عالم موصلي ساعد داعش في صناعة أسلحة كيمياويّة: هدف التنظيم إخافة القوات العراقيّة

عالم موصلي ساعد داعش في صناعة أسلحة كيمياويّة: هدف التنظيم إخافة القوات العراقيّة

 ترجمة/ حامد أحمد

خلال الأسابيع التي تلت سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش جلس العالم العراقي سليمان العفاري، في دائرته الحكومية المهجورة بانتظار اليوم الذي يأتي إليه الإرهابيون .
مسلّحو التنظيم الذين سيطروا على الموصل في حزيران عام 2014 كانوا يتنقلون عبر كل دائرة حكومية يجمعون الموظفين والإداريين الذين لم يغادروا المدينة بعد، ويجبرونهم على استئناف أعمالهم.
وعندما جاء دوره كان العفاري (49 عاما) في حينها يعمل جيولوجياً في وزارة الصناعة والمعادن وتوقع أن مسؤوليه الجدد سيدعونه ببساطة الى الاستمرار بوظيفته. وما أثار دهشته أنهم عرضوا عليه وظيفة جديدة. حيث قال له وكلاء داعش: "ساعدنا بصناعة أسلحة كيمياوية."
العفاري لا يمتلك تلك المعلومات عن الموضوع ولكنه قبل بالعرض. وهكذا بدأ بوظيفته التي قُيّد بها على مدى 15 شهراً مشرفاً على صناعة أسلحة سامة مميته لصالح أكثر مجاميع الإرهاب وحشية في العالم .
وقال العفاري في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست الذي التقته في أحد سجون أربيل: "هل أنا نادم؟ لا أعرف فيما أذا أود استخدام هذه العبارة".
وكان العفاري، وهو محكوم بالإعدام، قد تم إلقاء القبض عليه في العام 2016 من قبل جنود أميركان وكرد من مديرية مكافحة الإرهاب خلال عملية استخبارية. وهو يعتبر من القلائل الذين ألقي القبض عليهم أحياء من المعروفين بمساعدتهم للتنظيم في برنامجهم للاسلحة الكيمياوية. ومضى العفاري قائلا "حينها أصبحوا بمقام الحكومة واستأنفنا العمل لهم. كنا نريد الاستمرار بالعمل لكي نحصل على رواتبنا." ووصف بتفصيل واقعي محاولات التنظيم الناجحة لصناعة غاز الخردل كجزء من طموح لديهم ضمن برنامج لاستحداث أسلحة كيمياوية مبتكرة مع وسائل إطلاقها لحماية المناطق التي سيطروا عليها وترويع أعدائهم.
مسؤولون أميركان وكرد من الذين شاركوا في مهام عمليات تدمير مصانع أسلحة التنظيم وقتل أو إلقاء القبض على قادته الكبار أكدوا روايته مع تقديمهم لتفاصيل أخرى.
ويبدو أن خطوات التقدم في برنامج الأسلحة الكيمياوية لديهم قد توقفت في أوائل عام 2016 بعد أن شن الاميركان والقادة العراقيون حملة عسكرية واسعة لتدمير منشآت الإنتاج وقتل أو إ+لقاء القبض على المشرفين عليها. رغم ذلك فإن التهديد لم يُزل كلياً بعد.
ويقول مسؤولون عراقيون إن قادة تنظيم داعش ربما يكونون قد نقلوا المواد الكيمياوية في العام 2016 من العراق الى سوريا، وقسم منها ربما تكون قد دُفنت أو تم إخفاؤها .
علاوة على ذلك فإن مسؤولين وخبراء إرهاب غربيين يقولون بانه لا يوجد شك في أن الخبرة والمهارات المكتسبة من العفاري ومسلحين آخرين من البرنامج ما تزال موجودة ، من خلال حفظها في ملفات كومبيوتر وشرائح ذاكرة فلاش، أو أنها ما تزال راسخة في أذهان المشاركين الذين ما يزالون على قيد الحياة من الذين هربوا بعد سقوط وانهيار خلافة التنظيم المزعومة . بعد دخول مسلحي داعش للموصل عام 2014 وانهيار الجيش أمامهم بقي العفاري في بيته ولم يغادر الموصل مستمعاً الى الأخبار والتقارير وأصوات القتال. وبعد هدوء الوضع وخروج أهالي الموصل الى الشوارع شاهد رايات التنظيم السوداء مرفوعة في الساحة الرئيسة للمدينة وإرهابيي التنظيم يديرون مراكز الشرطة والدوائر الحكومية فيها .
في بادئ الأمر بقي أغلب موظفي الحكومة في بيوتهم واستمرت رواتبهم تأتي اليهم بشكل دوري على أرقام حسابهم المصرفي، لكن بعد ان توقفت رواتب الكثير من الموظفين بقوا في حيرة بين خيار العمل مع مؤسسات التنظيم الجديدة او الامتناع من الذهاب. بالنسبة للعفاري فانه قرر الرجوع الى دائرته ومواصلة عمله في مكتبه قبل أن يأتي شخص آخر يأخذ مكانه.
وقال العفاري في المقابلة التي استمرت 45 دقيقة عند غرفة استقبال مديرية مكافحة الإرهاب في أربيل "لم يجبروا أي أحد، كنت أخشى أن أفقد وظيفتي. من الصعب الحصول على وظائف حكومية وكان من الضروري بالنسبة لي أن أتشبث بها ." كان العفاري مسؤولاً عن قسم تجهيز المعدات المعدنية في الوزارة وهو قسم له أهمية خاصة بالنسبة للإرهابيين. خلال المقابلة وصف العفاري كيف ان مسؤولي تنظيم داعش زاروا مكتبه بعد أسابيع قليلة من احتلالهم للمدينة وعرضوا عليه مهمة أخرى جديدة وقائمة من معدات معدنية خاصة يتوجب عليه جلبها وتركيبها. من بين الاشياء التي تضمنتها القائمة حاويات حديد مضادة للصدأ، وما سورات مياه وصمامات وأنابيب ،على أن تكون جميعها مصممة لتقاوم عوامل المواد الكيمياوية ودرجات الحرارة العالية. وقال العفاري إنه وفريقاً آخر من خبراء وكيمياويين وبايولوجيين مع فني واحد على الاقل كانوا يعملون ضمن التصنيع العسكري تمت تكليفهم بتصنيع مادة خردل الكبريت، وهو عامل كيمياوي حربي قوي يعرف باسم غاز الخردل يعرّض من يستنشقه للموت عبر إحداث تلف برئة الضحية وجهازه التنفسي . وأقر العفاري خلال المقابلة أن دوره كان يتمثل بتهيئة وتجهيز سلسلة من كميات غاز الخردل من خلال نصب وتركيب عدد من المختبرات والورش الصغيرة تمتد من جامعة الموصل إلى ضواحي المدينة.
وخلال محادثاته مع المشرفين عليه من مسلحي التنظيم أصبح مقتنعا بأن الغرض من استخدام هذه المواد السمية هي لبثّ الرعب بين القوات العراقية وردعهم عن محاولاتهم لاسترجاع الاراضي التي استولت عليها الخلافة .
وقال العفاري "كان من المهم بالنسبة لتنظيم داعش أن يصنعوا شيئاً لإخافة المقابل، كان الغرض من هذا السلاح هو بث الرعب والتأثير نفسياً على معنويات الجنود الذين يقاتلونهم. أنا لا أعتقد بأن نوعية السلاح المستخدم كانت تشكل اي مستوى من الخطورة. لقد طلبوا مني مساعدتهم بالمعدات والحاويات والأشياء التي يحتاجونها للاسلحة الكيمياوية، أنا لدي خبرة بهذه المعدات والمعادن المقاومة للصدأ. لم يكن لدي خيار سوى أن أصبح واحداً منهم ."
في 11 آب عام 2015، أي بعد 14 شهراً من احتلال داعش للموصل، أطلق مسلحو داعش 50 قذيفة هاون على قرية جنوب أربيل يتواجد فيها مقاتلون من البيشمركة. انفجرت المقذوفات بصوت خامد صدر عنها دخان أبيض وسائل زيتي. خلال دقائق شعر أكثر من 30 مقاتلا من البيشمركة بالغثيان وحرقة في العين والرئة. ضابطان تعرضا للسائل الزيتي ظهرت عليهما حروق مؤلمة في سيقانهم ورقبتهم .
وبين عامي 2015 و 2016 قامت طائرات التحالف الدولي بقصف منشآت الصناعات الكيمياوية لداعش في الموصل وهيت وقتل عدد من العاملين فيها مع هروب الآخرين واختبائهم جراء تواصل الغارات الجوية . واستناداً لمعلومات استخبارية جمعتها الولايات المتحدة فإنها كانت تراقب تحركات العفاري، وفي يوم استقل سيارته لزيارة والدته المريضة في تلعفر وكانت الاستخبارات الاميركية تتابع إشارات هاتفه النقال وبقيت تراقبه على مدى أيام على أمل التمكن من إلقاء القبض عليه حياً .
وفي إحدى المرات وهو مستقل سيارته جوبه بأربع طائرات هليكوبتر تابعة لقوات العمليات الخاصة الاميركية وقامت باطلاق النار على عجلات سيارته وهبطت طائرتان بينما بقيت اثنتان في الجو وبعد ترجله من السيارة فوجئ بكلب بوليسي وقد هجم عليه من ذراعه وتم إلقاء القبض عليه. ثم جوبه بصورة فوتوغرافية أظهروها له وقالوا له هل هذا أنت في الصورة؟، قال نعم ثم وضع بعد ذلك غطاء على رأسه واقتيد معهم .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top