حسن الياسري: حققنا مع 48 وزيراً بتهم الفساد.. والقضاء لم يقتنع بالأدلة!

حسن الياسري: حققنا مع 48 وزيراً بتهم الفساد.. والقضاء لم يقتنع بالأدلة!

أكد في ورشة نحاور: عدم وجود نصّ قانوني يمنع اللجان الاقتصادية من الـ "كومشنات"

 قدّم 20 مقترح قانون إلى البرلمان والحكومة لتعديل تشريعات تخصّ الفساد

بغداد/ المدى
عدسة/ محمود رؤوف

كشف رئيس هيئة النزاهة السابق حسن الياسري عن التحقيق مع 48 وزيراً خلال السنوات الثلاث الماضية بتهم تتعلق بقضايا الفساد، بينهم وزراء ونواب رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، ولفت الى أن المحالين منهم الى القضاء لم يحصل لهم أي شيء لعدم اقتناع القضاء بأدلة الإدانة!
وشكا الياسري الذي استقال من منصبه قبل 5 أشهر، صعوبة"إقناع"القضاء بجرائم المتهمين، ومن ضعف البنية القانونية الخاصة بجرائم الفساد، ودعا الى تشديد العقوبات وإصدار أحكام الإعدام على من تمتد يده على المال العام.

وبيّن الياسري في ندوة حوارية أقامتها (المدى) نهار أمس السبت، أنه قدّم أثناء توليه منصب رئاسة الهيئة 20 مقترح قانون إلى البرلمان والحكومة لتعديل قوانين وتشريعات قديمة لم تعد تتناسب مع تطور حالات الفساد.
وتحدث الياسري الذي تولى منصب رئيس هيئة النزاهة في نيسان 2015، عن كتابه الجديد الذي يشرح فيه رؤيته عن الفساد في العراق وطرق المعالجة، لكنه قال إن أي جهة لن تسطيع مكافحة الفساد ما لم يتفق البرلمان والحكومة على ذلك.
وجاءت تصريحات الياسري في الندوة التي حملت اسم الكتاب نفسه"أطروحات علمية في مكافحة الفساد"، وحضرها عدد من خبراء الاقتصاد والقانون والإعلام. وقال عباس الغالبي، الصحفي والأكاديمي في افتتاح الجلسة إن الياسري والحاضرين سيتحدثون عن الأبواب الثلاثة للكتاب، الاول يتضمن رؤية في مكافحة الفساد، والثاني خريطة لمكافحته، والجزء الأخير عن مكافحة الفساد بين القول والعمل.
وبدأ الياسري، الذي قدم استقالته قبل 4 أيام من الانتخابت التشريعية الأخيرة (أجريت في 12 أيار الماضي) كلامه قائلا إن"كل ما يدور من أحاديث عن الفساد ومكافحته هو هواء في شبك. مكافحة الفساد ليس أُمنية وإنما هي إرادة".
وانتقد رئيس الهيئة السابق المناكفات والتشهير والتسقيط الذي يدور حول قضايا الفساد التي قال إنها"لا تأتي بأي نتيجة على صعيد القضاء على الظاهرة"، وتابع قائلا:"إذا المسؤول لم تكن لديه إرادة في مكافحة الفساد فعليه أن يصمت".
كذلك اعتبر الياسري أن الإرادة من قبل النخبة السياسية والبرلمان والحكومة غير كافية لوحدها في مكافحة الفساد، وإنما الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في التشريعات والقوانين التي لم تعد تتناسب مع حجم الجرائم الخاصة بقضايا الفساد.
وقال إنه"بعد تشريع قانون العقوبات العراقي الصادر في عام 1969 نشأت جرائم جديدة لم تعالج في القانون، أبرزها المتعلقة بجرائم الإنترنت والتزوير الإلكتروني". كما قال إن الكثير من قضايا تحسم بالحبس البسيط أو الغرامات بسبب تقادم القوانين التي لم تعد مناسبة للجرائم التي ترتكب اليوم.
ورمى الياسري المسؤولية على عاتق مجلس النواب في تشريع قوانين جديدة، وقال:"أدعو إلى تشديد العقوبات وحكم من تمتد يده الى المال العام بالإعدام"، لكنه عاد واستدرك:"البرلمان عاجز وليس في وسعه إصدار مثل تلك القوانين".
وكشف الياسري الذي قدم استقالته أكثر من مرة منذ توليه المنصب، أنه قدم"20 تعديلا للقوانين وأرسلها الى الحكومة والبرلمان، تخص عمل هيئة النزاهة، وقانون العقوبات، وأصول المحاكمات الجزائية، قانون الأحزاب، والكسب غير المشروع"، مبيناً انه"تم إهمال تلك المشاريع ولم نسمع عنها بعد ذلك".
ووصف الرئيس السابق لهيئة النزاهة طريق مكافحة الفساد في العراق بالمثلث الذي تقع على قمته"الإرادة السياسية"، وعلى الضلع الأيمن التشريعات القانونية، وعلى الضلع الآخر التنفيذ على أرض الواقع، لكن بالمقابل توجد هناك عراقيل تقف أمام اكتمال هذا المثلث.
وبيّن الياسري أن هناك"صورة مشوشة"لدى النخب السياسية والشارع العراقي حول الفساد في العراق، وأضاف:"تحدثتُ ثلاث سنوات مع مختلف المسؤولين والنواب والجهات السياسية عن مكافحة الفساد فلم أجد صورة واضحة لديهم عن الفساد وطرق مكافحته ولم تنتج أي جهة رسمية منظمة لعلاج هذه الحالة".
كما انتقد الياسري تداول"الفساد"عبر الإعلام، وتدخل شخصيات غير مختصة بالحديث عن النزاهة تحت عنون"كشف الفساد"، وقال"في الحقيقة هي رسائل ابتزاز بين بعض الجهات ودعايات انتخابية وليس غرضها كشف الحقائق أمام الرأي العام".
كذلك تطرق رئيس الهيئة السابق في الجلسة الحوارية التي استمرت لأكثر من ساعتين الى مشكلة"إقناع القضاء"بأدلة إدانة المتورطين في قضايا الفساد، واضاف قائلا :"أغلب المحالين للقضاء يتم الإفراج عنهم بسبب عدم اقتناع القاضي بالادلة أو الاختلاف في تفسير المادة القانونية".
وقال الياسري إن هناك صعوبة في تثبيت الأدلة على النحو الذي يطلبه القضاء،"حيث نحتاج الى إما أن يكون المجرم متلبساً بالحالة، أو إلى وجود شهود". وأضاف إن"بعض الاحاديث تنطلق على لسان مسؤولين حول بيع المناصب وشراء أصوات الناخبين، ولكن حين نطلب شهادتهم أو التعاون مع الهيئة يرفضون"!
وفي ضوء ذلك قدم الياسري من خلال كتابه"أطروحات علمية"21 فقرة تتعلق برؤيته لحلول المشاكل التي تعيق مكافحة الفساد في العراق، أبرزها تقوية أجهزة الرقابة، وإعطاء أموال وتخصيص لجهاز شرطوي خاص بالهيئة وتشكيل قضاء نزاهة خاص.
وكشف رئيس الهيئة السابق عن أن"محققين يذهبون لملاحقة مليشيات ولا يملكون مسدساً واحداً، كما أن بعض أجهزة المراقبة والتنصت عاطلة،لأنها قديمة حيث أعطتها الولايات المتحدة الى العراق عام 2004، وبعدها لم تخصص مبالغ جديدة سوى الرواتب"، مشيرا إلى أن البرلمان لم يناقش يوماً ميزانية ديوان الرقابة المالية أو هيئة النزاهة.
وقال الياسري إن الموظفين في الهيئة قدموا تضحيات أثناء عمليات التحقيق مع وزراء ومحافظين ومسؤولين، مبيناً أن الكثير من أوامر التنفيذ الصادرة في حق الشخصيات المهمة لا تطبّق لأن الهيئة لا تملك جهازاً خاصاً بالتنفيذ والأمر منوط بوزارة الداخلية.
ومن المشاكل الأخرى التي طرحها الياسري في الجلسة الحوارية التي غطتها وسائل إعلام عدة، إنه لم يجد"نصاً صريحاً"في القانون يمنع اللجان الاقتصادية التي شكلتها بعض الاحزاب من الحصول على"كومشنات"عن العقود والصفقات التي تعقدها الوزارات والدوائر، وقال إن المشكلة هي أن"القضاء الجنائي يطلب الدليل القاطع وليس الظنّ". كذلك قال إن بعض المسؤولين يسرقون من المال العام باعتباره"مالاً حلالاً"، وإن مال الدولة هو ملك للشعب، مضيفا انه من الناحية القانونية يجب أن يصدر قانون"يمنع من يؤمن بحلية المال العام من تولّي أي منصب".
وتطرّق الياسري أيضا الى خارطة طريق أرسلها في 2017 الى الحكومة والبرلمان، تقوم على محورين في مكافحة الفساد، الأولى على المدى القريب وتمتد لحين إجراء الانتخابات التشريعية (أجريت في 12 أيار الماضي)، والثانية على المدى البعيد، وتتعلق بتصرف الحكومة والبرلمان المقبلين في مكافحة هذه الجرائم.
وأضاف رئيس هيئة النزاهة السابق:"طلبنا منهم في الاشهر الـخمسة الاخيرة من عمر البرلمان السابق أن يسرعوا بإنجاز مشاريع القوانين، ولكن ذلك لم يحدث، وقال: كما فشلت (جهودنا) في تلك الفترة في جعل القضاء يعتبر أن عدم إفصاح المسؤول عن ذمته القانونية"جريمة"، مبيناً أن"القضاء حكم في قضية امتناع أحد نواب رئيس الوزراء عن كشف ذمته على أنه مخالفة إدارية، ويترك لرئيسه المباشر أمر معاقبته".
كذلك انتقد الياسري إصدار قانون العفو العام، وقال"أحلنا مسؤولين ومحافظين الى القضاء لكن بسبب القانون تم الإفراج عنهم"! وأضاف"هناك 9 سلبيات في القانون الذي تسبّب في إفلات الآلاف من العقوبة وأغلقت ملفاتهم".
وقبل أن يترك الياسري الكلام لمشاركين في الجلسة، قال إن"الحكومة والبرلمان تجاهلا الستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي قدمتُها، وهي تقترح حلولاً نهائية لهذه المشكلة، لمن لم تعرها أي جهة الاهتمام".
من جانبه رأى باسم جميل أنطون، وهو خبير اقتصادي، أن كلام الياسري قد ترك الجميع مُحبطين حيال حل مشكلة الفساد، وأضاف خلال مشاركته في الجلسة إن"الوضع الاقتصادي الحالي هو سبب الفساد، فإذا كان أعلى مرتب في البلد يتقاضاه مسؤول 77 مليون دينار، والأقل 250 ألف دينار، فبالتأكيد الفساد سيكون حاضراً بسبب الفجوة بين الأجور".
واقترح أنطون أن يدخل القضاة والجهاز القضائي في دورات اقتصادية، وقال إن أغلب القضاة لا يملكون ثقافة قانونية كافية. كما تساءل الخبير الاقتصادي عن دور الادعاء العام في ما يجري.
إلى ذلك قال ماجد الصوري، وهو خبير آخر في مجال الاقتصاد، إن"عدم وجود الشفافية في البلاد هو ما يقف وراء الفساد"، وأضاف قائلا:"هناك تعتيم على تفاصيل الموازنة المالية العامة، والحسابات الختامية والرواتب والمخصصات".
وأكد أن بعض المخصصات في دوائر الدولة، كما هو موجود في مفوضية الانتخابات، ترفع مرتب الموظف من 5 ملايين دينار شهريا (راتب اسمي) إلى 25 مليون دينار، ودعا ايضا الى منع الفاسدين في اللجان الاقتصادية من العمل ومراقبة البرلمان المقبل لتطبيق القوانين.
من جانبه دعا عزت أبو التمن، الرئيس السابق لديوان الجمعية الوطنية، الى حماية"المخبر"الذي يتقدم إلى هيئة النزاهة بالمعلومات المتعلقة بالفساد، وقال إن هذا الشخص يتعرض الى التهديد وربما القتل في حال الإبلاغ عن قضايا فساد.
واختلف أبو التمن مع أطروحة الياسري في ما يتعلق بتشكيل جهاز شرطوي وقضائي خاص بالهيئة، لأن هذا، بحسب تعبيره"سيخلق أجهزة أخرى خارج أو داخل الدولة تزيد الأمر سوءاً".
وطالب ماهر الخليلي، وهو أكاديمي متخصص في مجال التجارة، بإعمام تجربة رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد في مكافحة الفساد التي تتلخص في عبارة"الوقت هو الثمن"، وأضاف:"يجب تحديد وقت معين لكل موظف في إنجاز المعاملة وإلا يعتبر فاسداً".
إلى ذلك دعا معتز محيي عبد الحميد، مدير المركز الجمهوري، هيئة النزاهة الى إعطاء صورة مبسطة للإجراءات القانونية التي يجب تفعليها للقضاء على الفساد، وأضاف إن"الشارع لا يفهم المصطلحات القانونية مما يصعّب تعاونه مع الهيئة".
كما دعا الهيئة الى التعاون مع وزارة الداخلية لإنشاء جهاز تنفيذ خاص بها على أن يبقى داخل إطار الوزارة.
بدورها قالت إكرام عبد العزيز، مديرة الدائرة الاقتصادية في الهيئة الوطنية للاستثمار، إن بعض الذين تم التحقيق معهم في هيئة النزاهة"تم إهدار كرامتهم ولم يعتذر لهم أحد على خطأ استقدامهم"، وبيّنت أن ذلك يحدث بسبب ما يسمى بـ"المخبر الذي في بعض الاحيان يقدّم بلاغات كيدية لأسباب شخصية"!
كما أشارت عبد العزيز الى أن الفساد ليس مالياً فقط، وإنما يتجلى أيضا في منح مواقع مهمة لشخصيات غير كفوءة، وهذا نوع آخر من أنواع الفساد.
أما سهام الشجيري، أستاذة الإعلام في جامعة بغداد، فانتقدت الدائرة الإعلامية في هيئة النزاهة لعدم"ترويجها"مشاريع الهيئة في مكافحة الفساد، وقالت انه"لا يجب وضع أشخاص غير متخصصين في هذا المجال لأنه يسيء الى الهيئة".
كذلك أيدت غادة العاملي، المديرة العامة لمؤسسة المدى ما ذهبت إليه الشجيري، وقالت إنّ"حلقة الوصل بين الشارع والمؤسسات الإعلامية والهيئة مقطوعة بسبب عدم نشاط الدائرة الإعلامية في هيئة النزاهة".
وأضافت العاملي إنها قد تصفّحت موقع الهيئة الإلكتروني ووجدت أنّ أغلب المحكومين هم من الموظفين الصغار وبعضهم"ربّات بيوت"، وتساءلت عن مصير الموظفين الكبار والمسؤولين، وتساءلت"هل الهيئة تجامل بعض الجهات"؟
وردّ رئيس الهيئة السابق على الفور قائلاً إنه منذ تسنّمه المنصب طلب تغيير كل الإجراءات التي كانت متّبعة قبل ذلك الوقت، كما رفض أن تكشف أسماء المسؤولين الذين يتمّ التحقيق معهم إلا بعد الحكم عليهم واتخاذ القرار الدرجة القطعية.
وأضاف الياسري إنه خلال السنوات الثلاث الماضية"أحلنا وزراء في الحكومة الحالية والسابقة ومحافظين الى النزاهة، كما أصدرنا لأول مرة قرارات منع سفر لمسؤولين، بينهم مسؤولون في حكومة العبادي".
وبيّن رئيس الهيئة السابق أنه خلال سنوات عمله"حقق مع 48 وزيراً سابقاً وحالياً بينهم نواب لرئيس الوزراء الحالي"(أقيلوا بحزمة إصلاحات 2015)، واستدرك قائلا:"عملية الحكم عليهم ليست من اختصاصي، أنا قمت بالتحقيق معهم وأرسلت ملفاتهم إلى القضاء".
من جهته قال أحمد إبراهيم، عضو قيادة التيار المدني إن الفساد ليس عراقياً حسب وإنما ظاهرة عالمية نشأت بسبب التغيرات الاقتصادية و"عصرنة المجتمعات".
ورفض إبراهيم فرض إجراءات شديدة كعقوبة الإعدام على سرّاق المال العام، واعتبرها ليس حلاً وأشار إلى أن صدام حسين فشل رغم فرضه الإعدام على جرائم بسيطة.
وقال إبراهيم إن"الفساد في العراق محميّ.... اجتماع الثروة والسلطة والاقتصاد الريعي أوجده. هناك من يحمي الفساد وهو خارج المساءلة القانونية". واعتبر عضو التيار المدني أنّ إحالة المسؤولين للقضاء لا تعني مؤشراً لنجاح النزاهة، وانه على الهيئة ألا تتحول الى جهة قضائية وعليها أن تقدم الحلول والستراتيجيات لمكافحة الفساد.
وعلى ضوء المداخلات عاد الياسري وقال إن"أسباب الفساد ليست مالية وإدارية فقط، وإنما هناك جانب مجتمعي". وأضاف إن هيئة النزاهة"ليست مهمتها القضاء على الفساد وإنما مساعدة الحكومة في التخفيف منه".
لكن رغم ذلك أكد الياسري إن الهيئة أخذت تعمل بشكل آخر للسيطرة على الفساد، وفعلت لأول مرة ملفّ"الاسترداد"، وفتحت 400 قضية استراداد لمسؤولين وأموال، لكنه أشار الى أن ضعف البنية القانونية وضعف إجراءات التنفيذ فسحا المجال أمام إفلات بعض الشخصيات.
وكشف الياسري عن أنه ذهب بنفسه الى بعض الدول كبريطانيا ولبنان لإقناعهم بإعادة الأموال والفاسدين، كما قال إن"دولاً أخرى رفضت التعاون بسبب الخلاف مع النظام السياسي العراقي".
واختتم رئيس هيئة النزاهة السابق كلامه بتكرار جملة إنّ"مكافحة الفساد إرادة سياسية، إذا اتفقت الحكومة والبرلمان سينتهي الفساد".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top