تارةً أُخرى .. الهيمنة الثقافية وطرشان الزفة العراقية

آراء وأفكار 2019/02/13 06:54:16 م

تارةً أُخرى .. الهيمنة الثقافية وطرشان الزفة العراقية

ناصر الحجاج 

بحسب انطونيو غرامشي فإن القوة الخارقة تكمن في الثقافة، في الفكرة التثقيفية، وأن الاحتلال الحقيقي هو الاحتلال الثقافي لا العسكري، لأن السيطرة الثقافية أعمق وأكثر قوة من السيطرة العسكرية، فنحن، كما يقول غرامشي، لا نسيطر على الثقافة التي نكتسبها ولا على الفكرة التي نتبناها ونؤمن بها، بل هي التي تسيطر علينا، وهذا ما أسماه غرامشي بالهيمنة الثقافية Cultural Hegemony.
بهذا المعيار يمكن إعادة أطروحة عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد" بشكل يبدو متناغماً مع ما قاله غرامشي، إلا أن الاستبداد (الهيمنة)، هنا، ستكون في أشدّها من خلال أدوات الاستبداد الديني، لأن الدين، غالباً ما، يصنع من الإنسان عبداً "أقدم" يخاف التفكير في الانعتاق من سيّده، ولهذا ترى الطغاة السياسيين غالباً ما يستعينون باسم الدين وبرجاله المخلصين لاستغفال الشعب، والتحكم به "ثقافياً" من خلال الغيبيات والأمور الفاسدة التي لا علاقة لها بالدين المتصل بخالق الوجود.
إن النسخة المطوّرة من الهيمنة الثقافية والاستبداد الديني التي يمارسها الإسلام السياسي، اليوم، في العراق تتمثل في أمرين أولهما: منع المعلومة الضرورية من الوصول إلى الشعب، وهو ما يضعف موقف الشعب ويقطعه عما يدور حوله، فهو بهذا التجهيل (غياب المعلومة) مغفّل، مُجهّل، لا يدري ما الذي حدث بالضبط، ولا ما الذي يحدث، ولا ما الذي يمكن أن يحدث، بناء على ما عنده من معطيات. أما الأمر الثاني فهو التضليل عن طريق استخدام معلومات مغلوطة، وتحليلات مضللة، وتأويلات مفبركة يمثل بعضها موقفا رسميا، أو تقريراً استخباراتياً عن مخطط يستهدف الشعب هنا، أو مؤامرة هناك تريد الإطاحة بحكم الله وأوليائه الصالحين في الأرض.
ألغت حكومات الإسلام السياسي "وزارة الإعلام" بحجة أنها كانت إحدى وسائل نظام صدام لقمع الشعب العراقي، ومع أنها كانت كذلك، وكانت تغطي جرائم البعث، وتبث ثقافة العبودية، إلا أن إلغاء وزارة الإعلام فتح الباب لكل من أراد أن ينشر دون ضوابط رسمية، ودون عقوبات رادعة لمن يشيع الفوضى والجهل، إذ أن من واجبات الوزارة تسجيل المؤسسات العاملة بحسب الضوابط والقوانين الإعلامية العالمية، بالإضافة إلى تحديد مسؤوليات المؤسسات عن كوادرها الإعلامية وأدائهم، وسلوكهم المهني.
إن العراق اليوم بحاجة كبيرة إلى مؤسسة إعلامية قانونية رسمية تعنى بإيصال المعلومة الدقيقة والضرورية، وتتحمل مسؤولياتها في الدفاع عن الإعلاميين وعن مهنية عملهم واستقلاليته، وتحرص في الوقت نفسه على حق وصول المواطنين إلى المعلومة Right of Access to Information، وبخاصة المعلومات عن الشخصيات العامة وعن المؤسسات العامة التي تعني الجميع. فهناك في كل مفصل من مفاصل الحياة السياسية والدينية والأمنية أسماء لا يعرف العراقيون عنها، ولا عن تاريخها شيئاً، بل ولا عن أدائها وتكاليف خدمتها العامة شيئا.
كم عدد الموظفين في هذه الوزارة؟ ما هو مجموع رواتبهم؟ ما هي إنجازاتهم الفردية والجماعية، ما عدد الدورات التطويرية التي خضعوا لها، كيف يتم التوظيف في هذه الوزارة، ما هي الدرجات الوظيفية التي ستكون شاغرة فيها؟ وعدد هائل من المعلومات العامة الغائبة التي لا يتيحها إلا وزارة الإعلام Ministry of Information (وزارة المعلومات)، التي ستلزم سائر المؤسسات العامة الرسمية وشبه الرسمية بالإعلان، بشفافية، عن كل دينار تنفقه على كوادرها؟
ليست الوزارات العراقية وبقية المؤسسات العامة فقط ما لا نعرف عنها وعن كوادرها وإنفاقاتها شئيا، بل الشركات الكبرى والعتبات المقدسة التي تعني أموالها الجميع، يجب أن تتاح معلوماتها للمختصين سواء في الإعلام المهني أو لمراكز الأبحاث التي يعنيها معرفة أعداد القتلى، والمهجرين، والمحتاجين، والمتعلمين، وغيرها من المعلومات التي الضرورية للإسهام في بناء الدولة، من خلال بناء الوعي بما يجري، فنحن من دون المعلومة مجرد "أطرش بالزفّة" لا ندري ماذا يراد بنا، تماماً مثل "طلي الفاتحة".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top