سؤال التنوير..العلم الجديد يعيد نظرة الإنسان إلى الكون والحياة

سؤال التنوير..العلم الجديد يعيد نظرة الإنسان إلى الكون والحياة

|   الحلقة 19   |

 علــي حســـين

الفلسفة تعني دراسة الحكمة ، ونحن لا نعني بالحكمة التحوط في الامور العامة فحسب، وانما ايضا المعرفة التامة بكل الاشياء التي يمكن للمرء ان يعرفها "
رينيه ديكارت


في مساء شتوي من أماسي شهر تشرين الثاني عام 1619 ، كان مستلقياً على ظهره في غرفة دافئة ، مشغول البال بتعاليم أرسطو التي اكتشف إنها لم توصله الى الحقيقة ، أتمّ العشرين من عمره ، قبل عام التحق بجيش الأمير موريس دي ناسو لكي يحارب ، إلا أن الحياة العسكرية قد أتعبته ، وفي أثناء وجوده في بلدة بريدا جنوبي هولندا أثار انتباهه إعلان مكتوب باللغة الهولندية يتضمن مسألة تتطلب حلاً . ولما كان لايعرف الهولندية فقد طلب إلى شخص يقف الى جواره أن يتفضل بترجمته له ، وقام ذلك الشخص بقراءة الإعلان وهو يسأل رينيه ديكارت ، إذا كان يستطيع حل المسألة ، فطلب ديكارت من محدثه أن يمهله يوماً ، وفي اليوم التالي كانت الإجابة الصحيحة معه ، كان الرجل الذي قرأ له الإعلان يعمل طبيباً اسمه " ايزاك بكمان " مولع بالمسائل العلمية مغرم بكوبرنيكوس ، يسعى لبناء فلسفة ميكانيكية تكشف أسرار الكون يردد بأن " الله قد بنى كل الطبيعة بحيث يجعل فهمنا لها .. يمكن أن ينفذ بالكامل إلى كل الأشياء على الأرض " وسرعان ما أصبحا ديكارت وبكمان ، صديقين حميمين . ولقد عبّر ديكارت لصديقه عن اعترافه له بالجميل ، إذ أنقذه من الفراغ الذي كان يضيق به في حياة الثكنات فكتب له في إحدى رسائله : "لقد كنت في الحقيقة الشخص الوحيد الذي أيقظني من سباتي، إذ قد أثرت في نفسي معرفة كادت تغيب عن ذاكرتي ، ولقد وجهت تفكيري إلى تأملات هامة سامية كنت قد ابتعدت عنها . فإذا صدرت عني إذن معلومات ذات قيمة فإن من حقك على أن تطالبني بها ، ولن أتردد في إطلاعك عليها وذلك بقصد إفادتك منه أو تصحيحك لما أعوج فيها". كان ديكارت مقتنعاً بأفكار كوبرنيكوس حول العلاقة بين الأرض والشمس كما تحدث مع بكمان عن الحركة ، وسقوط الأشياء ، وآمن بأنه يمتلك مهمة ليقيم منهج التحليل الرياضي كمفتاح لكل معرفة . وهو يخبرنا إن تلك المهمة جاءت إليه في الحلم ، عام 1619 وقد فسرها على إنها وحي مقدس لمهمته في الحياة : كشف النقاب عن العلم الذي سيساهم في تطور البشرية ..وقد سعى من خلال هذه المهمة الى التشكيك بكل سلطة فكرية خارج العقل المفكر " أنا أفكر ، إذن أنا موجود ، فالواجب الأول للمهتم بالعلم هو أن يبحر في رحلة فكرية طويلة تبدأ بالشك وتنتهي بتأكيد الذات .
ولِد رينيه ديكارت في الحادي والثلاثين من آذار سنة 1596 في مدينة صغيرة شمال غربي فرنسا ، لم يكن ينتسب الى عائلة من العلماء . جده لابيه ووالد جده كانا طبيبين . غير أن أباه كان محامياً ، وقد اخبرنا ديكارت في كتابه " مقالة عن المنهج " إن أمه توفيت بعد أيام قليلة من ولادته بسبب إصابتها بالتهاب في الرئتين ، ويقول ديكارت عن والدته : "لقد ورثت عنها سعالاً جافاً وبشرة حائلة اللون لازماني حتى سن العشرين ، وحملا جميع الأطباء الذين رأوني قبل تلك الفترة على الاعتقاد بأنني سأموت في سن صغيرة" . ولهذا تولت تربية رينيه في منزل الأسرة مربية حفظ لها دائماً حباً عميقاً . وقد سلمه والده الى مربية منعته من الاختلاط بالأطفال واللعب معهم ، فنشأ نتيجة هذه العزلة بمزاج أنثى ، رقيقاً ميالاً الى العزلة ما جعل أباه يناديه ساخراً :"فيلسوفي الصغير" ، ولما بلغ الثامنة من عمره أدخِل المدرسة وكان والده يريد له أن يدرس الأدب ، إلا أن الصبي سرعان ما أصيب بخيبة أمل فانتقل من دراسة الأدب إلى دراسة المنطق والطبيعة والميتافيزيقا ، وأولى دراسة الرياضيات اهتمام بالغ ، وفي سنة 1612 ترك ديكارت المدرسة وقد تعلم اللغة اللاتينية والرياضيات ، أما فيما يخص بقية المواد فيقول عنها:" "لقد وجدت نفسي في ضيق بكثير من الشكوك والأوهام التي اتضح لي إنني لم أجن من محاولة تعلمها أية فائدة إلا اكتشافي لجهلي اكتشافاً تدريجياً" . ولكن ديكارت قد اتجه مع ذلك لدراسة القانون وحصل على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف ، كما درس في نفس الوقت شيئاً من الدراسات الطبية . وفي سنة 1616 سافر إلى باريس نزولاً على رغبة والده الذي كان يود الحاقه بالسلك العسكري ، وبعد عامين سيسافر الى هولندا ، وسيواصل رحلاته الى ألمانيا والدنمارك ، وفي تلك السنوات سيلتقي " إليزابيت" ابنة الامبراطور فريدريك الخامس ، كان ديكارت قد بلغ في الثامنة والأربعين من عمره ، تمكن من شراء بيت ريفي بالقرب من مدينة ليدن ، وكان سكان القرية يشاهدونه يجلس طوال الوقت وهو يتأمل ، وفي سجلات المدينة جاء وصف للفيلسوف الشهير :"كانت ملامحه تنم عن هيئة فيلسوف قصير القامة ، نحيف الجسم ، ضخم الرأس ، شعره مرسل ، يكاد يبلغ حاجبيه ، لحيته سوداء فاحمة ويلف رقبته بوشاح يقيه من البرد ، يلبس سترة داكنة وسرولاً قصيراً وجوارب سوداء طويلة ، وقد جعله الخوف من المرض يدثّر جسمه بالكثير من الملابس"..بعدها سيعود الى فرنسا حيث يقيم في باريس ونجده ينشغل بالرياضيات وعلم الانكسار الضوئي . .بعدها سيعود من جديد الى هولندا ، وسيكتب في إحدى رسائله الى اليزابيت إنه انتهى من كتاب سيهديه الى العلماء حصراً ، وكان بعنوان " "رسالة في العالم" الذي فرغ منه سنة 1633 وكان عليه نشر الكتاب عندما فوجئ باتهام محكمة التفتيش لغاليليو ، ففضل ألا ينشر رسالته ، خوفاً من التعرض لغضب الكنيسة ، لأنه – هو أيضاً كغاليليو – قد أثبت بالبرهان دوران الأرض حول الشمس ، وكانت هذه الحركة ، أي حركة الأرض حول الشمس – " متعلقة بجميع أجزاء الرسالة – كما يقول في كتاب له إلى صديقه الأب مرسن :" وجدت إني لا أستطيع فصلها منها دون أن يؤدي ذلك الى نقص الرسالة نقصاً كبيراً . ولكن لما كنت لا أرغب قط في شيء قدر رغبتي في ألا يصدر عني موضوع تستهجن الكنيسة ولو كلمة واحدة منه ، فضلت أن ألغي الكتاب جملة ، بدلاً من نشره في صورة مبتورة .. إذ لو كانت حركة الأرض غير صحيحة ، فأن أسس فلسفتي كلها ستكون غير صحيحة كذلك ، لأن هذه الأسس تؤدي إلى البرهنة على وجود هذه الحركة بشكل لا لبس فيه " . ولكن ديكارت عدل مع ذلك عن حرق مخطوطه ، إذ لم يفقد الأمل على حد تعبيره – "في أن كتابي عن العالم سيرى النور مع الزمن ، وذلك على غرار ما حدث لمؤلفات قديمة عن نقط التقابل الأرضية ، وهي المؤلفات التي اتهم أصحابها قديماً هذا النوع من الاتهام" . ولقد نشرت فيما بعد رسالة ديكارت عن العالم سنة 1677، واعتبرت اولى الصروح التي وضعت لبناء حركة التنوير الاوربية.
*********
لقد تمكن رجل واحد من القيام بعمل ألف رجل "
اينشتاين عن جيميس واط

قبل أن يصبح مشهوراً على نطاق العالم ، كان ابنا لتاجر اسكتلندي لم يحقق النجاح في عمله ،وابن أخ عمّين عرفوا بشغفهم بصناعة الآلات ، وفي دفتر يومياته الذي تركه بعد وفاته يسجل جيمس واط ، المولود في 19 كانون الثاني 1736 هذه الملاحظة : في مكتبة عمي عثرت على كتاب " رسالة الى العالم " لرينيه ديكارت " ، حيث سجل فيه الأدوات الفكرية والمفاهيم التي تعلمها من كوبرنيكوس وغاليلو "، وقد اعترف واط فيما بعد أن أفكار ديكارت ساعدت على أن يشق الإصلاح طريقه في انكلترا .كانت الجذوة الفكرية للثورة الصناعية بدأت مع كتابات ديفيد هيوم وجون لوك ، ومعهم حرفي في مكان مجهول ومدرس عصامي لن يعرف عنه شيئاً لولا ابن أخيه جيمس واط الذي أصبح مشهوراً ، والذي احتفظ بدفتر يومياته لوصف دقيق لعمه جون واط :" شاب جاء الى منطقة الشاطئ عام 1730 ، راغباً في تدريس الرياضيات ، والعمل على توجيه المراكب الشراعية باستخدام خطوط الطول والعرض ، والاهتمام بعلم الفلك ومسح الاراضي ، وصنع المجسمات الكروية و كان لديه إلمام بتعاليم كلبر وكوبرنيكوس ونيوتن والفلاسفة الميكانيكيين " ، كان علم الميكانيكيا الجديد الذي تطوّر في القرن السابع عشر ، قد تمّ تشكيله في كتب يدرسها طلبة الفلسفة ، وكان هذا العلم الجديد يعتمد على رؤية العالم – الهواء والماء والأرض – مكوناً من جسيمات تمتلك وزناً ولها قياسات ، وكان جون واط وأخوه توماس قد تعلما علم الميكانيكك الجدي\ بحيث قاما بوضع رسومات لاختراعات تهدف لاستخدامها في البحر لقياس المسافة التي تقطعها السفينة ، وتثبت اليوميات التي كتبها توماس واط ان عائلة واط كانت قادرة على التفكير بوزن الماء ، والتفكير بالجسيمات الأصغر للهواء كما تثبّت اليوميات إنهم قاموا بتمارين ليحددوا وزن الدخان الذي ينفثه إي جسم محترق ، وسنعرف إن جون واط نشر عام 1723 كتاباً عن مبادئ الميكانيكيا مملوءاً بالافتراضات العلمية وبالتعاريف عن السرعة ومركز الثقل ، ورغم إنهما درسا الميكانيك والرياضيات والفلسفة ، إلا أن أياً من العمّين واط لم ينجحا في تقديم اختراعات متميزة ، لكنهما استطاعا من خلال بحوثهم أن يوضحا الطريقة التي علينا أن نفهم فيها العلم وأيضاً مساهمتهما الجادة في الثورة الصناعية ، وفي سنوات 1780- 1790 كان الفرنسيون يعملون على وضع أسس لنظام تربوي جديد ، فيما كان الإنكليز يؤسسون في لندن لنهضة صناعية ويعملون على تجسيد الزواج بين النظرية والتطبيق ، كانت المدارس البريطانية تُدرس الرياضيات الاساسية مثل الجبر والهندسة ومسح الأرض وعلم الفلك ، وفي عام 1740 سنجد جيمس واط يعطي لابنه تعليمات حول دراسته قائلاً له إن " الهندسة والجبر مع علم الحساب هي أسس كل علم مفيد ، وبدون معرفة كاملة لها لا تكون الفلسفة سوى تسلية ، قاد واط ومعه مجموعة من الرجال الثورة الصناعية في بريطانيا ، وهي أول دولة تعرف التصنيع وتطوّر نظام المصنع. كانت ثورة يقودها التقدم العلمي ، واعتمدت على زيادات هائلة في الطاقة لتصنيع البضائع بسرعة كبيرة ونقلها على نطاق واسع. إن عالمنا الحديث المتطور صناعياً لا يمكن تصوره بدون طاقة – بل الكثير منها. وقد بدأ كل شيء بالبخار.
لم يخترع جيمس واط المحرك البخاري: فقد كان موجوداً منذ أكثر من مئة عام ، لكن النماذج الأولى كانت بدائية وغير أمينة وغير فعالة. ولهذا كان واط الشغوف بفلسفة ديكارت هو العقل المدبر وراء تحسين المحرك. نموذجه لم يوفر فقط الطاقة التي ساعدت بريطانيا على التصنيع ، بل قاد العلماء أيضاً إلى البحث في قانون الطبيعة الأساس. ساعدهم ذلك على رؤية أن الحرارة ليست مادة ، كما كان يعتقد لافوازييه ، بل هي شكل من أشكال الطاقة..

*********

" في القرن الثامن عشر اعتبر الفلاسفة إن كل المعارف الانسانية بما فيها العلم من اختصاصهم وناقشوا اسئلة مثل : هل للكون بداية ؟"
ستيفن هوكينغ

يقال دائما إن فلسفة العلوم في فرنسا بدأت مع ديكارت ومن بعده بليز باسكال ، الفيلسوف الذي تحول في اواخر حياته من العلوم الى دراسة اللاهوت ، كان باسكال المولود في التاسع عشر من حزيران عام 1623 ، مريضاً ، وفي اللوحات الفنية التي رسمت لوجهه ، يبدو متعباً عيناه دامعتان ، ينظر الى الأفق بحزن، غير إنه حقق الكثير في وقت قصير. أصبح باسكال عالماً بتشجيع من أبيه، واشتغل على الفراغات و صمم مقاييس الضغط الجوي. في سنة 1642، اخترع آلة حاسبة ميكانيكية كان بإمكانها الجمع و الطرح باستعمال قلم لتحريك أقراص مرتبطة بمعدات معقدة ، صَنع هذه الآلة لمساعدة أبيه في تدبير الحسابات. وتعتبر هذه الآلة إحدى أوجه تقدم العلوم التطبيقية. إنها فعلاً اكتشاف جدير بالاهتمام، فهو الذي أوصل الإنسانية إلى الحاسبات الحديثة وما يمكن أن تصل إليه في المستقبل. فقد وضع تصميمها ونفذ أول نموذج منها سنة 1642 واستمر بعد ذلك لتسع سنوات في تطوير آلته، بالإضافة إلى كونه كان عالماً و مخترعاً، فقد كان عالم رياضيات عظيم. كانت أفكاره الرياضية الأكثر إبداعاً هي أفكاره حول حساب الاحتمالات. لكن الناس سيتذكرونه كفيلسوف مثله مثل ديكارت ، الذي أدرك منذ البداية أن الاحتياج العظيم في الفلسفة هو صياغة منهج دقيق للبحث ، ولأنه كان مولع بالرياضيات منذ الصغر ، فقد انتهى الى إنه يمكن ابتكار منهج للفلسفة يشبه المنهج الذي يستخدم في الهندسة ، وفي كتابه " مقال عن المنهج " يضع لنا وبطريقة مبسطة أربع قواعد يحددها كالاتي:

1- لا أقبل شيئاً على أنه حق ، ما لم أعرف بوضوح إنه كذلك ، أي يجب أن أتجنب التسرّع وعدم التشبث بالأحكام السابقة ، وأن لا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل لعقلي في وضوح وتركيز يزول معهما كل شك".
2- أن أقسّم كل واحدة من المشكلات التي أبحثها الى أجزاء كثيرة بقدر المستطاع وبمقدار ما يبدو ضرورياً لحلها على أحسن الوجوه".
3- أن أرتب افكاري ، فابدأ بالامور الأكثر بساطة وأيسرها معرفة ، حتى أصل شيئاً فشيئاً ، أو بالتدريج إلى معرفة أكثرها تعقيداً ، مفترضاً ترتيباً حتى لو كان خيالياً بين الأمور التي لايسبق بعضها بعضاً".
4- أن أعمل في جميع الأحوال من الاحصاءات الكاملة والمراجعات الشاملة ما يجعلني على ثقة من إنني لم أغفل شيئاً .

لقد كانت صياغة المنهج بالنسبة لديكارت خطوة أولية وأساسية ، فقد كان يطمح إلى اكتشاف ما عساها أن تكون معرفة الأشياء الموجودة التي يمكن بلوغها باليقين ، وكان يعتقد إن الكثير من المعلومات التي حصل عليها زائفة ، ولم تكن لديه وسيلة لتميزها ، حتى وجد منهجاً خاصاً به ، وعندما أصبح لديه منهج بادر باستخدامه في التأمل الأول من كتابه التأملات ،حيث شرع في الشك في كل شيء يمكن الشك فيه ، لكي يكتشف ما هو على يقين منه بصورة مطلقة ، لأنه لايستطيع أن يشك فيه بدون أن يفترض وجوده ، لقد وجد إن الحواس تخدع الإنسان باستمرار ، ولذلك من الأفضل عدم الثقة بها ، لقد تذكّر إنه حلم في ليلة إنه يرتدي عباءته ويجلس قرب النار ، بينما كان نائماً في فراشه ، فربما يكون يحلم الآن ، وقد لايكون على الإطلاق في المكان الذي يفترض نفسه فيه في الواقع ، لذلك وجد ديكارت إنه من الممكن نظرياً الشك في شهادة حواسه ، وذاكرته وأفكاره ووجود العالم الخارجي ، لكنه وجد شيئاً لايمكن الشك فيه ، وهو واقعة وجوده الخاص :"أنا أفكر إذن أنا موجود" ، ويسأل ديكارت بعد ذلك "ما عساي أن أكون ؟" وإجابته إنه شيء يفكر ، أعني شيئاً يشك ويفهم ويتصور وينكر ويريد ويرفض ويتخيل ويشعر، إن الذي يفعل ذلك كله لا بد أن يكون نفساً أي جوهراً روحياً يكون التفكير صفته الأساسية ، فلا يمكن أن تكون هناك أفكار بدون مفكر ، ولايمكن لصفة مثل التفكير أن توجد ، إذا لم يكن هناك جوهر يلازمها .

قال أينشتاين وهو ينظر الى صورة رينيه ديكارت المعلقة بمتحف اللوفر " كنت أراه ينظر إليّ بعينين مثقلتي الجفون في تحفظ وبشيء من الكبرياء ، والابتسامة المرتسمة على شفتيه ابتسامة سخرية وازدراء صادرة عن رجل مهذب ، فكيف أمكن لهذا الرجل أن يصوغ فلسفة العالم الحديث الذي نعيش فيه " . كان لدى ديكارت ازدراء خاص تجاه الفلسفة ، ويقول إن الفلاسفة المتنافسين يناقضون بعضهم بعضاً دون سند من يقين في أي من الجانبين ، والفلاسفة يجهلون الرياضيات والعلوم ويؤسسون حججهم المنطقية على مراجع قديمة ، والنتيجة إن الفلسفة على نحو ما يدينها ديكارت : "ظلت تدرس لقرون طويلة من قبل أبرز العقول دون أن تأتي بشيء لم يكن موضع خلاف" . ولم يكن ديكارت يطلب الاهتمام بدراسة الفلسفة بل كان يطلب الحقيقة والتخلص من المعتقدات الزائفة حتى يتمكن من الوصول الى الحقيقة :"كانت لديّ رغبة شديدة في تعلم كيفية التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف ، حتى أتبين ما يجب أن أفعل ، وأكون قادراً على أن أسلك طريقي في هذه الحياة بثقة وطمأنينة" ونجد ديكارت يستخدم عقله فقط كأساس للإيمان بأي شيء ؟ ، ومن هنا يبدأ، ومن خلال الفلسفة بالإطاحة بكل المعتقدات والانفصال التام عن عالم العصر الوسيط الذي أراد ديكارت لأوروبا أن تسدل الستار عليه .
ويمكن القول بأن الفلسفة الحديثة تبدأ بكتاب ديكارت " التأملات " الذي يطلب منا صاحبه أن نتأمل ونعرف الأفكار الكاذبة والمشكوك فيها التي قبلناها طيلة حياتنا وأن نتخذ القرار بأن الوقت قد حان لإسقاط كافة المعتقدات. ويستهل ديكارت التأملات بقوله :" لأبد من التخلي عن كل شيء في حياتي تماما ومرة واحدة إذا أردت إثبات أي شيء راسخ ودائم في العلوم "، ويضيف : " لقد حررت عقلي اليوم من كافة الهموم ، أنا وحيد تماماً ، وأخيراً سيكون لدي الوقت لتكريس نفسي بجد وحرية للتخلص من جميع آرائي السابقة ، ولكن كيف يمكنني إثبات الحقيقة الراسخة والدائمة باستخدام عقلي فقط ؟" .
إن إجابة ديكارت عن هذا السؤال هي إجابة جميع فلاسفة المذهب العقلاني منذ أفلاطون الذي قال في محاورة الجمهورية :"العقل كلي في جميع البشر ، وهو العنصر الأهم في الطبيعة البشرية ، وهو الوسيلة الوحيدة للمعرفة اليقينية ، وهو السبيل لتقرير ماهو صحيح وصالح أخلاقياً وما يشكل مجتمعاً صالحاً ".
ولكن كيف يمكننا باستخدام عقلنا ، لاثبات حقيقة راسخة ودائمة أخفق الفلاسفة السابقون في إثباتها ، في كتابه "مقال في المنهج" يقول ديكارت :"من بين جميع من بحثوا عن الحقيقة ، لم ينجح سوى علماء الرياضيات في الإتيان بأسباب واضحة ومؤكدة ". ويعتقد ديكارت بأن منهج الرياضيات باستخدام العقل وحده هو الذي مكّن عالم الفلك البولوني كوبرنيكوس من إحداث ثورة في علم الفلك بنظريته الجديدة عن الكون على أساس مركزية الشمس ، ومكّن الايطالي غاليلو من تقديم البرهان على نظرية كوبرنيكوس.
في صباح الحادي عشر من شباط عام 1950 يفتح ديكارت عينيه ويسأل بصوت خافت كم الوقت ؟ إنها الساعة الرابعة صباحاً يجيبه المرافق ، يحاول النهوض قائلاً : الملكة بانتظاري، لكنه يجد صعوبة فيقع على الفراش وهو يهمس "الوقت حان لأن تفارقني الروح ، لكني روح حي ، أنا أبحث عن الحقيقة " . عاش ديكارت ومات وهو يتحسر لأن العلم الطبيعي لم يحصل على استقلاليته بالقياس الى العلم الديني ، وموقفه من هذه الناحية لايختلف عن موقف غاليلو، الذي كان يؤكد إنه، إذا ما حصل تعارض بين الكتاب المقدس من جهة وبين إحدى نظريات العلم الحديث من جهة أخرى ، فينبغي أن نعيد تأويل الكتاب المقدس لكي يتماشى مع العقل.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top