باليت المدى: سيجارة جياكوميتي وأناقة تشادويك

ستار كاووش 2019/01/12 07:19:04 م

باليت المدى: سيجارة جياكوميتي وأناقة تشادويك

 ستار كاووش

سعادة كبيرة شعرت بها هذا الأسبوع، وأنا أتجول في معرض ضَمَّ أعمال أثنين من أعظم نحاتي القرن العشرين هما جياكوميتي وتشادويك، الذان إجترحا معجزات فنية مازالت مثيرة ومؤثرة وحاضرة. حيث شغلت أعمالهما أربعة طوابق من متحف فنداتسيا في مدينة زفولا وسط هولندا، وصاحب ذلك عرض فيلمين عن النحاتَين، كل في مشغله يعيد ترتيب وتركيب المواد الخام بيديه وتحويلها الى أعمال فنية غيَّرَت فن النحت واعطته مساراً جديداً. يظهر جياكوميتي في مشغله الذي تحول كل شيء فيه الى لون التراب وهو يداعب قطع الطين بأصابعه ليصنع تماثيلاً في غاية الغرابة والنحافة والغموض، تماثيل تشبه الفنان كثيراً، تستطيل نحو الأعلى بشكل غريب وهي تتماهى مع دخان سيجارته الذي تداخل مع اللون الكابي للطين. وفي المقابل إنشغل تشادويك بلحم قطع الحديد وهو يضع على وجهه القناع الواقي. تجولت في المعرض ليداهمني تمثال (الكلب) الشهير الذي ذكرني بمقولة جياكوميتي (كنت ذات يوم أتسكع في باريس، وفجأة داهمني المطر، فعدتُ بسرعة الى مشغلي مبللاً مطأطأ الرأس ومحني الظهر، في تلك اللحظة وأنا أسير وحيداً، رأيت نفسي مثل كلب يتسكع تحت المطر).
في إحدى زوايا المعرض عرضت تماثيل صغيرة جداً لجياكوميتي، بدت متناهية في الصغر، لكنها مؤثرة ولها حضور يقترب من السحر، وهنا تأكدت من رؤيته في انجاز أعماله والتوحّد معها، هو الذي كان يرى أن التماثيل الكبيرة تفقد الكثير من أهميتها مقارنة بالتماثيل الصغيرة، وهكذا كانت الكثير من التماثيل تصغر بين يديه حتى تتلاشى ملامحها وتذوب بين يديه ودخان سيجارته.
ضمَّ المعرض أعمالاً من مختلف مراحل تشادويك ابتداءً من منحوتاته التي تأثر فيها بأعمال الكساندر كالدر وحتى تماثيله التي بدت وكأنها شخصيات جاءت من كوكب غريب. بـدأ تشادويك حياته كمهندس ومصمم أثاث، ثم مارس الرسم، لتحدث بعدها الانتقالة الكبيرة في حياته حين إتجه بعد الحرب العالمية الثانية نحو النحت الذي تفرغ له بشكل كامل. إشترك تشادويك في مسابقة السجين السياسي سنة 1952 وخرج منها بنتيجة جيدة نوعاً ما بعد ان كان اسمه ضمن القائمة النهائية القصيرة للجائزة، علماً إن نحاتنا جواد سليم كان قد إشترك في ذات المسابقة وقتها وتفوق على تشادويك والكثير من العمالقة بحصوله على الجائزة الثانية، ومصغر عمل جواد مازال ضمن مقتنيات الأمم المتحدة.
في بداية الخمسينيات لاقت أعمال تشادويك الكثير من الأهتمام البريطاني والعالمي. ومثَّلَ بريطانيا في بينالي فينيسيا صحبة النحات هنري مور وأرميتاج ووليام تيرنبول (والأخير كان زميل جواد سليم في أكاديمية لندن). بعدها فاز تشادويك سنة 1956 بجائزة فينيسيا إثر منافسة كبيرة مع جياكوميتي ذاته. وبعد العديد من الجوائز والحضور الطاغي تراجعت شهرة تشادويك بعد ظهور بعض التيارات الحديثة مثل البوب آرت والفن التقليلي والكونسبت آرت. تتشكل شخصيات تشادويك في الغالب من أشكال هندسية حادة، بسيقان نحيفة ومدببة من الأسفل، وزوايا متقاطعة شَكَّلَها من قطع الحديد التي إقتطعها بعناية ليلحمها مع بعضها بأشكال تُظهر ولعهُ القديم بتصميم البنايات والأثاث. ورغم إقتراب أعماله من التجريد فبإمكاننا تبين الفروقات بين شخصياته، حيث جعل رأس المرأة بهيئة مثلث بينما رأس الرجل بهيئة مربع، ليؤكد استعاراته الهندسية في كل تفاصيل اعماله.
في هذا المعرض، نشعر أن أعمال جياكوميتي تسحبنا معها وتكاد تلتصق بنا من شدة طراوتها، بينما أعمال تشادويك تتحفز للحركة وربما تتوثب للقفز، وهي رغم أناقتها يعلوها بعض الغرور والتعالي، وكأنها في حفلة تنكرية، بينما تبدو أعمال جياكوميتي خجولة وهي تسير عارية إلا من مادة البرونز، كما في تمثاله (رجل يسير) حيث تختفي ملامحه وهو يحاول جاهداً أن يغيب بين الناس أو مع الأفق. لأول وهلة تبدو الأعمال تتقاطع مع بعضها، لكنها تتكامل بشكل غريب، حيث تتحاور بلغة غريبة واشارات مبهمة، وهي تدون حضور المواهب العظيمة والابداع الذي ليس له حدود.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top