الباعث الشريف

آراء وأفكار 2019/05/11 12:00:00 ص

الباعث الشريف

 القاضي سالم روضان الموسوي

إن عنوان هذه المادة مستوحى من مقال نشرته أستاذة علم الاجتماع الدكتورة لاهاي عبدالحسين في جريدة المدى العدد 4422 في 5/5/2019 حيث أشارت إلى حالة من حالات القتل التي ترتكب بحق المرأة من قبل ذويها تحت عنوان الباعث الشريف لغرض الانتفاع من العذر القانوني الذي وفره القانون للجاني وعلى وفق المادة (128/1) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل التي جاء فيها الآتي (الأعذار أما أن تكون معفية من العقوبة أو مخففة لها ولا عذر إلا في الأحوال التي يعينها القانون. وفيما عدا هذه الأحوال يعتبر عذراً مخففاً ارتكاب الجريمة لبواعث شريفة أو بناءً على استفزاز خطير من المجني عليه بغير حق) والنص المذكور جعل من البواعث الشريفة عذرا ينتفع منه الجاني، وفي الواقع العملي نجد إن القضاء العراقي قد جعل من القتل لبواعث شريفة عذراً ينزل بالعقوبة من الإعدام إلى الحبس لمدة سنة واحدة وأحياناً يوقف تنفيذ العقوبة بحق الجاني ويخلى سبيله، وهذا الباعث الشريف الذي يكون سبباً لإعفاء الجاني من تبعات فعله بالقتل وإزهاق روح إنسان التي حرم الله قتلها إلا بالحق لم يتم تعريفه في القانون حتى نجعل منه مسطرة نطابق معها البواعث غير الشريفة والقانون العراقي لم يتطرق إلى ذلك إطلاقاً، وإنما شراح القانون هم من بحث في مفهوم الباعث الشريف وتعريفه قد استدلوا بالأحكام القضائية التي طبقت نص المادة (128/1) من قانون العقوبات، لكن نجد في بعض القوانين العربية توصيف للباعث وليس تعريف ومثال ذلك ما جاء في المادة (193) من قانون العقوبات اللبناني التي بينت بان الدافع الشريف هو الذي يتسم بالشهامة والمروة ومجرد من الأنانية والدوافع الشخصية، أما على مستوى التطبيق الذي عملت به المحاكم في العراق فإننا نجد إنها تتباين بحسب كل حالة تعرض عليها، والمحكمة لها سلطة مطلقة بتقدير الباعث الشريف فإنها تارة تجعل من قتل الشقيق لشقيقته عذراً مخففاً بسبب الباعث الشريف لأن سمعتها تلوكها الألسن، بمعنى إن الفعل المنسوب الى الضحية والذي كان سبباً في قتلها، هو مجرد أقوال يتداولها الناس عن الضحية (المجنى عليها) وتارة أخرى يعتبر فعل القتل مباح لوجود علاقة بين الضحية وشخص آخر وفي بعض التطبيقات اعتبر قتل الابن لأبيه باعثاً شريفاً لأنه شاهده بموقف غير أخلاقي مع شقيقته وهي بنت الضحية(الأب) وفي أوصاف أخرى انتفعت المرأة التي قتلت ولدها بالباعث الشريف لأن الولد كانت سمعته سيئة في المنطقة التي تعيش فيها ، بينما في جرائم أخرى من ذات الباب وهو القتل نجد إن المحاكم لم تعتبر وجود للباعث الشريف وإنما اعتبرت جريمة القتل مجردة من هذا العذر المخفف، ويلاحظ من كل ما تم ذكره إن تقدير الباعث الشريف في جرائم القتل يخضع لاعتبارات اجتماعية صرفة، وفي أحد القرارات تم تخفيف العقوبة عن الجاني الذي قتل شقيقته التي ارتكبت جريمة الزنا مع أحد الأشخاص واعتبرته فعلاً ألحق العار بأهلها وأسرتها وإن تزوجت من ذلك الشخص الذي ارتكب الفعل الفاحش معها، وهذا التبرير يشير الى بعد اجتماعي وهو تبرير لكل التطبيقات القضائية التي أخذت بالباعث الشريف لتخفيف العقوبة عن الجاني، لكن ما يثير الانتباه والذي أشارت اليه الدكتورة لاهاي عبدالحسين إلى البعد الاجتماعي الذي يتعلل به البعض عند ارتكاب فعل القتل وكذلك الذي تعمل به المحاكم عند فرض العقوبة ، ويعلم الجميع إن ذلك البعد له من المعايير التي لا يمكن الاستدلال عليها إلا بواسطة من له النظرة الثاقبة في طبيعة المجتمع، لأن الباعث الشريف ليس لأن الضحية ارتكب فعلاً معيناً وإنما لأن هذا الفعل في محيطه الاجتماعي وبيئته يعتبر عاراً ويسعى الجاني إلى غسل هذا العار بالقتل، لذلك فان البعد الاجتماعي هو الأساس في تحديد طبيعة الباعث بين أن يكون شريف أو غير شريف، وكان لابد من الاستعانة بالمختص في علم الاجتماع لدراسة كل حالة من حالات القتل والاستدلال على تقاطع فعل الضحية ابتدأً هل يشكل خرق لنواميس المجتمع؟ وهل إن هذا الفعل يمثل ضرراً في سمعة الجاني لأن بعض جرائم القتل تمثلت في قيام شقيق المجنى عليها بقتلها وزعم إنها تعمل في النوادي الليلية وترقص وتغني فيها بينما هو من كان يرافقها في عملها منذ أول نشأتها واعتاد على العمل معها وتعايش مع ذلك الأمر، فهل من المنطق أن يعتبر قيامه بالقتل بمثابة القتل بباعث شريف؟ لذلك أرى من المناسب أن نعمل على تعديل النص القانوني النافذ في المادة (128/1) من قانون العقوبات العراقي وأن نضيف إليه عبارة تتضمن بان يكون تحديد الباعث الشريف من لجنة رسمية من المختصين والخبراء في علم الاجتماع لفحص فعل الضحية وظروفها الاجتماعية وظروف الجاني الاجتماعي ومن ثم إعطاء التوصية باعتبار هذا الفعل يشكل خرقاً للنواميس الاجتماعية من عدمه، وهذا المطلب ليس بغريب على المنظومة التشريعية إذ كثيراً ما نستعين باللجان الفنية لتقدير حالات الجنون والانفعالات وغيرها وكذلك الاستعانة بتقارير الخبراء في مجال الإدمان على المسكرات والمخدرات وغيرها، فما المانع من إيجاد نص يلزم العمل بإحالة الدعوى بعد استكمالها لكل جوانبها التحقيقية وتوجه المحكمة للإدانة إلى الاستعانة بخبراء من المختصين في علم الاجتماع لبيان وجود الضرر الاجتماعي الذي تسببت به الضحية في ظل ظروفها الاجتماعية والشخصية ليتسنى للمحكمة تطبيق الباعث الشريف عند فرض العقوبة، وأرى الغاية من وجود الخبراء من المختصين في علم الاجتماع، لأن أغلب تبريرات الانتفاع بهذا العذر المخفف تحت زعم صيانة المجتمع وحماية الأسرة التي تعد نواة المجتمع، فضلاً عن جسامة الفعل الجرمي المتمثل بالقتل وإزهاق روح إنسان حرم الله قتلها إلا بالحق.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top