السياسة العراقية والعدمية..

آراء وأفكار 2019/04/10 12:00:00 ص

السياسة العراقية والعدمية..

سلام حربه

من الظواهر البارزة التي رافقت العملية السياسية الجديدة بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 وصعود نجم الإسلام السياسي كقادة لهذا البلد هو شيوع العدمية بين معظم أفراد الشعب العراقي ، والعدمية تعني رفض جميع المبادىء الدينية والأخلاقية وتفكيك العرى الوطنية والانكفاء نحو الذات والشعور الحاد بالغربة بحيث تصبح الحياة وكل فعالياتها بلا قيمة أو معنى ، هذا الأمر لم يأت من فراغ بل امتد منذ عقود الجور والظلم في زمن الدكتاتورية وما قبلها وتجذر عميقاً في عهد ( الديمقراطية ) الجديد نتيجة الممارسات السياسية للكتل الحاكمة سنّية كانت أم شيعية أم كردية..لقد تحققت نبوءة الفلسفة حين قالت بان التغيرات الكمية تؤدي الى تغيير نوعي ، إلغاء دور المواطن وتهميشه والتنكيل به حد الموت والغائه من خارطة الوجود دون أن يلتفت أحد الى تضحياته وقدراته وابداعاته منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وحتى نظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي عُمِلَ به كنظام سياسي وحيد منذ 2003 وحتى يومنا هذا ، لقد قاد ذلك الى غياب الإرادة الوطنية وإبعاد كل صوت وطني شريف والى صراع طائفي وعرقي لا من أجل مصلحة البلد والشعب بل لتصفية الحسابات والاستحواذ على خيرات هذا الشعب وتقسيم البلد الى كانتونات هزيلة ومناطق جغرافية هشة سهلة النفاذ من قبل دول الجوار والاجندات المتربصة بهذا البلد  ..ما حصل في العراق لم يحصل مثله في أي بلد في العالم لا بل أصبح مضرباً للمثل السيء تحاول كل البلدان الطامحة بالتغيير أن لا تقترب من تجربته البائسة ، لقد أصبح العراق الضعيف موطئاً لقدم الارهاب من قاعدة وداعش لأنهما وجدا حاضنة جيدة تستقبلهما من أجل الاستقواء بهما من قبل طائفة للقضاء على الطائفة الأخرى شريكتها في الوطن ومن كل الشركاء أديان أخرى وأقليات عرقية وحتى أبناء نفس طائفة الارهابيين المعارضين لوجودهما وهذا ما حصل من قتل مجاني استشهد بسببه أكثر من مليون مواطن وترمّلت الملايين من النساء وتيتم الملايين من الاطفال ، لقد رافق هذا الصراع الطائفي خراباً كاملاً للمدن كما حصل من احتلال داعش لمحافظات الانبار ونينوى وتكريت وديالى والعديد من مناطق بغداد وبابل وبعض قصبات المدن العراقية ..لم يفكر الكثيرون من قادة الإسلام السياسي يوماً واحداً بمصلحة هذا الشعب بل عملوا على إضعاف الدولة العراقية وتقوية نفوذهم من خلال الاستحواذ على السلطة ومناصبها ومغانمها وسرقة المال العام حتى أن أية كتلة سياسية عراقية ، خاصة الطائفية منها ،ما تملكه من إمكانيات مادية ولوجستية يعادل ما تملكه الحكومة العراقية وأصبح حاضر المواطن ومستقبله بيد أحزاب وعصابات وميلشيات خارجة عن القانون لا مانع لديها أن تمارس عملية القتل والسرقة في وضح النهار دون خوف أو حسبان لأية مساءلة من جهة قضائية أو حكومية ، ما زالت المحاصصة تعمل بشكل دقيق وخلاق في كل مؤسسات الدولة وما زال الفساد مستشرياً في كل المفاصل والتعاملات ولا تكاد تخلو دائرة منه بل أصبح ظاهرة عامة الكل يتحدث بها والكل ربما يمارسها من أجل بقاء هيبته وسطوته على بعض مفردات الحكومة وارهاب المواطن المسكين الذي لا حول له ولا قوة..لم يقف المواطنون ، وخاصة الفقراء منهم  ، مكتوفي الايدي بل تعالت أصواتهم ومنذ سنين من خلال تظاهرات كبيرة ومليونية مطالبين بايقاع أقصى العقوبة بالطائفيين والمفسدين والذين يعرفهم الشعب جيدا ويرفع صورهم يومياً في ساحات الاحتجاج وفي وسائل الإعلام المرئية والمقروءة..معظم الوجوه السياسية المخضرمة والتي قدمت مع الاحتلال متهمة بالفساد وقد سرقوا علانية مئات المليارات من الدولارات وبالوثائق الرسمية الموجودة لدى الدولة وهم من دق اسفين الطائفية كي يديموا تسلطهم على رقاب الناس وأشاعوا الأمّية واستحضروا كل خرافات العصور الوسطى وكل الأوهام والوثنيات الدينية وقصص الأبطال المزيفين وجعلها واقعاً يومياً يعيشه المواطن من أجل بذر الفرقة والكراهية بين العراقيين بمختلف طوائفهم وأديانهم وأعراقهم..بدل السجون تمت مكافئة اللصوص باصدار قوانين العفو من قبل مجلس النواب لتبرئتهم من السرقات الضخمة من خلال صفقات متبادلة بين الكتل السياسية واصدار القرارات ونصوص القوانين التي تشرعن هذا لك وهذا لي ، لم يتم القصاص من مجرم واحد قتل العراق والعراقيين  ولم يتم إرجاع دينار واحد من حوت فساد سرق مليارات الدولارات..الطائفيون والعرقيون واللصوص شكلوا امبراطوريات من السلطات السياسية الجبارة والمؤسسات المالية الضخمة، لقد حاول الوطنيون والتيار المدني الديمقراطي والاحزاب اليسارية ان يشكلوا جهة عريضة بوجه هؤلاء وتأليب الرأي العام  عليهم من خلال التظاهرات والاعتصامات اليومية والاسبوعية ، لكن الجهود كانت قليلة التأثير لان هؤلاء المخربون حيدوا القضاء وهددوه وجمدوا كل وسائل الرقابة على المال العام من نزاهة الى دوائر مفتشين وهيئات التدقيق المالي ..لقد اصيب المواطن في النهاية بالاحباط والخذلان لان كل ما رسمه في عقله قد تبخر الكثير منه ولم يعد ممكن التحقيق وغالبا ما كان يصطدم الشعور الوطني الثوري بجدران كونكريتية صلبة اقامها الفاسدون ومرتزقتهم حولهم حتى لا يسمعوا ولا يروا ولا يتكلموا ..لم يجد الكثير من المواطنين مخرجا للهروب من هذا الواقع الا بالانكفاء على ذواتهم واجترار فشلهم وهزيمتهم ونمت القناعات الهزيلة ان حال هذا البلد لا يمكن ان يُصلح ،فهاجر من هاجر بعد ان صفوا كل حساباتهم مع الوطن وقلعوا كل الجذور التي تربطهم بارض واقعهم ،وانتشرت بين شباب الداخل ظاهرة تعاطي المخدرات والتي ساهم الطائفيون بترويج تجارتها من اجل تخريب كل البنى النفسية والأخلاقية للمواطن ، كما ساهم الجهل ومصادرة الحريات وتفشي البطالة وتخريب قطاعات المجتمع كافة الزراعية والصناعية والخدمية والثقافية والقانونية على تعاظم شعور المواطن باللاجدوى وغياب المعنى من وجوده على هذه الارض ، كما ترتب على ذلك الابتعاد عن كل المُثُل الدينية والاخلاقية المشوهة التي حاول الطائفيون إشاعتها وانتشار ظاهرة الإلحاد والسلوكيات الغريبة والممارسات الشاذة والتي تعبر عن حالة الرفض الجماعي لهذا النظام السياسي الفاشل القامع لحياة العراقيين والذي يرفض اي واحد من رموزه ان يتزحزح قيد انملة عن أي منصب أو موقع مهم استحوذ عليه واعتبره ملكاً شرعياً وبوصاية إلهية ،وحتى العملية ( الديمقراطية ) التي فصلها سياسيو الصدفة على مقاسهم فإنهم لم يكونوا مؤمنين بها لأن افكارهم الدينية لا تؤمن بالديمقراطية كعملية دستورية وانما تعاملوا معها كأداة لصعودهم الى السلطة ورفض نزولهم منها ثانية..العدمية سلوك اجتماعي لم يقتصر على عوام العراقيين فقط بل تسرب الى المثقفين من الأدباء والفنانين والعلماء والباحثين حتى أن ظاهرة التذمر والعبثية اصبحت عامة وموجودة بشكل يومي يجدها القارىء في النتاجات الإبداعية من شعر وقصة ورواية ومسرح وفنون وموسيقى ودراما وسينما وحتى في البحوث الاجتماعية التي يحذر فيها علماء الاجتماع وينبهون الى مخاطرها المستقبلية سواء لتأثيراتها على العلاقات الاجتماعية بين الأفراد أو في مستقبل وطن ماض الى هاوية لا يعرف أحد قرارها وخاصة في الفترة الأخيرة حيث تصاعدت حدة القطيعة بين المواطن والوطن لأن ما يريده المواطن لا يجده في هذا الوطن المبتلى والذي يصنف كل يوم بانه أسوأ مكان للعيش في العالم..لقد اجترح فلاسفة وشعراء وأدباء عالميون مفهوم العدم نتيجة للمتغيرات الاقتصادية والسياسية واغتراب الوعي الإنساني من جشع رأس المال ولظروف قاهرة مرّت بها بلدانهم والتي خرجت ممزقة من حروب عبثية أشعلها مجانين سياسة ودكتاتوريون في الحروب الكونية وظهرت مدارس فكرية وفلسفية داعمة لهذا المفهوم من وجودية وعبث ولا معقول شخّصت الأسباب التي عملت على سحق هذا المواطن الأعزل من قبل قوى الشر ونظامها الامبريالي وابتكرت أساليب حياة وأفكار بوهيمية رداً على زمن مادي جائر كي يقي نفسه وذاته من عملية الإلغاء والمصادرة والموت ..ما يمر به المجتمع في هذه المرحلة خطير للغاية يجب على المفكرين والباحثين والنقاد والمثقفين الوقوف عنده ، فما يحصل اليوم في هذه البقعة الصغيرة من الأرض لم يحصل مثله ربما في كل تاريخ البشرية ،والعدمية أصبحت عنوان حياة عند كثيرين وخاصة بين الشباب ،ويستطيع أي باحث أن يكشف ذلك من خلال السائد من القناعات الاجتماعية ( هذا البلد متصيرله جاره ) ( ميصير أي تغيير ) ( هذه الوجوه القبيحة التي قتلتنا وسرقتنا لا أحد قادر على تغييرها ) ( العراقيون مو خوش شعب ) ( الحل والربط بيد الامريكان ) ( ماكو تغيير والوجوه ستبقى نفسها بالانتخابات أو بدونها ) والعشرات من التعابير واليافطات التي تدل على روح الانهزام والانهيار والنكوص الاجتماعي أمام تفرّج وتغوّل أحزاب الإسلام السياسي وفسادها الرهيب..إن لم يحصل تغيير وتعود الأمور الى نصابها الطبيعي فإن ذلك سيؤدي الى تمزق النسيج الاجتماعي وانتشار للجريمة المنظمة وغير المنظمة وشيوع الامراض النفسية وتقزم إرادة الوجود وبقاء المواطن متفرجاً على كل ما يحصل في بلده إن لم يفكر أحد أن يدفعه كي يكون له دور في البناء والتغيير..من يدرس الواقع العراقي اليوم سيخرج بالعديد من المفاهيم والبرامج التطبيقية لأن المجتمع حقيقة حقل تجارب معرفي خصب نستطيع من خلاله أن ندرس واقع البشر المأزوم في المستقبل وآفاق نهوضهم..  

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top