادبية العراقية تتضمن العديد من الادباء والقاصين المهمين، إلا انه اليوم وحين يُستذكر يُشار الى أنه واحد من أهم رواد القصة العراقية، وهذا ما قد يثير جدلية في الادب العراقي، لأسباب سنتعرف عليها من خلال آراء النقاد الذين تحدثوا عن القاص عبد الملك نوري في الجلسة الاستذكارية التي أقامتها مؤسسة المدى صباح يوم الجمعة الفائت على قاعة بيت المدى في شارع المتنبي، والتي حضرها عدد من الادباء والكتّاب العراقيين ...


أثار إشكاليّة
الجلسة أدارها الناقد علي الفواز الذي أشار الى أننا " نستعيد معاً القاص والمقالي عبد الملك نوري الذي يُعدّ الحديث عنه إثارة للكثير من الإشكاليات الثقافية التي لها علاقة بالتاريخ والظاهرة الادبية القصصية خاصة أن السردية العراقية اقترنت بالقصة وتحولات هذه القصة."
الحديث الفني عن أي مجال أدبي أو فني ثقافي يرتبط بالتأسيسات الحقيقية التي تمس هذه الظاهرة أو تلك، يذكر الفواز أننا " حين نتحدث عن القصة نتحدث عن العلامات المؤسسة ويكاد نوري أن يكون العلامة الاولى في تأسيس القصة رغم تزامنه مع قاصين آخرين، وهذا يدل أن جيل الرواد والمؤسسين فتحوا على ثقافات مختلفة قصة ورواية ارتبطت بمجموعة من العوامل ما له علاقة بالايديولوجيا واليافطات والمضامين الاجتماعية."
هنالك مضامين قدمت الرواية والقصة العراقية حتى عام 1954 ، حيث قدمت هذه المرحلة مضامين ورسائل عن دور المثقف في الصراع الاجتماعي والسياسي، يذكر الفواز أن "عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وغيرهما ارتبطوا بما قدموه بالمدينة فكان أبطالهم جزءاً من المدينة وحديثها بشكل دائم، وهنا ارتبطت أيضا مسألة الريادة بالنسبة لعبد الملك نوري بالجانب الفني للكتابة."

الريادة الثالثة
في كلمته ذكّر بكُتّاب أدب القصة منذ ظهورهم الاول وحتى ظهور عبد الملك نوري، فذكر أن هنالك ثلاث ريادات قصصية في العراق بحسب معتقدي الشخصي، الناقد بشير حاجم يتحدث عن الريادة الادبية لفن القصة قائلا " من خلال مراجعات كثيرة ومتابعات لفهارس قدمها عدد من الكتّاب أمثال يوسف عز الدين، وعبد الهلال أحمد، وياسين نصير، أجد أن أولى القصص العراقية التي نشرت تأريخيا لرزوق عيسى بعنوان " فتاة بغداد" عام 1910، ولم ينشر رزوق بعدها أي قصة، وفي ذات العام نشرت قصة ليوسف رزق الله، وبعدها عام 1913 نشرت قصة لعبد الفائق الكيلاني."
هنا يُشير حاجم إلى أن الريادة الزمنية والتاريخية لفن القصة يعود الى رزوق عيسى، ويذكر أن "عام 1924 نشرت أولى القصص لأنور شاؤول بعنوان "العاشق الغادر" بعدها نشر شاؤول عدّة قصص حتى وصلت الى 40 نصاً أدبياً ما بين 1924 و1955، ونشرها شاؤول على شكل مجموعتين قصصيتين ،وهنا سنشير الى الريادة الكمية حيث عدّ شائول صاحب أكثر عدد من النصوص الادبية التي نشرت آنذاك."
أما عن الريادة الثالثة يتحدث بشير حاجم قائلاً " هي الريادة الفنية للقصة وهي التي تعدّ برأيي أهم الريادات الادبية، فبعد هؤلاء ظهر ذنون أيوب وعبد المجيد لطفي وخالد الدرة وعبد الملك نوري، الذي نشر قصصه بمعزل عن الآخرين حيث نشر أول نص قصصي له بعنوان بدرية في مجلة " المجلة " عام 1941 وحتى عام 1959 نشر نوري أكثر من 25 نصاً قصصياً."
كان عبد الملك نوري مُقلاًّ على مستوى الكتابة والنشر في أدبياته، فنجد أنّ لديه مجموعتين قصصيتين فقط الاولى "رسل الإنسانية" والثانية " نشيد الأرض."
يذكر حاجم أن "رسل الإنسانية، لم تكن في ذلك المستوى الفني العالي فقد كانت امتداداً لقصص تكتب وتنشر في بداية الأربعينيات ونهاية الثلاثينيات، حتى ان النص المعنون أثار إشكاليات لدى العديد من الباحثين والنقاد ومنهم من وصفه بنص مسرحي، وهو في الواقع ليس مسرحياً وإنما نوري قد هيمن الحوار الخارجي عنده على النص القصصي ."
أما عن مجموعة "نشيد الارض" فيذكر حاجم "هنا نميل الى نظرية الادب، عليّ أن أميل الى تاريخ الادب لأكتشف النصوص القصصية الاولى التي نشرت بالصحف والمجلات العراقية . وفي تقديري النقدي علينا أن لا نقرأ نص "نشيد الارض" الذي نشر عام 1954 بذائقة الآن ، بل نقرأها على وفق زمنيتها، سنجد أن هذه المجموعة مقارنة بمجموعات صدرت سابقا لقاصين عراقيين كانوا ذوي أسماء بارزة هي ذات قيمه فنية على جميع المستويات تقنياً وجمالياً وبنيوياً."
أما من ناحية الثيمة فيذكر الحاجم " أن هذه المجموعة تتمتع بقيمه فنية فماذا عن مستوى الثيمة؟ عندما نراجع مجمل المجاميع قبل هذه المجموعة نجدها مختلفة الثيمات، أما عبد الملك نوري فقد وعى بأهمية الثيمة في مجموعته حيث اشتغل على قضية واحدة وهي الضعف عند الإنسان."
توافرت في هذه المجموعة " نشيد الأرض "هذه المستويات الأربعة الفنية "البنيوية، التقنية، الثيمة، والجمالية" لهذا أصبح من الممكن ان نقول إن عبد الملك نوري أحد رواد فن القصة العراقية وهذه هي الريادة الحقيقية.

تأثّر بالأدب الروسي
عشرون عاماً مضت على رحيل الرائد الفني للقصة العراقية، يستذكره الناقد شكيب كاظم من خلال استذكار أقيم في أربعينيته، في جلسة أقيمت في اتحاد الأدباء التي أدارها عبد الجبار داود البصري، وألقى فيها ورقة الدكتور شجاع العاني، ويحيى الكبيسي وعبد الاله احمد، وهاتف عبد اللطيف، يتحدث كاظم عن عبد الملك نوري قائلاً " إنه واحد من جيل ما بعد الرواد أمثال محمود أحمد السيد، و ذنون أيوب، و جعفر الخليلي وعبد المجيد لطفي، كان له رأيه القريب من الأفكار اليسارية ،وهذا حال توجه أغلب المثقفين وكتّاب القصة في العراق آنذاك."
في الوقت الذي كان يكتب فيه ذنون أيوب قصصاً أشبه بالمقاصات وذلك لما فيها من روح المقال والتوثيق، جاء جيل آخر كان مُعبّأ أيضا بالافكار السياسية في كتاباتهم، إلا أنهم نحوا المنحى الفني من خلال تداولهم للواقع، فأدخلوا أخيلتهم في النصوص ومنحوها فناً مزامناً مع مناقشتهم الواقع في نصوصهم، ولم تعد القصة مقالية كما في زمن ذنون أيوب، وانتمى أدب عبد الملك نوري القصصي إلى الجيل الفني في القصة كما أشار شكيب كاظم.
وهنا يشير شكيب كاظم الى المؤثرات التي أثرت في أدب عبد الملك نوري قائلاً "إن لقراءاته المعمقة بالادب الروسي وروايات جويس ودستوفسكي وتأثره بتيار الوعي ومحاولاته لاسترجاع للمونولوكات الداخلية إضافة الى ما تركه من تأثير لآراء فرويد على قصصه، حيث أسعفته هذه المؤثرات في توظيف المناحي الفنية في أدبياته إضافة الى أنه كان يكتب باللغة الانكليزية وعُدّ من الكتّاب الذين كتبوا بجرأة." أيضاً لتقاربهم فيما نحوه ،يشير كاظم الى وجود " آصرة صداقة بين فؤاد التكرلي وأخيه الناقد نهاد التكرلي وبين عبد الملك نوري، وتكونت هذه الصداقة من خلال انتمائهم لجماعة الوقت الضائع، إضافة الى انضمام جبرا إبراهيم جبرا لهم ونزار سليم وآخرين وكانت علاقتهم حميمة، وقد شكلوا جزءاً من عناصر الانتقالة المهمة في الأدب العراقي."

الريادة
بقيت موضوعة الريادة المُشكل الأكبر للإشكالية فالكثيرون يجدون أنّ عبد الملك نوري لم يكن من رواد القصة في العراق ،واحد من الآراء كانت للدكتور نجاح هادي كبة الذي قال إننا " لا يجب أن نتجاوز العامل الوقتي والعددي في النتاج الأدبي كما علينا أن نُركّز على حالة أنّ في الوقت الذي يكتب فيه محمود أحمد السيد العديد من المؤلفات الرائعة كيف لنا أن نعترف بريادة عبد الملك نوري؟"

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top