الدمّية والتكليف الشرعي

آراء وأفكار 2019/04/14 12:00:00 ص

الدمّية والتكليف الشرعي

أنغام ناصر الزبيدي

كانت إيمان الابنة الوحيدة لوالديها بعد علاج من العقم للوالدين دام عشر سنوات. كبُرت وعاشت وسط عائلتها في إحدى المناطق الريفية في شمال القرنة بمحافظة البصرة جنوبي العراق. اعتادت الفتاة الصغيرة أن تمضي معظم وقتها مع دمية، وهي أفضل ما تملك في عالمها الخاص كما يروي أحد المقرّبين داخل العائلة. كانت تمشط شعر دميتها تارة، وتذهب لطلاء أظافرها تارة أخرى. بَنَت إيمان عالمها ببراءة معهودة بين الفتيات ولم تتخيل أن ترحيلها الى عالم آخر لم تعرف عنه شيئاً، وهو عالم الحياة الزوجية.
فجأة يتوقف نبض الطفولة وتغير التقاليد الاجتماعية والموروثات العائلية حياتها وتجعل منها زوجة صغيرة دون أن تعرف عن الحياة الزوجية شيئاً. لقد بلغت إيمان وفقاً للعادات والتقاليد العشائرية سن التكليف الشرعي، وتم إغلاق منافذ الطفولة عليها بزواج قسري وهي ما زلت في سن الحادية عشرة، لم يعارض الوالدان الزواج، ذلك إنهما، كانا مقيدان بالأعراف العشائرية.
في ظل غياب الدولة ومؤسساتها القانونية، يتم تزويج إيمان الصغيرة لتمضي الى بيت الزوجية مع دميتها التي أبت مفارقتها حتى في مخدع الزوجية. بعد انقضاء عام على الزواج، تنجب الفتاة طفلةً تضعها الى جانب دميتها. تختلط مشاعرها، ولا تتمكن إيجاد سبيل للتوأمة بينها وبين الطفلة. لقد سيقت الفتاة الى بيت الزوجية دون أن تعرف شيئاً عن الزواج، دون أن تكتمل جسدياً لتجيد دور الزوجة والأم.
تغرق ايمان يوماً في النوم حين يشب حريق في البيت بسبب إهمالها وترك مشعل من مشاعل الطباخ مشتعلاً. تستيقظ إثر اشتعال النيران في البيت، إنما لا تعرف كيف تتصرف وتواجه النار، ماذا عليها أن تعمل؟ تحمل دميتها وتهرب الى الخارج؟، و تنسى طفلتها النائمة في فراشها. . لحظة هروبها مسرعة من البيت الى الشارع، تموت هي أيضاً على إثر حادث سيارة - في تلك الأثناء - كما ماتت صغيرتها بين النيران داخل البيت. انتهت حياة إيمان وطفلتها، ماتت والدتها حزناً لفقدان الابنة الوحيدة، أما الأب فدخل في عزلة الناسك ليقضي ما بقى من عمره في خدمة الجامع شعوراً منه بالتكفير عن الذنب.
ويعتبر الزواج من القاصرات إحدى المشكلات الاجتماعية التي تواجه الفتيات في العراق حيث تسود "القوانين" العشائرية أجزاء كبيرة منه، المجتمع الريفي تحديداً. فهو، أي الزواج من القاصرات، بالإضافة إلى السند العشائري- الاجتماعي، يستند إلى الجانب الشرعي أيضاً ،الذي جوّز مَن بلغت التسع سنوات في كافة المذاهب الإسلامية قياساً إلى زواج السيدة عائشة، بشرط عدم الدخول عليها ، ويحق له الاستمتاع بالصغيرة ماعدا الدخول حتى تطيقه.
وتبيّن المصادر القانونية، إن سن التكليف الشرعي الذي أقره القانون المرقم (188) لسنة 1959 المعدل وفقاً للمواد (7,8,9,10) والذي حدّد سن الزواج عند سن الثامنة عشرة وجوّز الزواج في سن الخامسة عشرة بشرط موافقة الولي وتوفر القابلية البدنية، وخلافاً لذلك يعاقب القانون الزواج بالإكراه بالحبس ثلاث سنوات أو الغرامة أو أحدهما والحبس لمدة 6 أشهر وتمتد الى سنة في حال إتمام الزواج خارج المحكمة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top