نافذة من موسكو..آفاق العلاقات الروسية ـ العراقية بعد هزيمة داعش

آراء وأفكار 2019/01/07 07:54:49 م

نافذة من موسكو..آفاق العلاقات الروسية ـ العراقية بعد هزيمة داعش

د. فالح الحمـراني     

على خلفية أنباء ترددت عن أن وزير الخارجية العراقي محمد علي الحكيم سيزور موسكو في نهاية الشهر الحالي، نشر "مجلس الشؤون الخارجية الروسي"، وهو مركز قدير للأبحاث السياسية، يهتم بعلاقات موسكو بالدول الأجنبية وسياستها الخارجية، ملفاً خاصاً بالعلاقات الروسية ـ العراقية طبيعتها وآفاقها بعد القضاء على داعش. والدراسة من إعداد الباحث السياسي روسلان ميميدوف منسق البرامج في المجلس، والمهتم بسياسة العراق الداخلية والخارجية. وشملت الدراسة على مقدمة وثلاثة أبواب :موسكو وبغداد: البراغماتية في قلب العلاقات، واستفتاء عام 2017 في كردستان العراق، وموقف موسكو منه، والعراق عشية انتخابات 2018وبعدها، إضافة إلى الاستنتاجات والتوصيات. ونعرض ما يلي أهم الجوانب في الدراسة التي تعكس رؤية روسيا في طبيعة العلاقات بالعراق:
إن مصالح روسيا بالشرق الأوسط وتعزيز موقف موسكو في المنطقة لا يجب أن يُحصر فقط في التسوية السورية. فخلال السنوات القليلة الماضية، كانت روسيا تبني باستمرار شراكات مع أكثر القوى تنوعاً في الشرق الأوسط. وإحدى تلك الدول التي ترحب بها موسكو وتسعى إلى تطوير اتصالات معها هي العراق. وترتبط موسكو وبغداد بأواصر تعاون تقليدية، وتاريخ طويل من العلاقات القائمة على أساس قانوني متين، حيث يرتبط البلدان بمعاهدة الصداقة والتعاون بين اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية والجمهورية العراقية (وقعت في بغداد في 9 أبريل 1972). وساعد الاتحاد السوفيتي العراق في التصنيع، وكان أكبر مورد للأسلحة. واليوم يجري استعادة هذه العلاقات تدريجياً على مختلف المستويات. وانعكست نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2018 في العراق على آفاق التعاون الروسي العراقي. وللوهلة الأولى، فإن ائتلاف سائرون ، الذي فاز بـ 54 مقعداً في الانتخابات البرلمانية، ليس لديه اتصالات مع روسيا. وعلى الرغم من حقيقة أن العلاقة محدودة نسبياً مع قيادته، فليس هناك ما يعرقل الأطراف في تعميقها وتوسعها. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية تكمن في الاتفاق العراقي الداخلي على تشكيل الحكومة، والذي قد يواجه فيه تكتل "سائرون" بعض الصعوبات. إن التصريحات البراغماتية لزعيم الائتلاف، السيد مقتدى الصدر، حول الحاجة للعمل مع اللاعبين السياسيين الداخليين الآخرين، تشير إلى أنه قد يلتزم في السياسة الخارجية بنفس النهج. ثم هناك إمكانية ليس فقط للحفاظ على المستوى الحالي، للعلاقات بين موسكو وبغداد، ولكن أيضا لتطورها.
ويتجلى التعاون بين موسكو وبغداد بالدرجة الإولى في المجالين العسكري/ الفني وفي مجال الطاقة. وبالإضافة إلى المساعدات الحيوية في مجال التسلح التي قدمتها روسيا للعراق بوتائر سريعة، خلال الحرب مع تشكيلات داعش، وساعدت على القضاء عليها، تقوم شركات النفط والغاز الروسية في تطوير حقول النفط والغاز واستثمارها. إن العراق بالنسبة لروسيا هام من زاوية العلاقات التجارية/ الاقتصادي، وكذلك في سياق تنفيذ سياستها الإقليمية. وفي الوقت نفسه تتحرك موسكو باطار قدراتها المحدودة في العراق. فان اللاعبين الرئيسون الذين لهم تأثير ونفوذ مباشر في البلاد هم : ايران والولايات المتحدة. وكذلك الصين التي تعد شريك العراق الاقتصادي الرئيسي والتي تفضل تقليص تدخلها في العملية السياسية الداخلية، فضلا عن المملكة العربية السعودية التي خطت في السنوات الأخيرة خطوات كثيرة نحو تعزيز مواقعها في العراق.
وتستمر موسكو في كونها شريكًاً ملائماً ونافعاً لبغداد، والتي يمكن أن تكون بمثابة بديل إضافي للعراق في علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران. فالعراق لا يسعى إلى العودة فقط إلى السياسة الإقليمية، بل يجذب أيضًا اهتمام اللاعبين المهتمين بالمنفعة المتبادلة لبعضهم البعض. إن موسكو هي واحد من هذه الجهات الفاعلة. إن بناء الاتصالات بين السياسيين الروس والعراقيين لا يسمح فقط بتبادل وجهات النظر، ولكنه يمهد الطريق أيضا لمزيد من التقدم الجاد في العلاقات الثنائية. وتجدر الإشارة إلى أنها كانت دائما متعددة الأطراف في مختلف المجالات، والرئيسية في هي مجالات الطاقة والمجال العسكري/ الفني. إن إيران تدعم مثل هذا التعاون، ولا تعارض الولايات المتحدة علانية أيضا مثل هذا التعاون بين موسكو وبغداد.
وتقوم موسكو وبغداد بتنسيق تحركاتهما في قضايا المشاكل الإقليمية ومحاربة الإرهاب. وتم التوصل في 25 أيلول /سبتمبر عام 2015، إلى اتفاق رباعي الأطراف بشأن تبادل المعلومات بين روسيا والعراق وإيران وسوريا، وتمّ إنشاء مركز المعلومات في بغداد ( "مركز تبادل المعلومات لأربعة أحزاب"). ولا يمكن توجيه هذا التنسيق ضد أي طرف ثالث. ويجري إنجاز مهام محددة للغاية لتنسيق سير العمليات القتالية ضد داعش، وتحديد هوية الإرهابيين، والبحث عن الأطفال الذين تمّ إخراجهم من روسيا من قبل ذويهم الذين انضموا إلى تنظيم داعش، إلخ. إن لمثل هذا العمل تأثير إيجابي على مكافحة الإرهاب ويتم تنفيذه لمصالح موسكو وبغداد وايران ودمشق. وعلى خلفية هزيمة داعش يمكن أن يجري تطوير وظيفة المركز، بما في ذلك على أساس ثنائي.
إن دلائل العلاقات الروسية العراقية المشار إليها، بما في ذلك نتائج الانتخابات العراقية وانتصار ائتلاف سائرون الذي يقوده السيد مقتدى الصدر، تدلل على أن أية تغييرات جوهرية لن تطرأ على العلاقات الروسية العراقية. وستواصل موسكو سياستها في التفاعل المنهجي مع جميع القوى السياسية المؤثرة في العراق، والأهم من ذلك، مع مؤسسات الدولة. وسيسعى كلا البلدين لمواصلة بناء العلاقات على أساس المنفعة المتبادلة في مختلف المجالات.
وفي هذا الصدد ، يمكن تحديد عدد من المجالات والمجالات الواعدة لمزيد من التفاعل بين روسيا والعراق. يحتفظ التفاعل الاقتصادي بين روسيا والعراق بإمكانيات عالية ليس فقط في مجال التعاون العسكري والفني والطاقة. وستعود مناقشة تسوية وضع بعض الشركات الروسية في العراق بشكل كبير إلى تشكيل حكومة جديدة في بغداد. ويجب أن تولي موسكو الاهتمام بالشركاء العراقيين. ربما يجب على موسكو وبغداد العمل على مسألة الاستثمار الروسي المباشر، الأمر الذي يمكن أن يسهم في زيادة التجارة. ويمكن لروسيا أن تقدم دعماً جاداً لاستعادة وتطوير السكك الحديدية في العراق ، وفي بناء منشآت الطاقة الكهربائية. إن كل هذه الحالات تتطلب خلق الظروف المناسبة للعمل، وإن استئناف الرحلات المباشرة التي حدثت بين موسكو وبغداد ليست سوى واحدة من أولى الخطوات. ينبغي على الجانب الروسي النظر في إمكانية دعم الشركات المتوسطة الحجم عن طريق إنشاء فروع للبنوك الروسية أو العراقية/ الروسية في مدن مختلفة من دول الشرق الأوسط.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top