انتخاب برهم صالح رئيساً للجمهوريّة..صفقة جديدة تُمرَّر في مجلس النواب بعد أُسبوعين من صفقة رئاسة البرلمان

انتخاب برهم صالح رئيساً للجمهوريّة..صفقة جديدة تُمرَّر في مجلس النواب بعد أُسبوعين من صفقة رئاسة البرلمان

 كتب المحرر السياسي

التاريخ العراقي المعاصر، وليس القديم فقط، هو أيضاً يعيد التاريخ نفسه، في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة. كما يقول ماركس. وبعد أسبوعين من"انتخاب"رئيس مجلس النواب بموجب صفقة لم تكن نظيفة من شبهات الفساد السياسي، وحتى المالي، تكرّر المشهد يوم أمس في عملية"انتخاب"رئيس الجمهورية على وفق صفقة مماثلة في الشكل وفي المضمون.

منذ 2006 حتى الآن، وعلى وفق نظام المحاصصة والتوافق، جُعِلت رئاسة الجمهورية من حصة المكون الكردي في مقابل رئاسة مجلس النواب للمكون السني ورئاسة مجلس الوزراء للمكون الشيعي. وفي كل تلك المرات كان مَنْ يُختار للرئاسات مرشحاً توافقياً أو مرشحاً من الكتلة الأكبر، وهذا ما حصل منذ أسبوعين مع رئيس مجلس النواب ومع رئيس الوزراء الجديد الذي توافقت على ترشيحه الكتل البرلمانية الأكبر، ولكن شذّت عن هذه القاعدة عملية"انتخاب"رئيس الجمهورية أمس، فلم يكن الرئيس"المنتخب"مرشحاً توافقياً بين الأحزاب الكردية ولا هو مرشح الكتلة الكردية الأكبر، إن في البرلمان الاتحادي أو في برلمان إقليم كردستان، إنما كان مرشحاً"تائها"بين حزبه الأصلي (الاتحاد الوطني) الذي انشقّ عنه وحزبه الفرعي الذي لم يحصل سوى على مقعدين في البرلمان الاتحادي، وانقلب عليه ليعود إلى"الأصل"من أجل المنصب الرئاسي، بل إن الاتحاد الوطني نفسه لم يكن موحداً في عملية الترشيح التي زادت من عملية الانقسام التي يتعرض لها الاتحاد الوطني منذ مرض الرئيس الراحل جلال طالباني ثم وفاته. ومن المؤكد أن هذه العملية ستزيد أيضاً من عملية التشظي داخل الحركة الكردية، وستعقّد المشهد الذي تواجهه الإدارة في إقليم كردستان.
من الواضح إن القوى السنية والشيعية التي حصل التفاهم معها لتمرير صفقة رئيس البرلمان وبعدها صفقة رئيس الجمهورية قد نقضت التوافق ونكثت بالعهد، وهذا ما سيترك آثاره البالغة على صعيد العلاقات بين هذه القوى من جهة وأكبر قوة سياسية في الإقليم وحكومة الإقليم من جهة أخرى.
السؤال الآن: هل أدركت أطراف صفقة الأمس، وهي تتجه نحو هذا الخلل في العلاقات الوطنية، المخاطر المحتملة على العراق وإقليم كرستان وعلى العملية السياسية فيهما من جراء هذه الصفقة - اللعبة؟.. فالواضح أن ثمة من فاز بمنصب الرئاسة استناداً إلى أساس هشّ، فيما يكون العراق قد خسر اللحمة الوطنية التي كان يتعيّن السعي لشدّ أواصرها في مرحلة ما بعد القضاء على داعش بتضحيات بشرية وخسائر مادية جسيمة يحتاج العراق الى التعويض عنها بوحدة وطنية رصينة وراسخة.
وكان مجلس النواب قد عقد أمس جلسته المؤجلة منذ أول من أمس لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وفاز مرشح حزب الاتحاد الوطني برهم صالح برئاسة الحكومة.
وحصل صالح على أصوات أعلى من منافسه مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني فؤاد حسين في الجولة الأولى من عملية الاقتراع التي جرت في مجلس النواب.
ورغم فوز صالح في الجولة الأولى، إلا أنه لم يحصل على أغلبية الثلثين المطلوبة وفقاً للدستور، ليتم إجراء جولة ثانية فاز بها صالح أيضا ليصبح بذلك رئيساً للعراق.
وقبل إجراء الجولة الثانية أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني انسحاب مرشحه من سباق التنافس على منصب رئيس الجمهورية، إلا أن رئاسة البرلمان رفضت ذلك واستمرت في إجراءات انتخاب الرئيس.
وأصدر رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني بياناً قال فيه إن"الآلية التي اتبعت ليست مقبولة على الإطلاق، وسيكون لنا موقف قريبا".
واعتبر بارزاني أن ما جرى مخالف للأعراف المتبعة في انتخاب رئيس الجمهورية في الدورات السابقة، فكان ينبغي أن يتم اختيار مرشح كردي من أكبر كتلة أو أن تحسم الكتل الكردية الأمر.
وقال صالح بعد أدائه اليمين الدستورية، إنه سيكون رئيساً للعراق وليس لفئة أو جهة معينة.
وأضاف رئيس الجمهورية، إن"مجلس النواب عبّر بشكل واضح من خلال انتخاب رئيس الجمهورية عن إرادة أعضائه الحرة والإيفاء بالقسم من أجل تحقيق تطلعات الشعب العراقي وتوفير احتياجاته".
بدوره قال النائب السابق عن كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني ريناس جانو لـ(المدى) إن"انتخاب رئيس الجمهورية كان مخالفاً للأعراف الكردية التي تحدد مرشح رئاسة الجمهورية إما بالتوافق داخل البيت الكردي أو بالانتخابات".
ويضيف إن"ما حدث هو خارج حدود هذه الأعراف والاتفاقات التي جرت بين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني"، كاشفاً عن"وجود اتفاق جرى بين الحزبين الرئيسين قبل موعد عقد الجلسة ينص على سحب ترشيح برهم صالح مقابل حصول الاتحاد الوطني على بعض المواقع والمناصب". واستدرك جانو:"تفاجأنا بانسحاب الاتحاد الوطني الكردستاني من هذا الاتفاق من دون معرفة الأسباب".
بالمقابل، يعترف الاتحاد الوطني الكردستاني بحصوله على عروض من الحزب الديمقراطي الكردستاني لاختيار مرشح توافقي لرئاسة الجمهورية.
ويقول النائب السابق عبد العزيز حسن حسين في تصريح لـ (المدى) إن"الكتل البرلمانية المختلفة دأبت على كسر نصاب الجلسة لأكثر من مرة لإعطاء فرصة كاملة للحزبين الكرديين الرئيسين للاتفاق على مرشح توافقي لمنصب رئاسة الجمهورية".
ويتحدث النائب السابق عن العروض التي قدمها الحزب الديمقراطي إلى الاتحاد مقابل سحب مرشحه لرئاسة الجمهورية قائلا إن"الديمقراطي الكردستاني منح جميع الوزارات التي من حصة الكرد الى الاتحاد الوطني الكردستاني مقابل حصوله على منصب رئاسة الجمهورية"، موضحاً أن المناصب هي "وزارة المالية والنائب الثاني لرئيس البرلمان وبعض المواقع الأخرى".
ويقول النائب السابق عن حزب الاتحاد:"إن الحزب الديمقراطي يسعى من خلال حصوله على رئاسة الجمهورية إرسال رسالة إلى الأمريكان وإيران وبغداد بأن أربيل هي مصدر القرار وهي تريد تعزيز وحدة العراق".
إلى ذلك يقول مسؤول الفرع الخامس للحزب الديمقراطي الكردستاني شوان محمد طه إن"الملاحظات على ترشيح برهم صالح تصب في كونه جزءاً من المشكلة داخل الاتحاد الوطني التي قد تتحول أو تنعكس على الصف الكردي والعراقي".
ويضيف، إن"أي اتفاق ستراتيجي لم يبقِ بين الحزبين مع انتهاء دورة رئاسة إقليم كردستان"، موضحاً أن"قادة الاتحاد الوطني الكردستاني صرحوا في وقت سابق بانتهاء التحالف الستراتيجي بعد أحداث كركوك".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top