عرف التسلل لليومي وابتكر شعريته

عرف التسلل لليومي وابتكر شعريته

ناجح المعموري

- 1 -

لا يعرف الشعر الضياع إذا عرف الشاعر كيف يلوذ بالأفكار والمعارف . لا يعرف ، وهذا مؤكد الغربة ، لأنه ــــ الشعر ــــ مالك لسحرية تجعل الغريب حاضراً ، فالشاعر الحقيقي بعيد عن التيه . وقريب من الروح ، وأعني روح المكان الذي تعايشت معه الأفراد ، رجالاً ونساءً وأخطر ما يتعايش مع المكان الإناث اللاتي اكتسحت الغربة أزواجهن . والأم غير قادرة على إطفاء اشتعال النار التي تلتهب بفجيع الصبر وأنين الصرخة المدونة ، اللاهبة وراء مكانها الضائع . هل فعلاً ما قاله الشاعر عن ضياع المكان المزدحم بالذاكرات وما حفظته من مرويات ، كانت وظلَت مسليّات جلسات السمر الشتوي والصيفي . كل هذا له أسباب كثيرة سجله الشاعر في نصّه هذا ، وهو نص غرائبي ، لأن ما كتبه وسيكون مكتوباً لاحقاً لا يشبه ما يقوله الشعراء . التي تركت أرواحهم رماداً تطاير وراء هبة الهواء .
بسبب ما تخلفه الروح من رماد
وهي تحترق في طريقها الى الأبد
بسبب ما تبقى من الورد
وأنتَ تحصد حدائقك
بسبب الذي تتركه الوعول
وهي تمر بين أشجارك
من إشارات
بسبب النهر وهو يتقدم
مثل راية
في معركة خاسرة // ص 103
احتراق الروح أسطورة جديدة ، استعارت احتراقات سابقة في الأصول الميثية ، لكن الشاعر ترك الأحتراق هادئاً ولم يقدم لنا صورة عنه ، هل هو مختلف عن العنقاء / السميرغ . وأنا واثق ، الإشارة لاحتراق الروح ، لا تبتعد عن المعنى الذي عرفته الميثولوجيات من قبل ، لكن نامق عبد ذيب حفر عميقاً عن احتراق الأرواح المطرودة من أحلام أمكنتها وهو لم يتركها وحيدة ، منعزلة ، لأنه يدرك جيدا ًكيف يجعل رمادها حياة وماء والمداف بحنين الطفولات الاولى التي انغرست ، تراب ظل عالقاً على الأجساد ، غير راض بالاغتسال ، لأنه طهارة ولابد أن يؤدي صلاته وهو مطرود ، وغريب . إنها تشتعل في طريقها الى الأبد ، لأن الروح لم تحترق كلها ، بل ظل وراءها جمالها / وردها وما يحمله الهواء لنا ، لا للمعشوق فقط .
ليست روح واحدة احترقت . إنها كلية ... وللجماعة الكبيرة روح كبرى ، فهي واحدة ، لكنها متعددة ، متمردة ، وستكتشف لاحقاً بأن الرماد الذي عاند الهواء وركس في مكان الاحتراق وقالوا عنه إنه رمادي ، أنا العاشق ، ورمادك . ما تبقى من رمادنا وبقايانا ، التي لا تكف عن ململتها أمام هوس الاشتعال ، لتعاود ما منحتها روح الأبد ، وطاقة الأزل ، المطاردة للوعول التي تركت لنا أحلاماً كثيرة واشجاراً غفيرة ، تركتها مع ثمارها . والموصوف واقف كالمجنون ، مهووس بتكرر المعارك الخاسرة دائماً ... والموصوف غير خائف ، لأنه انبعث من جديد وسط رماد الروح المحترقة ، ووقف بهياً ، متمرداً ، لكنه عبر عن هذا باهتزاز الكتفين معلناً عن انتصار العبد واحتمال الغربة وفساد الناس الذي لم يجد مثيلاً لهم ، عندما كان موجوداً في كينونة مماثلة للطين الحريّ .
يبدو بأن الشاعر نامق عبد ذيب هو متوسل بغربته ووحشة مكانه ولا يريد الهزيمة ، تاركاً الأناشيد ، فالانبعاث يستحضره الغناء والرقص ، والنشيد ، الملاحق كتلال ضاعت وسط ترابها زهرة حملت وسط تاجها عطر رماد ، ينطوي على عطر يوقظ الروح ، التي لابد وأن تعاود مسراتها ، باحثة عن ظلال الأشجار التي لم تفارق إخضرارها في الخريف ، لأنها منتظرة الروح حتى اللحظة التي لما صعدت لتعيد نازك الى شعلتها
بسبب ما يتراءى فيك
مما ليس فيك
بسبب شظاياك وأنت ترتجف
مثل مواويل في الصدى
بأسطورة نامق مستعادة ، مستحضرة ، هو أرفيوس الذي هبط بالشعلة من جبل الأولمب ونزل للأرض ليحرق الوسخ وليس الروح ، الاحتراق أسطورة أولى ، يعني القتل ، ويعني الجسد الذي فجر طاقة فيها وأشعل لهباً فيه . التقيا ، فالرماد ليس تراباً بل هو غناء ورقص ، غناء ومزامير ، لأن هذا كله صاغ مكاناً لونه الرماد وجعلت الأنثى منه سيادة لها ، مثل سيادة السماء فوق الحريق الذي صار سريعاً كومة رماد.
أورفيوس نازل ، جعل الأرض اشتعالاً ، نزعت الأنثى حجاباً وفتحت ذراعيها لتحتضن النار الهابطة من العليا مع المزمار المشحون بالألحان والأغاني الجبلية . والمفارق المضاد بين مختلفين صاعد ، ونازل ، مشتعل ، منطفئ وكأن الاختلاف مواويل الرماد الأول الذي عرفته الكينونة وهي تراقب بوجل وحدّق انسحاب الموجود سريعاً ، لكنه ترك روحه كومة رماد ، تحولت سحرياً الى مكان جذب الجماعات إليه وحصل التآخي.
الاحتراق باق في هذا النص " أسباب " ولم يغادر تفاصيل الشعر لأن الشعرية كامنة في بؤر السرد ، فعاود الاحتراق وجوده ، حاضراً ، معلناً ، حتمية العودة للمكان الذي كان رماداً. وهو متحول الى آية شعرية وأعظم الدلائل والآليات السردية هو الشعر وما يصدر عنه من غناء وتراتيل .
بسبب خروجك منتشياً
باحتراقك من جحيمات
معدّة سلفاً في العماء
بسبب الجبال وهي تعيد ودائعها
بسبب صحرائك التي تشرد صداك
فلا يصل الى روحها
بسبب الجهات وهي تتهجى الرياح
بسبب الألم يأخذك الى الشهقات
بسبب ما لم تقله حينها الجمرة
كوتك دون سابق حريق
بسبب وجع لم يكن .... فكان
ضياع الحلم ، مثل نزول الشعلة واحتراقها وموتها . إنها مماثلة لمحنة الغريب ، الملاحق والمطرود من الجنة الأرضية المتخاصمة مع المرأة ، الداعية لرسول يحمل لها رائحة لجسدها .
الرماد ، هو جمال الحياة التي استقوت على الحب للعودة لما كان كومة صارت لهباً . رجع الغريب الى الرماد ، رماده ، لأنه لا يقوى أن يجد في اي مكان آخر الأشياء الطيبة واللائقة التي وجدتها فيك كما قال مولانا جلال الدين الرومي في قصائد التي كونها الرماد الرطب بسواده ، لكنها ظلت حاضرة ونحن نهرع اليها بقوة الحنين .وامتلأ الفراغ بالانتشاء ، هل هناك اجمل مما تمنحنا إياه المرأة ونحوله لذة ، ونغنيه نشوة ، ترقص لها الإناث والصبايا اللاتي سيلفحن الرماد الذي رسم منذ ذاك الزمن الذي لا يعرفه إلا نامق عبد ذيب وحتى الزمن الذي استكشفته الصبايا ، بعد عشرات من الاحلام وقصائد الخيبات التي عاد بها نامق غبد ذيب .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top