الوجدان العراقي من تاريخ الدولة المتبوعة إلى سخط الدولة التابعة

آراء وأفكار 2019/02/06 06:10:54 م

الوجدان العراقي من تاريخ الدولة المتبوعة إلى سخط الدولة التابعة

د. حيدر نزار السيد سلمان

في عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي كان الصراع العراقي - المصري يشكل سمة للعلاقات بين البلدين بما يتعلق بزعامة العالم العربي، ومحاولة كل دولة منهما لمدّ نفوذها داخله، وكما هو حال الصراع والتنافس العراقي - السعودي في خمسينيات القرن الماضي لفرض نفوذهما على سوريا، ولعل تاريخ العراق المعاصر يقدم لنا سرداً تاريخيا واضحاً ودسماً لسعي الحكومة العراقية خلال سنوات العهد الملكي لفرض نفوذها الاقليمي والتأثير بسياسات الدول الإقليمية وتظليلها بنمط السياسة العراقية. وفي هذا السياق يمكن الاطلاع على كتابات الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل حول التنافس العراقي- المصري لاسيما بعد تموز ١٩٥٢ وسيطرة العسكر بقيادة جمال عبدالناصر على السلطة .
كانت الأيديولوجيا القومية العربية تركز على تمثلات استنهاضية تمجيدية من خلال مقولة : إن العراق هو (بروسيا) العرب، هذه الثيمة التي حاولت تحقيق تجسير بين الوحدة الألمانية التي أنجزها العظيم بسمارك عام ١٨٧٠ انطلاقاً من بروسيا ووحدة العرب الحالمة، جسدت العراق بأقلام وأفكار وأصوات قومية متشددة كمثل أعلى لقوة البلاد وشموخ الشعب، ومحور متكامل لبلوغ الغاية الحُلم وصخرة البناء الأساس لقيام الوحدة الموعودة. وفي هذه الايديولوجيا إعادة استذكار تاريخية لمقولة (العراق جمجمة العرب) بتفاسيرها المتعددة، وتزامنت هذه الدعوات مع استدعاء واستقدام عدد من دعاة القومية ورجالها فعاشوا بالعراق كلاجئين ومعلمين ومحرضين كان بعضهم متعاوناً مع النازية، كمفتي القدس محمد أمين الحسيني. وقد تحقق هذا بوصف العراق مركز تأثير واستقطاب ومحوراً مهماً في التنازع على النفوذ والقيادة.
سادت ثيمة العراق الأهم المؤثر وصانع الأحداث والقائد والرأس في الثقافة السياسية العراقية، وأصبحت سمة لها وميزة، واندغم مفهوم العراق الكبير القوي الفاعل في المزاج والتراث الشعبيين مكوناً رأياً عاماً عراقياً يَعُد العراق كبطل غني قادر على التأثير والتدخل بشؤون الاخرين. وفي هذا السياق تُسرد قصص شعبية مختلقة أحيانا وحقيقية أحيان أخرى تشي بقدرات العراق كدولة لها نفوذ كبير بالمحيط الإقليمي وكبلاد تشكل بموقعها الجغرافي الحيوي دولة صدارة مركزية في العالم، وليس دولة هامشية طرفية تتأثر أكثر مما تؤثر .
ما حصل بعد ٢٠٠٣ أن هذه الدولة ذات التأثير والنفوذ والمتدخلة في شؤون الآخرين الباحثة عن دور إقليمي ودولي والمستقطبة لمعارضات الحكومات كقوى ضغط بيد حكوماتها على اختلاف انظمتها بددت هذا التراث السياسي والشعبي وأصاب سياستها تحوّل بنيوي أسس لصدمة في الوجدان المجتمعي بانتقالها الصادم من دولة مركزية مؤثرة متدخلة الى دولة طرفية باهتة المواقف مهيضة الجناح، وساحة مكشوفة مفتوحة لنفوذ الآخرين وتدخلاتهم العلنية والسرية. وسببت هذه التحولات انعطافاً في المخيال العراقي وخدشاً بالمشاعر الشعبية وإحباطاً عززته فئة سياسية متراخية كسولة غير مثابرة ضيعت حقوقاً وضعفت أمام توغل الدول المحيطة ولم تبُدِ نشاطاً لمقاومة التدخلات وصدها، بل كانت في أحيان كثيرة عاملاً مساعداً لهذا التدخل. وحسب القناعة الشعبية المنبثقة من ميراث الدولة القوية وأنموذجها العراقي فان ما يحدث لا يعدو كونه مساساً بالسيادة والكرامة الوطنيتين وتنازلاً عن دور التأثير والقوة لتمسي الدولة ذات السمات المذكورة ضحية لنزاعات دولية وذاتاً مجروحة بوجدانها وكبريائها بعد تزحزحها من موقع المتصدر المؤثِر إلى دور المُؤثَر فيه التابع المتخبط الذي لا يدري من أية جهة تأتيه رياح التأثير والتدخل الباهت بصدمة المتنافسين المتصارعين لفرض سيطرتهم عليه. فهو لا يكاد يدير وجهه لطرف حتى يأتي طرف آخر لسحبه، وبكل الأحوال يُظهر قادته ضعفاً واستكانة تلاحقهم اتهامات الناس وانتقاداتهم الشديدة دون أن تثير فيهم إرادة الحركة واستعادة دور العراق كمتبوع وليس تابعاً، باعتبار أن ذلك مطلب شعبي يتردد داخل الوجدان الوطني، وهو الأمر الذي فاقم من صيحات التذمر ومشاعر الرفض الشعبي الممزوج بالغضب لتزداد الفجوة اتساعاً بين حكام متهمين بالتخلي عن الدور القيادي لبلادهم بضعفهم وكسلهم والسماح لقوى أجنبية بالتدخل والتصارع في داخل بلادهم، حتى بلغ الحال أن أحزاباً وشخصيات ومن دول صغيرة بكل المقاييس مقارنة بالعراق أصبحت تأمر وتنهى وتتحكم بالقرار العراقي وتتدخل بشؤونه، بل تفرض أشخاصاً لتبوّئ مناصب، وبين شعب أصبح أكثر اطلاعاً ومعرفة بما يجري، يبحث عن دور قيادي لبلده كما هي رؤيته، ويريد أن تكون دولته فاعلة مؤثرة متبوعة كجزء من ثقافته السياسية المُشكلة المعهودة عبر تاريخه المعاصر.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top