تارةً أُخرى .. اغتيال المثقف بين السنن الكونية والحتميّة التاريخية

آراء وأفكار 2019/02/06 06:09:44 م

تارةً أُخرى .. اغتيال المثقف بين السنن الكونية والحتميّة التاريخية

ناصر الحجاج 

تفيد نظرية "السنن الكونيّة" التي تشكلت عبر عصور الإسلام الأولى، بأن هناك قواعد ونواميس ثابتة أودعها الله سبحانه في الطبيعة وفي مكوناتها وعناصرها، ومن ضمنها نواميس الخير والشر، والصلاح والفساد، بل ونواميس حركة الكون وحركة الإنسان وما يترتب عليها من نزول العذاب والعقوبات السماوية بما فيها الزلازل والأعاصير والأمراض والفتن وسائر الكوارث الطبيعية والاجتماعية، وذلك بالاستناد إلى ما جاء في القرآن من آيات تحدثت عن أن الإنسان لم يخلق عبثاً، وأن "من يحفر البئر لأخيه يقع فيه"، "اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ، وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ، فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا".
أما في الفكر الماركسي فقد طرحت نظرية مشابهة، وإن لم تكن غيبيّة ولا ما ورائيّة كما في الاعتقادات الدينية، سميت النظرية الفلسفيّة بالحتميّة التاريخية Historical determinism وهي تفيد بحتمية الصراعات الطبقية الاجتماعية، وبأن الصراع الطبقي محرك للتاريخ، ومع أن هناك من يعارض هذه النظرية من داخل الفكر الماركسي نفسه، إلا أن القول بوجود أسباب تاريخية لأية حركة ثوريّة انقلابية ثقافية كانت أو عمليّة في المجتمع يكان يكون قولا بديهيا، استنادا لنظام العلة والمعلول، وقانون الأسباب والنتائج.
وفي كلا النظريّتين، يُنذر قتل الروائي والباحث الدكتور علاء مشذوب الخفاجي بعواقب دموية وخيمة ليس لقاتليه وحسب، بل للنظام السياسي العراقي الذي يواصل جريمته في الاستهانة بدماء العراقيين وأرواحهم وفي التهاون في حماية أمن المواطنين المسالمين، فالدولة التي لا تقيم العدل بين الناس إنما تحكم على نفسها بالظلم، والقاضي الذي لا يحقق العدالة للمظلوم إنما يشجعه على توسل الباطل دفاعاً عن نفسه.
حوادث قتل كثيرة خلال فترة حكم الإسلام السياسي العراقي، طالت العراقيين، سواء كانوا مواطنين عاديين أو مثقفين، أو متظاهرين مطالبين بأبسط حقوقهم، تغافلت الطبقة السياسية عنهم، ظنناً منها أن استنكاراً إعلامياً سيدفع عن الحكومة المسؤولية عن حماية الشعب، أو أن دفع مبلغ من المال لعائلة القتيل سينسيهم دم أبنائهم، فيما يمكن في ضوء علم النفس عدّ هذا التغافل الحكومي محرضاً وحافزاً Motivation للقتل وللانتقام من قبل ذوي الضحايا تجاه السياسيين الذين من المفترض أنهم يحمون أرواح العراقيين ودماءهم وأعراضهم وممتلكاتهم.
إن الباحث في علم نفس الانتقام Psychology of Revenge يدرك، رغم تعقيدات هذه النظرية، أن من أهم دوافع الانتقام هو الوصول إلى حالة الارتياح يشعر بها المنتقم بعد الانتقام ، ورغم أن المثل الشعبي يقول "اللي شفى غيظه هجم داره" فإن السياسيين لم يبقوا للشعب العراقي شيئا مهمّاً يخشون خسارته، وهذا أحد أهم الأسباب التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب جرائم القتل دون حسبان العواقب المترتبة عليه.
لهذا ينبغي على السياسيين العراقيين أن يتداركوا الأمر ـ رغم أنه متفاقم منذ سنوات ـ وأن يدركوا أن أبسط تقصير، أو أصغر خطأ قد يرتكبه موظف في الدولة سينعكس سلباً على سمعتهم وعلى حرمتهم أمام الشعب العراقي، وأن إهمال أجراء تحقيق في مقتل أي نفس عراقية محترمة سيزيد من قناعة العراقيين بعدم جدوى الطرق والوسائل السلمية لإصلاح الحكومة، التي تأسست على أخطاء دستورية، بتعقيدات شارك فيها رجال الدين، وشيوخ العشائر، وتخاذل القضاة، وربما سيؤدي التغافل الحكومي إلى استغلال النزعة الانتقامية لدى العراقيين، من قبل قوى خارجية شريرة هدفها ضرب ما تبقى من السلم الاهلي، وعندها سيندم البغاة "ولات ساعة مندمِ".
فـ "يا حافر البير لا تغمّق مساحيها باجر يدور الوقت وانت تقع فيها"

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top