وجهة نظر: رسالة لأمانة بغداد ووزارة الثقافة .. متى يُنقل تمثال المتنبي

وجهة نظر: رسالة لأمانة بغداد ووزارة الثقافة .. متى يُنقل تمثال المتنبي

نوزاد حسن

لتمثال المتنبي حكاية ربما أكون تطرقت اليها في مناسبة سابقة,تحدثت فيها عن الرحابة البسيطة التي لا بد ان تحيط بتمثال يمثل رمزاً من رموز الثقافة.إذ لا يجوز أن ننسى الخطوة الأخيرة من حياة أي عمل فني فلا نفكر في الجهة التي نسوق إليها هذا العمل الذي قد يكون كتاباً أو تمثالاً أو حفلاً موسيقياً.هل يعقل أن نقيم حفلاً موسيقياً لمجموعة من الصم,أو نوزع المئات من الكتب على قرية لا يوجد بها متعلمون.القياس نفسه ينطبق على تمثال المتنبي الموضوع في نهاية شارع المتنبي.وفي كل مرة اقترب من المتنبي وهو يقف رافعاً يده أفكر في عنصر الرحابة المفقود تماماً في وضعه في هذا المكان بالذات.وأعني بالرحابة انفتاح المكان على أكثر من رؤية واكثر من زاوية.اذن كيف زحف التمثال الى هذه النقطة التي تشبه المنفى القسري.
لم أفهم الرسالة الفنية لهذا العمل الفني على الاطلاق.وقد أعود لمناقشة فكرة التصميم التي اظهرت المتنبي وافقاً وكأنه ينشد قصيدة رافعاً يده بحماسة واضحة.لأترك هذه المسألة الآن ، وانتقل الى الحديث عن سبب وضع تمثال المتنبي على كورنيش نهر دجلة.في البداية ربما يقال إن بغداد لم تعد مؤهلة لاستقبال تمثال واحد.هذا كلام قد يقال على سبيل النكتة ومع ذلك يظل التساؤل المحير عن سبب القاء هذا العمل الفني في مكان يطل على نهر جميل كدجلة.لو إننا سألنا هرمان ملفل كاتب رواية موبي ديك عن رأيه في مكان وضع تمثال المتنبي لأندهش من هذه العلاقة الغريبة بين تمثال وكورنيش محدود المساحة وقد لا يجوز تسميتها بالكورنيش إلا مجازا.سيقول هرمان ملفل العاشق للأنهر:التأمل الميتافيزيقي والنهر شيئان متشابهان.وسيقول ملفل لأمانة بغداد:ياامانة بغداد أخطأت فكورنيش أي نهر هو من حصة النهر والناس.ومن الجنون تشويه حضور النهر بهذه الصورة.إذن لنكمل مشوار الخيال في تقليب قضية وضع تمثال شاعر عظيم على كورنيش نهر جميل.
لا أشك في أن كورنيش أي نهر هو فرصة جمالية لا تعوض أبداً لو خسرها الإنسان.إن جلسة فردية هادئة نواجه بها أمواج تتراقص لامعة كالفضة المذابة,ومراقبة الغيوم,وجسر الشهداء المقوس إضافة الى شريط البنايات الصامتة المغلفة بسكون على الضفة المقابلة.كل هذه التفاصيل تعطيني أنا بالذات نوعاً من تمرين روحي أنسى فيه بشكل كامل أي هواجس عقلية داخلية.إن هذا أفضل ما يمكن أن يحصل عليه أي بوذي في هذا العالم.إن مواجهة دجلة بقلب مفتوح يعني أن العقل الذي يشتعل في رؤوسنا قد توقف وانطفأ.وهذا ما كان يفعله بوذا.حالة السكون التي لا يكون الإنسان فيها خاضعاً لأفكاره ومخاوفه وهواجسه.العقل يصمت ويصاب بخرس,وتتكسر الاستنتاجات والتحليلات البائسة.وتتوقف كل أحكام القيمة التي تتحول الى قوانين صارمة تتحكم وتتلاعب بنا.كل المنظومة العقلية تتوقف.تهدأ الروح حين يسقط شعاع الشمس الفضي مانحا الماء المثقل بالطمي لونه الفضي.الله يا لهذا المشهد الجميل الذي يسحبني من عقلي اليه,فيفور تخيلي كقدر.أحس برحابة المكان,وبألم خفي خالق ينقذني من تفاهة الروتين والمعلومات الجاهزة واليقين البارد البعيد عن دفء الإيمان كما نشأ في لحظاته الاولى القديمة.مواجهة النهر في لحظة صفاء تدفعنا للتمارين الروحية حيث يسقط العقل بكل غروره فينا.ومن هنا أقول أن بغداد تضم أحد أحمل طقوس البوذية حيث النهر الذي يفتح لنا نافذة التخيل الواسعة فنحس باننا تغيرنا قليلاً.وإننا انتصرنا على قانون العقل العنيف في داخلنا.
على ضوء ما قلت سنكون أمام نتيجة خطيرة وهي إن الرحابة مفقودة تماماً بسبب وضع أي تمثال في المكان الخطأ.إن مشكلة وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب تشبه وضع تمثال مهم في مكان غير ملائم له.صفقة معقدة للغاية.ولا أحد أشار لذلك الوضع الغريب حيث التمثال يسرق منا لحظة هدوء بوذية,وحيث النهر ينافس حضور التمثال.شخصياً أقف ثوان معدودة أمام المتنبي,ثم أجلس وحيدا في مواجهة النهر العظيم وكأني سأعود بعدها الى زنزانة منفردة لن أرى فيها النور أبداً.
الرحابة عنصر الفن والروح بكل تأكيد.واذا ما تعاملنا مع عناصر المكان بلا مبالاة فسنقتل جمالية الفن ونزيد الفوضى من حولنا.وعلى هذا الأساس أوجه كلامي لأمين بغداد,او لوزارة الثقافة أن تقوم بخطوة جادة وتبادر الى نقل تمثال المتنبي الى مكان أفضل.واقرب نقطة تليق بهذا التمثال هي تقاطع مدينة الطب,وهو قريب جداً من شارع المتنبي.هناك في المكان الجديد سيحصل المتنبي على رحابة مليئة بضوء غامر.وستراه الأعين من الجهات الأربع.واذا ارتفع التمثال وسط حديقة مزروعة بعناية فستتكامل عناصر الصورة جمالاً,وسيكون الفضاء المفتوح الخالي الآن مكاناً فنياً,ومعلماً مهماً كما هو الحال عند التقاطع الذي يوجد فيه تمثال الرصافي.ولو تخيلنا درجة التناسق بين ساحة الرصافي وساحة المتنبي المفترضة طبعاً أي تقاطع مدينة الطب فسنحصل على لمحة فنية مبدعة تتناغم عناصرها.وسندع لدجلة طقسه الذي لا يشتته صخب الكثيرين الذين يأتون الى كورنيش دجلة لالتقاط الصور عند تمثال المتنبي متجاهلين طقس النهر وعلاقة الفرد الباحث عن لحظات حقيقية ينتصر فيها على عقله.لذا أقول ليبادر من هو مسؤول في أسرع وقت لنقل التمثال من مكانه الحالي الى تقاطع مدينة الطب لترك دجلة تأخذ حصتها من متعة التأمل العفوي الذي يفضل أن يقوم به هواة تنقية الذات من هواجس العقل الصاخبة.
هذه هي رسالتي الشخصية كعاشق لتفاصيل الحياة البغدادية التي علينا أن نحرص عليها ونسعى الى تجميلها.وهذه الرسالة مناشدة لأمانة بغداد أو لوزارة الثقافة إن كانت معنية بالأمر.المهم أن نصحح الوضع الخطأ.وإذا كنا لا نستطيع أن نضع الرجل المناسب في المكان المناسب فلنضع التمثال في مكانه المناسب ولا أظنها مهمة صعبة ولا مستحيلة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top