خيارات وفرص تجاوز العراق لمنظومة العقوبات الأميركية المنفردة المشدّدة على إيران

آراء وأفكار 2019/04/28 12:00:00 ص

خيارات وفرص تجاوز العراق لمنظومة العقوبات الأميركية  المنفردة المشدّدة  على إيران

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

مع اقتراب موعد انتهاء مهلة الثلاث أشهر التي حددتها واشنطن للعراق في ديسمبر 2018 لتمديد فترة التعامل العراقي مع إيران بشأن توريد الغاز الطبيعي والكهرباء وتعاملات تجارية – مالية أخرى تتصاعد التساؤلات حول عما إذا كان العراق مشمولاً بالعقوبات الأميركية أم لا ؟ كذلك ماهي المخاطر المحتملة التي تحيق وتحيط بالدولة العراقية تجاه عدم الالتزام بالمدة المحددة وماطبيعة التداعيات التي سيتحملها العراق في الفترة القادمة؟ وهل بإمكان العراق أن يخرج من عنق الزجاجة؟ . رسمياً أشار الاستاذ عادل عبد المهدي رئيس الوزراء العراقي إلى أن المسألة في مضمونها لاتنطبق على العراق حيث أن البيان الأميركي المعلن يتحدث عن منظومة التعاملات النفطية والعراق وليس الغاز أمر أكده وزير النفط ونائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة .كما الاستاذ عبد المهدي قد أكد من جانبه بأن العراق ليس ولن يكون طرفاً في أي نزاع بين إيران والولايات المتحدة موقف سبق أن كرره مراراً مضيفاً "إن شعب العراق عانى من الحصار ويدرك الضرر الذي يلحق بالشعوب من جرائه، ولن يكون العراق جزءاً من منظومة العقوبات ضد إيران أو أي شعب آخر". موقف عارضه فيه رئيس الوزراء العراقي السابق الدكتور حيدر العبادي حيث أكد في أغسطس /آب إلى أنه "مضطرللالتزام بالعقوبات الأميركية رغم عدم تعاطفه معها". مذكراً بإن "بلاده عانت من 12 عاماً من الحظر الدولي". من هنا ، أهمية المناقشة الموضوعية والواقعية لهذه القضية الحرجة وتداعياتها التي تعكس في أحد جوانبها المهمة مدى تباين المواقف العراقية "الرسمية والشعبية "خاصة إذا لم تتخذ تجاهها الخيارات المناسبة المجدية مع تماهل في انتهاز الفرص الثمينة لوضع بدائل استراتيجية حقيقية حيث ستنتهي المدة الضاغطة أميركياً ربما بمزيد من النتائج السلبية والضرر بالاقتصاد العراقي الذي يعاني أصلاً من تركة إقتصادية ومالية ثقيلة انعكست سلباً بمجملها على حياة المواطنين العراقيين بل واضحت تشكل تطوراً خطيراً يهدد بإنحراف مسار التقدم ، كما أنه يؤثر سلباً على نوعية وجودة حياة العراقيين. أما من المنظور الأميركي فإن إدارة الرئيس الأميركي ترامب سبق لها - عقب إنسحابها من إتفاق الملف النووي المعروف بالخطة الموحدة الاجرائية الشاملة JCPOA - أن أعلنت حزماً جديدة من العقوبات الشديدة على أيران استهدف في المرحلة الثانية الشديدة الوطئة "قطاع النفط ، المصارف ووسائل النقل الايراني". ضمن هذا السياق أرسل الدكتور العبادي وفداً إلى واشنطن مهمته عرض إطارعام للطلب العراقي يتم التفاوض حوله يوضح حاجة العراق الفعلية من إيران في قطاع الطاقة الكهربية وللغاز الطبيعي مع تبيان أهمية العلاقات التجارية "المقصود ربما ملف السياحة الدينية" حيث يزور العراق مايقارب من 2-3 مليون حاج إيراني وأعداد مهمة أخرى كبيرة من الزوار العراقيين بالمقابل تزور إيران سنويا . الأمر الذي يستوجب إستثناءً موقتاً للعراق من منظومة العقوبات الاميركية على إيران . نتيجة لذلك أعرب الموقف الدبلوماسي الاميركي في المقابل عن تقديره وتثمينه للعراق كونه صديقاً وشريكاً بل وحليفاً ستراتيجياً تسعى الإدارة الاميركية للحفاظ على استقراره ورخاءه. الشيء الذي يجب معرفته أيضاً أن مصالح الولايات المتحدة الحيوية مع العراق حيوية ترجع إلى توقيع إتفاقية الشراكة الستراتيجية في نهاية عام 2011 (عهد الرئيس اوباما) . كل هذه التطورات استوجبت استثناءه مؤقتاً من تطبيق العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران لمدة 45 يوماً تلتها 90 يوماً أخر مدة سماح أخيرة . سياق مهم ولاشك يعرفنا بإن دولاً أخرى على رأسها الصين ، الصين الوطنية ، اليابان ، كوريا الجنوبية ، ايطاليا ، اليونان ، تركيا والهند كلها منحت جميعا استثاءات مماثلة ستنتهي قريباً جداً في الصيف القادم ، علماً بإن بعض هذه الدول وكنتيجة للضغط الاميركي الكبير قد اوقفت فعلياً قبل فترة قريبة كل تعاملها النفطي مع ايران مثل ايطاليا واليونان والصين الوطنية ، أما الدول الاخرى التي لازالت مستمرة بتعاملها مع إيران تجارياً فهي الصين واليابان والهند .أما عند النظر لمصالح الطرفين العراقي والاميركي فإننا نجد أنها تمثلت بعقد إتفاقيات ومواثيق سمحت لواشنطن "بحماية الأموال العراقية في الخارج، بالاضافة إلى الجانب الأمني والغطاء الجوي الحيوي الذي وفّره التحالف الدولي للعراق عند حربه الضروس ضد داعش خلال الأعوام السابقة". في إطار أخر مقابل يجب معرفة مدى عمق حجم الترابط العراقي - الايراني . في هذا الإطار للمسألة أبعاد ومظاهر شمولية مهمة جدا شملت أوجهاً وجوانب سياسية – أمنية – تجارية واقتصادية على رأسها ملف الطاقة ( توريد الكهرباء والغاز الطبيعي ). إن قيمة المصالح التجارية المتبادلة بين الطرفين العراقي والإيراني وصلت حالياً إلى 12 بليون دولار ومن المفترض أن تتصاعد قيمتها إلى 20 بليون دولار في المستقبل القريب. جانب من الردود العراقية تجاه المقاطعة الاميركية الموجهة إلى ايران تضمنت تأكيد وزير الخارجية العراقي السيد محمد علي الحكيم على ان "عقوبات الولايات المتحدة الاميركية هي إنفرادية وليست ملزمة للعراق طالما افتقدت السمة الدولية وبالتالي فإن العراق ليس مجبراً الالتزام بها. هذا وفي الاونة الاخيرة ومع تصاعد ردود الافعال من الطرفين العراقي والأميركي اكد وزيرا النفط والكهرباء العراقيين بإن العقوبات الاميركية مركزة على النفط الايراني فقط ولاعلاقة لها بتوريد الغاز الايراني إلى العراق الذي لايدخل في إطارها مطلقاً لإن العراق دولة منتجة ومصدرة للنفط . علما بإن التأكيد الرسمي العراقي أشار أيضاً إلى أهمية الجهود العراقية المستمرة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي عبر مرحلة زمنية تصل إلى أربعة سنوات قادمة. إحدى مشكلات تنمية الاقتصادية بل والإنسانية تتمثل في كيفية تنويع مصادر الطاقة على الشعب العراقي خاصة وإن الموارد النفطية اقرت دستورياً كونها ملك للشعب العراقي . إن خبراء العراق في مجال تنوع مصادر الطاقة بشكلها التقليدي وغير التقليدي هم الآن أمام مسؤولية وطنية تاريخية ومركز صعب إقتصادياً ومالياً معه بجب أن تتبلور بشكل واضح وصريح رؤية ستراتيجية معمقة توضح طبيعة الخيارات والفرص المستقبلية . علما بأن العراق في يومنا الحالي بحاجة لكل المقترحات المفيدة لتطوير صناعاته النفطية وغير النفطية بصورة تنم عن تنوع في الإمكانات والقدرات. ما يزيد الأمر توتراً وقلقاً في العراق إحتدام النزاعات الدولية خاصة على المصالح ومناطق النفوذ ومنها بشكل خاص في منطقتنا الحيوية جيوسياسياً - إقتصادياً. من منظورمكمل يمكن الأشارة إلى تصريح مهم لوزير الخارجية العراقي يتناول إمكانية استمرار العلاقات الوثيقة المتمثلة بتنمية التجارة العراقية – الايرانية المتبادلة من خلال إعتماد آلية مالية تستند إلى التعامل بالدينار العراقي مع الرغبة بتأسيس صندوق مالي للمبيعات مع إيران. السؤال هل هذا الأمر مُجدٍ وقابل للتطبيق ؟ صورة قد لا تكون مماثلة كلياً أو نسبياً للتعامل الاوروبي مع إيران حيث تمكنت الدول الاوروبية من التعامل الاقتصادي مع إيران دون خضوع كبير جداً للضغط الاميركي. ولكن تعاملها يفترض أن يتم من خلال "عملة اليورو" وهي مسألة مختلفة عن التعامل بالدينار وبالتومان الايراني. السؤال هل تستطيع الدول المعارضة للنهج الاميركي أن تسلك سلوكا يعبر عن إرادات قوية مستقلة ، الجواب ليس هيناً ولكنه يؤكد بإن الجميع لا ينطلقون من مواقف ورؤى ستراتيجية محددة ومصالح واضحة ولكنهم جميعاً وبدرجات متباينة شهدوا بإن سياسات ترامب أضحت تثير مشكلات بل وأزمات في العلاقات الدولية هم في غنى عنها خاصة في منطقتنا الجيوسياسية –الاقتصادية . سياسات كان يمكن حلها من خلال التفاوض واعتماد الدبلوماسية السلمية الناعمة أو الذكية إن صح التعبير "تجمع بين الدبلوماسية الصلبة والناعمة" مايوفر إعتماد الخيارات الملائمة وتحويل التحديات إلى فرص للوصول لمعادلات للقوة وللشراكة يمكن أن تكون أجدى من مواجهات ليست مجدية في وقت نحن في العراق وفي المنطقة بأمس الحاجه للامن والاستقرار وللازدهار. مسألة أخرى لها إنعكاسات في الغالب سلبية على الواقع العراقي ترتبط بموقف أميركي أخير بجعل الحرس الثوري الإيراني منظمة ارهابية محظورة ما صعد مؤخراً من حدة التوجهات الأميركية – الإيرانية التي حملت وتائر أو نذر مواجهة محتملة (ليست بالضرورة عسكرية) وبالتالي إمكانية تنامي التوترات المقلقة لمنطقتنا الشرق أوسطية – الخليجية وإنعكاسها سلباً على العراق ذاته. من التخوفات أن يشمل الحشد الشعبي برمته –مؤسسة رسمية أقرّها تشريع البرلمان العراقي – بمنظومة العقوبات الاميركية كونه أي "الحشد" متعاطف بشكل عام مع مصير منظمة الحرس الثوري الاسلامي الايراني . هنا ، أيضاً لانجد للحكومة العراقية رؤى ستراتيجية تبين مسار الطريق القادم الذي يجنّب العراق المزالق المحتملة . من الصحيح القول في نهاية المقال بإن خيرات وإمكانات العراق مهمة وكبيرة بل ويجب أن تتسع وتتعمق جذرياً من خلال تنويع مصادر الطاقة وتعظيم خيارات استخدام الموارد وعلى رأسها موارد المياه والطاقة والبيئة النظيفة بصورة تدر مكاسب للعراق ولشعبه أي يتم تسخيرها كليا لخدمة ومنفعة الشعب المكابد الذي يعاني بصورة مؤسفة ومؤلمة جدا من استمرار الفقر والعوز والمرض ، ولكنها جهود رسمية حتى الآن متواضعة جداً لم تؤخذ معنى ستراتيجي مستدام واضح في التفاصيل والرؤى والاهداف ما يعطينا نتائج إيجابية ضئيلة وغير مرضية شعبياً للغالبية من شعبنا . كل ذلك سيستمر طالما كانت حكوماتنا بعيدة عن إعتماد "نهج الحكم الصالح الراشد أو الرشيد" الذي يفترض أن يعنى كثيراً وبشكل مستمر بمتابعة سجل حقوق الإنسان وحرياته الاساسية وبتطبيق نهج العدالة الاجتماعية في ظل حكم القانون بشكل صارم على كل مخرب ومفسد . كلما نجح العراق حكومة وشعباً بتخطي وتجاوز المعوقات ومواجهة التحديات بصورة محسوبة زمنياً وفي إطار من الشفافية والرقابة المستمرة والمحاسبة القضائية لحالات الفساد كلما أمكن إنتاج حلول واقعية ناجعة ستمكن العراق من السيرعلى السكة الصحيحة للتقدم والنجاح والازدهار . المسألة ليست مجرد آماني من أمثلتها مثلاً القول بإن مجرد زيادة في إمكانية العراق زيادة إنتاجه النفطي إلى 6.5 مليون برميل يوميا ستعود بمكاسب على شعبنا في حين أن معدلات النمو لازالت واطئة جداً هذا من جهة و التنمية الإنسانية في شتى حقول وميادين الحياة لازالت غير متحققة بعد بكل المقاييس والمؤشرات الدولية من جهة أخرى. أخيرا لابد للعراق من دولة مدنية بعيدة عن كل انواع المحاصصة والمنازعات العاشرية الدامية التي تؤخر كثيرا "بناء عراق جديد" يلعب دوراً فاعلاً ومؤثراً إقليمياً ودولياً.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top