كلاكيت: رسولوف من جزيرة الحديد إلى السهول البيضاء

علاء المفرجي 2018/10/24 07:45:28 م

كلاكيت: رسولوف من جزيرة الحديد إلى السهول البيضاء

 علاء المفرجي

مخرج إيراني آخر واجه اتهامات قد عرضته للسجن وكان آخرها نهاية العام الماضي عندما عرض فيلمه «رجل نزيه» في مهرجان كان.
وفاز بجائزة فئة «نظرة ما» الذي يروي قصة رجل يعيش حياة بسيطة ويحاول محاربة الفساد في شركة خاصة تدفع سكان بلدة الى بيع ممتلكاتهم. وكان رسولوف فاز عام 2011 بجائزة فئة «نظرة ما» أيضاً عن فيلمه «الى اللقاء». ومنحت الجائزة في غيابه بعدما منع من مغادرة إيران.
وأي من أفلام رسولوف لم يعرض في إيران لأسباب قد يكون في الحديث عن فيلمه الأخير ما يشير إليها. ورسولوف الذي انتقد المجتمع والسلطة بشكل واضح في فيلمه هذا، قد اعتُقل في 2010 بتهمة التصوير دون ترخيص، ثم تعرّض للمحاكمة، وفي 2017 أثناء عودته إلى إيران تمت مصادرة جواز سفره ومُنع من الخروج، وهو ما صار مع مخرجين آخرين كأصغر فرهادي وجعفر بناهي.
ولعل (السهول البيضاء) عام 2009 يعد من أكثر أفلامه اهمية، وهو في السهول البيضاء يتمثل مقولة أحد عباقرة السينما المخرج ورسن ويلز القائلة: لا يكون الفيلم جيداً إلا حين تكون الكاميرا عينا في رأس الشاعر".. فهو يقدم بامتياز قصيدة بصرية أخّاذة.. يتماهى من خلالها المشاهد مع غرابة الموضوع وتفرده.. وأيضاً مع التكوينات البصرية للمشاهد المصنوعة بحس فني عالٍ .. لا يفسد تعاقبها السريع على وفق ما يستدعيه إيقاع الفيلم، متعة التأمل التي تمنحها بالعادة اللوحة الفنية.. فضلاً عن حشد المجازات التي يزخر بها الفيلم والتي منحته جزءاً كبيراً من نجاحه.يستهل المخرج فيلمه بلقطة مقربة ليد تضع قارورة ولوازم أخرى في حقيبة صغيرة ثم يندفع بقارب باتجاه البحر لينفتح المشهد على جزيرة بيضاء ورجال ونساء متشحين بالسواد)اللونان الغالبان في الفيلم(.. بحيرة ورومية المالحة، وجزرها الصغيرة التي يغطيها الملح، هي مقصد) رحمة(يؤدي دوره الممثل حسن شيرازي في رحلته اليوليسيسية، لجمع الدموع في قارورته الصغيرة ... كاشفا عن أساطير وطقوس كابوسية تزخر بها الجزر التي تشملها رحلته، توحي وكأنها موضوعة الفيلم، لولا حيرة المشاهد من أمر مهمة(رحمة) في جمع الدموع .. والتي مثل صورة صادمة في قصيدة... تفاجئنا النتيجة في المشهد الأخير من فيلمه.ومنذ محطته الأولى في إحدى الجزر، حيث جثة امرأة مغطاة بالملح وفرصة النهل من دموع من يحيطون بها.. يبرز سؤال الدمع .. الفضول في كشف وجه الجثة التي يصطحبها في قاربه المتهرئ، ليفاجأ بوجه صبي يلجأ لمكيدة استبدال الجثة ليستقل القارب بحثاً عن مصير والده، ومن ثم رغبته في كشف سر هذه الدموع التي يحملها رحمة قارورته .. وبين الرحلة في جزر هذه البحيرة والأساطير والخرافات التي تمارس بها، نرحل مع عالم مليء بالأسرار الحكايا.. حكايا ثيمتها الدموع.. دموع فنان يرى إن البحر أبيض اللون لا أزرق فيعاقب بدفنه في الملح حتى رأسه.. ودموع فتاة جميلة تزف إلى البحر في طقس تغلفه الحيرة.. ودموع من يحمل أماني وآهات ونذوراً معه، إلى بئر عميقة لا يعرف قرارها .. ونحيب شيخ شبه عار يعيش ويقرأ الشعر على قمة صخرة صماء وسط لبحيرة .. وقبور للمارقين شواهدها قطع خشبية طافية على وجه الماء.إسقاطات واضحة ورموز، بمساحة قراءة واسعة يضمنها رسولوف في فيلمه هذا، مراهناً على وعي مشاهد ربما لا يجد صعوبة في فك طلاسمها.في المشهد لأخير من الفيلم يتصالح المخرج مع متابع موضوعة فيلمه.. مشهد تعمد رسولوف أن يكون مختلفا في أجوائه، حيث تطغى فيه الألوان هذه المرة، لكنها ألوان باهتة لا توحي بالخلاص فقط بقدر كشفها عن سر الدموع، حيث يفتح قارورته التي عبّأها بدموع(ضحاياه) الحزانى واليائسين والباحثين عن الخلاص ليسكبها على قدمي شيخ مقعد .. وليفجر بها من جديد أسئلة من نوع آخر، أسئلة تتعلق بمصائر البشر، وحدود صرخاتهم، ودموعهم التي يمكنها أن تكون بحيرة مالحة أخرى من المآسي.. ولكن عند قدمي شيخ هرم..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top