كاتسبي العظيم.. تأريخ مدينة  أم سيرة عاشق

كاتسبي العظيم.. تأريخ مدينة أم سيرة عاشق

عباس الحسيني

لا يخلو التأريخ، أي تأريخ كــان سواء لفرد ، أم لأمــة، من ملامح غموض قد تشوب ثناياه ، ومن ارتباكات في بنية الأحداث والمرجعيات، التي تؤسسه ، وهو مــا قد يضبب الرؤية والتقييم لذلك التأريخ. وهو ذات الأمر في مناقش تأريخ ولادة أمة جديدة، ضمن مفاهيم محدثة، وغائية مبهمة، أي كينونة جديدة، تتحــدّد ملامحها في المدينة الأم – نيويورك - حيث المهاجرين والحالمين بغـدٍ أفضل، من الأمس الذي نزحوا منه، والذين هم أشد حلماً تجاه لذة السلطة وشهوة تمثيل الأفراد، أو السيطرة عليهم، وبما يعتمل دواخل البعض من نرجسية في الظهور الباذخ والنزوع الى الهيمنة المهيضة. وها نحن أمام قلم روائي كبير، هو قلم الروائي الاميركي: سكوت فيتزجيرالد، والذي وضع روايته الحالمة: كاسبي العظيم عام 1925 متتـبعاً بها رموزاً من رجالات الترف والثروه الاميركية الاوائل، ممن سكنوا منطقة (وست أيــك) - الخصيبة في عاصمة البنوك والاقتصاد والفن - نيويورك – وحيث نسب ما جرى في روايته الى عام 1922، مع مرحلة الانتقال التكنولوجي الاول في صناعة الأسلحة والسيارات وفتح صدر القارة أمام مبدعي القاره الاوروبية وغيرها من القارات الأخرى، وهو ما يوحيه لنا الفيلم بالالفاظ الفرنسية للتعـبير عن نهايات العبث الباروكي، مع انتخاب شخصية الممثل الوسيم ليوناردو دي كابريو، ذو الأصول الايطالية، وهو يؤدي شخصية كاسبي العظيم، رجل الثروة الغامض والحالم في آن واحد، وهو المتيـّـم أبداً بعشق ثوري لسيدة جميلة ومتزوجة هي: ديزي باشنان. وربما يكون حدس النقاد إيجابياً هنا، من أن بعضاً من المسرحيات والروايات، إنما كتبت ضمن جناسها الادبي، لكي تقرأ وحسب. وهو إبداع متفـرد للبلوغ ذروة الادب، في أن يبقي على جناسه خالصاً، وليتحقق دومــاً بعنصري اللغة وشاعريتها من جهة، وبسحر الثيم المستقاة ومعالجتها من جهة أخرى. حيث تضاربت الآراء حول أول صدور للرواية على انها تجسّد معنـيين رئيسين هما: الانحطاط والمثالية، وهو ما جعل الاقبال على قراءتها ضعيفاً أول الامر، رغم الشاعرية التي خصّ بها فيتزجيرالد مونولج الرموز والأشهاد، ومنها ما يردده كاسبي: كيــف أغدو نقـيــاً كإلــه ؟؟ . ورغم مرارة الانتخاب لأجمل حقب التدوين الروائي. وهو أمر يردّ الى طبيعة المرحلة التي عاشتها نيويورك، على إنها مرحلة الصيرورة الأولى أو مراحل الشروع بكل شيء، من العلوم والتكنولوجيا والهيمنة المعرفية وولادة التمثــل الحقيقي لصراع القوة، وبما طرحه الاميركيون الاوائل من بدائل في الفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم الطبيعية وبدء التخطيط لغزو الفضاء الخارجي. لكن شخصية كاسبي تنمّ عن وحدانية أخرى أكثر براءة وأكثر إنسانية مما تبدو عليه، فهو العاشق المرتبك والمرتجل كطفل لحظات وصول ملهمته، وهو ما أراده المخرج الاسترالي الفذ بــاز لورمــان، الميّال الى خلق عالم سينمائي من فسيفساء التأريخ وتفاصيل عالمي الرواية والادب، كما في فيلميه: أوستراليا عام 2008 ، والفلم الجميل روميو وجوليت عام 1996 وبمعالجة جديدة. غير ان فيلم غاسبي العظيم ، لا يحقق انجازاً بالمعنى الفني ضمن حبكته ومعالجاته، مع المبالغة في إظهار الترف العشريني لمدينة نيويورك الفتية آنذاك، وهو ما جعله يحشد كثيراً من الطاقات والاختزالات، كمتخيل قصر كاسبي ومسبحه، الذي اغتيل فيه، لكن الجدير بالذكر هو التلميح الى عجز صنع أسطورة آنــا كــارنينا اميركية النسخة، حيث يبدأ الصراع الحقيقي للأفراد بمكاشفة كاسبي ذي السلطة والثروة والجمال لرجل، بعشقه منذ 5 سنوات لزوجة ذلك الرجل، وهو الأمر الذي يرفضه ذلك الرجل، لكن الزوج، وفي ثأره لكرامته، يذهب بعيداً في تفكيك وتحليل شخصية كاسبي على الملأ، مع التوصيف الشاعري للروائي فيتزجيرالد، حيث ينعت الزوج غريمه كاسبي، على أنه صناعة تجارية رخيصة، وهو سمسار مخدرات يتلاعب باسواق البورصة وأسواق البسطاء، مدعومــاً بحثالة من القتلة المأجورين، لكنه يسهر ليلاً ببدلة انيقة ليس عليها آثار دماء الضحايا، مع الظهور الوجيز للمثل الهندي المعروف أميتاب باجــان في شخصية مقامر من الأصدقاء الخلص لكاسبي. وهو يعطي الرواية – الفيلم، إذا صحّ التعـبير أبعاداً اجتماعية وسياسية خارج المألوف، لأن كاسبي من ممن خدم في جبهات القتال، عسكرياً ووطنياً لا يشك فيه، وليعود حاملا تلك الهالة العسكرية في النزوع الى السيطرة والاستبداد. وهو ما يقضّ مضجع المرأة، رمز البلاد هنا، فأما أن تختار زوجها: رجل الاعمال والعائلة، الواضح والنقي، وإما ان تتعلق برجل غامض حالم يتحدث الى صديقه الرائي عن امجاد جامعة اوكسفورد ونجاحات المستقبل، وذهنية لامعة قد لا تتكرر على كوكبنا الأرضي، وهو ما يؤكد دونيـّـته وإزدواجيته في تضليل العداله إثر جريمة دهس سيدة أثناء قيادة عشيقته لسيارته، لتنتهي حياته بعدها، بطلقة غادرة من الخلف يسددها أرمل الضحية، ولتنتهي معها مأساة اختيار الرمز الأكثر غموضاً ومشاكسة على مسرح الأحداث. قد يبدو الشريط السيمي لكاسبي العظيم متعجلاً في محطاته، لكن رؤية المخرج الاوسترالي ذهبت الى التجسي الفضائي واللوني، للترجيز على ولادة أمــة جديدة، من المناظر العليا لمعامل نيويورك وشطف العمالة الفقيرة، وحركة الفقراء العجلى لخدمة دناءة الأثرياء. والفيلم المنتج عام 2013 قد حصد جائزتي أوسكارٍ، لأفضل إنجاز في التصميم وافضل انجاز للأزياء التي تزخر بطابع غريب يتتبــع مراحل الإرتقاء البرجوازي ودقة الانتقاء، خاصة للعنصر النسوي، لإضفاء شاعرية وجمال لفضاء اللقطة. وتم ترشيح الفيلم لــ 35 جائزة أخرى منها المكياج ، كما حصل ليوناردو دي كابريو على جائزة أفضل شخصية رئيسة من جمعية الفيلم الاوسترالي 2014. وفاز أيضاً بجائزة افضل مزيج صوتي من مؤسسة الصوت السينمائي الاوسترالية عام 2013. وإن كانت قائمة الجوائز والترشيحات تطول، غير أن التصنيف النقدي الاميركي للفيلم هو 7.3 لمجموع 457 ناقداً فنياً. وشارك البطولة فيه: كاري موليكان وجويل ادكير

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top