أليس ووكر في رواية  اللون الأرجواني

أليس ووكر في رواية اللون الأرجواني

 مصطفى ديب

أوّل ما سوف يَشغلُ بال قارئ رواية "اللون أرجواني" (دار المدى، ترجمة سيزار كبيبو، 2018)، للروائية الأمريكية آليس ووكر؛ هو البحث عن تفسيرٍ لأن تختار استهلال عملها الروائي هذا بحدثٍ يصدم القارئ، ويأتي عكس ما توقّع منها أن تكون، ذلك أنّ العنوان لا يوحي إطلاقًا بأن تحمل هذا الكم من العنف والقذارة في مشهدٍ واحد فقط: رجل يجرّ زوجته بلؤمٍ ليُمارس معها الجنس، بينما تمانع هي متعذّرةً بأنّها ليست على ما يرام. يُغادر الزوج الذي يُدعى ألفونسو ويعود بعد أسبوعٍ واحد فقط مُعيداً الكرّة من جديد، وسط استمرار زوجته برفض الأمر كون وضعها الصحيّ لا يسمح لها بفعل ذلك. ألفونسو يستغلّ سفرها لزيارة طبيبها ويقوم، في مشهدٍ قذر، بممارسة الجنس مع ابنتهما، أو اغتصابها بصورة أدق. فعل ذلك مرّات كثيرة، أثمرت عن حمل الفتاة، سيلي، مرّتين، أنجبت في الأولى فتاة، وفي المرّة الثانية صبياً، تخلّص منه ألفونسو كما تخلّص من الفتاة، أو هكذا أوهم سيلي آنذاك.
مشهد كهذا يُظهر أوّلًا عنفاً متجذّراً داخل ألفونسو، ويعكس بطبيعة الحال واقع المجتمع المصوّر في العمل. ويُحدِّد ثانياَ للقارئ صورة المجتمع الذي سيقف إزاءه؛ مجتمع يحفلُ بالانكسارات، دون أن يبدو الأمر مقتصراً على الفقراء أو الضعفاء فقط، وإنّما جلّ من يعيش في هذا المجتمع. الانكسار، أو الخراب، وغيره في عمل آليس ووكر هذا، هو ما يبني صورة وصوت الشخصيات، ومواقفها من مُحيطها، وعلاقتها بكل من المكان والبشر، لا سيما أولئك القادمين من خارج بيئتهم أو مجتمعهم هذا.
تتأسّس شخصيات العمل إذًا بناءً على ما سبق، وتعود هي بدورِها لتبني شخصياتٍ أخرى منكسرة أيضاً. هكذا، يرث الأبناء انكسارات وخراب آبائهم، ويورّثونها بالضرورة لأبنائهم. ينطبق الأمر على الأصدقاء أيضاً، الذين يتبادلون انكسارات بعضهم بعضاً، دون أن يفقدوا الأمل بحدوث ما يُغيّر من الواقع القائم، وإن كان ذلك سوف يحدث بعد أن تفقد كلّ شخصيات العمل لا القدرة على الانتظار فقط، بل وعلى الدهشة، أو إبداء أي ردّ فعلٍ على أيّ حدثٍ كان. لذلك، نجد إحدى شخصيات الرواية تتعامل مع عودتها إلى منزلها لعدّة دقائق فقط بعد طويل من الغياب القسري، بأدنى درجات الاهتمام، وبأقصى ما يُمكن من اللامبالاة وعدم الاكتراث، كأن ما يحدث يعني أحداً آخر، تماماً كما سبق وأن فعلت عند خروجها من السجن بعد عدّة سنوات من الاعتقال بتهمة ازدراء زوجة العمدة والاعتداء عليها في الشارع.
اللامبالاة، أو ترك الأمور تسير إلى حيث من المفترض لها أن تصل وتتوقّف، تيمة تتّسم بها جلّ شخصيات العمل هذا، والتي جاءت كثيرة، مختلفة، متناقضة، ولكلٍّ منها خرابها الخاص كما نعرف عبر سرد سيلي، في رسائل تُخاطب بها الله، تفاصيل ويوميّات صغيرة وقاسية تجمعها معها. إلقاء آليس ووكر بمهمة السرد على عاتق سيلي، ومن خلال لغةٍ شاعرية، جاء لكون شخصية الأخيرة الأكثر معرفةً بالكيفية التي من الممكن عبرها سرد آلام الآخرين، ذلك أنّ آلامهم جميعهاً لا يُعادل جزءاً صغيراً من آلامها هي، تلك التي بدأت باغتصابها في صغرها، وإنجابها طفلين لا تعرف ما حلّ بهما، وزواجها من رجلٍ أوسعها ضرباً، ونمط الحياة الذي مضت سنوات حياتها وفقًا لهُ، تعمل وتفتح ساقيها لزوجها للحظات فقط.
في لحظاتٍ كهذه تقتلُ المرء من الداخل عدّة مرّات، تكون فيها سيلي أكثر اقتناعًا بدونيّتها من أي وقتٍ آخر؛ تتأمّل عيوبها بألمٍ وبؤس، السخام الذي يغطّي أجزاءً كبيرة من الجسد المتّسخ، ملابسها الرثّة التي لم تُصنع في الأساس لها، وإنّما لنساء أخريات يتخلّين عنها حين تهترأ.
تتأمّل أيضاً صورتها كاملةً كامرأة تكوّنت على يد الآخرين، بقصدٍ أو دون قصد، دون أن تستطيع الانقلاب على تلك الصورة، أو الالتفاف عليها فقط: والدها الذي قُتل على يد البيض، وأورثها بذلك جزءاً يسيراً من الانكسارات والخراب الذي سيظلّ ملازمًا لها لوقتٍ طويل. والدتها حين قبلت أن تتزوّج رجلًا آخر، وحين أخفت عنها حقيقة أنّه ليس والدها. زوج أمّها حين مارس الجنس معها لأوّل مرّة زرع فيها عدداً هائلًا من الندوب التي لا تتوقّع لها سيلي أن تزول. زواجها برجلٍ اتّخذ منها خادمةً لهُ ولأولاده الذين لا يُحتملون. وأخيراً شوغ، بجمالها الذي تراه سيلي كاملًا، دون أن يكون هناك من منافسٍ لها، كما كانت تتوقّع. أحداث وعوامل وظروف خاصّة اختارت ووكر أن تنشأ فيها سيلي لغايات عدّة تتكشّف شيئًا فشيئًا مع تقدّم السرد.
كاتب وقاص من سوريا

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top