الرسام العراقي المغترب يوسف الناصر.. العتمة ولون السخام الفاحم

الرسام العراقي المغترب يوسف الناصر.. العتمة ولون السخام الفاحم

خالد خضير الصالحي

يمكن اعتبار الرسام يوسف الناصر عينة ممثلة للثقافة العراقية الرفيعة التي عانت من الظروف السيئة للعراق في مختلف مراحله الفائتة، واضطرت الى الهجرة، والغربة، ومصاعب حياة المنفى، فكان تأثير ذلك على تجربته مزيداً من الألم الذي أنتج تجربة زاخرة بالعتمة ولون السخام الفاحم.. فحينما كتب في مطوية أحد معارضه "منذ مرحلة مبكرة من حياتي الفنية كنت أكثر ميلاً إلى التحديق في الجانب المظلل للشجرة، أو الكرسي، أو الجسد، من الجانب المغمور بالضوء، وإنقاد بيسر إلى التراجيديا التي أجد فيها طمأنينة، لا لأنها تطهير للنفس بل لأنها البلوى التي توقظ الحواس وتفتح للوعي سبله السرية، كنت أكثر ميلاً إلى التحديق في الانفعالات الباطنية والقوى المحركة الغامضة والنوازع غير المدركة"، فاته رغم كل ذلك الألم ظل يحمل العراق في داخله..
تتصف تجربة يوسف الناصر بالاقتصاد في كل شيء، بالمواد، والعناصر، والمفردات التشكيليّة، ولكنه، كما نوّه الكاتب هاشم تايه في احدى الندوات التي شاركنا بها معا، كان مكتظاً بالعنف، ونحن هنا معنيون بنمط من العنف الذي يمارسه الرسّام على خطوطه، وأشكاله، عبر عمليات المحوّ، والشطب التي تهدم عناصر اللوحة، وكأن التدمير الخارجي المدان يجد تحققاً مماثلاً له في فعل الرسم عند الناصر، ويصبح مآل كلّ لوحة في النهاية، وكأن نزعة التقويض فاعلة في تجربته وهي تؤسس لعمليات: الهدم، والمحو، والاختزال، لما يتشكّل ويتمّ بناؤه.
إن منجز يوسف الناصر يتشكل في اتجاهين، وبحسب طبيعة ردود أفعاله على مرجعياته البصرية: الأول، ان طغيان السمات التعبيرية فيه واضحة ونشات في لحظة استثارة عاطفية خضعت خلالها المرئيات لانفعالات حبيسة تدفع بالرسّام إلى تسجيل هذياناتها، وصخبها مباشرة، بينما يبدو الثاني، في أبرز معالمه، سطحاً تجريدياً ينطوي على مختزلات من أشكال: بشريّة، وطبيعية، وأشياء تبدو خافتة، كتلميحات ذائبة بين حشود الخطوط منتظمة بعلاقات دلالية يجمعها طابع العنف.
إن ايغال المتلقي لتجربة يوسف الناصر في التركيز على الحديث عن الثيمات لا يجب أن يكون على حساب البحث في شيئية لوحته، فنحن نعتقد ان خلطة: الألم، والرسم في طاولة التشريح، لم يتبق منها الا مادته بالمعنى الواسع للمادة: اللون، والمواد الملصقة، والتأثيرات التقنية التي تنتج صورة بصرية تعبر عن الألم وتشجبه، تلك المادة التي تتكفل بالتعبير عن كل الانفعالات السابقة، فالرسام غير مطلوب منه ان يقدم تقارير صحفية حول موضوعات تشغله، بل يتعامل مع مادة بصرية عليها ان تعبر بأقل قدر من السردية التي تنتمي إلى اللغة، وان الأمر المهم في تجربة الرسام يوسف الناصر تمكنه من المحافظة على (مشدات) العمل الفني مشدودة دائما، لتحافظ على تناسق جسد التجربة، فقد حرص يوسف الناصر على أن تبدو لوحاته مشدودة رغم أحجامها الضخمة، فقد تمكن هذا الرسام من مسك التفاحتين معا بكف واحدة عندما حافظ على التوتر القلق في جانبين شديدي الأهمية والخطورة والصعوبة:
التوازن الأول، كان بين شيئية العمل الفني التي نعتبرها البنية التحتية للعمل الفني، وبين (الشكل الجمالي)، او (الشكل الدال) بحسب تعبير )كلايف بل(، وكافة الهوامش التي تتجمع خارج الواقعة البصرية اوكبنية فوقية لها، والتوازن الثاني، في اعطاء دور لأسباب الشد الموجودة في تجربة يوسف الناصر من خلال تضمين التجربة فاعلية الحقيقة بوصفها النزاع القديم بين: "الانكشاف والإخفاء"، او بين الفجوة المضاءة وحالة الإخفاء المعتمة، ونخلص إلى استنتاج ان يوسف الناصر قد تمكن من تحويل الموضوع إلى: علاقات لونية يهيمن عليها اللون الأسود الفاحم غالبا، والى علاقات شكلية أي إلى (اشكال دالة)، فلم يعد الموضوع سرداً نثرياً قابلا للتحول إلى لغة حكائية، فحافظ الموضوع على طبيعة الواقعة البصرية، وهذا سر الأسرار في الرسم.. وفي تجربة يوسف الناصر..
كتب الناقد فاروق يوسف "إن لوحاته بالأسود وحده، هي في حقيقتها أجزاء مقتطعة من لوحة واحدة، كان يُقدر أنه لن ينتهي منها... ففي “مطر أسود” اختصر الناصر المسافة التي تفصل بين التخطيط والرسم. وهو ما فعله في أوقات سابقة من غير أن يعتبره جسراً إلى عاطفته التي ارتطمت بسبب صدمة الغزو الأميركي بجدار الحاجة إلى التعبير. ولأن الناصر كان قد مارس الكتابة من خلال عمله في صحيفة “الحياة” فلم تكن تعوزه القدرة على الفصل بين ما هو فني وما هو أدبي، فكانت فرصة لكي يعيد النظر في كل شيء من حوله وفي أدواته وهو الذي تمكن منها غير مرة من غير أن يرغب في تطويعها. مثله كانت تلك الأدوات متمردة ومختلفة وعاكفة على أسئلتها التي لا تستثني شيئاً من شغبها".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top