باليت المدى: مرايا علي المندلاوي

ستار كاووش 2019/05/11 12:00:00 ص

باليت المدى: مرايا علي المندلاوي

 ستار كاووش

كيف يمكن لفنان أن يمسك بخيوط التفاصيل الصغيرة التي تحيطه ويجعلها فناً زاخراً بالدهشة والجمال والعاطفة؟ كيف يسقي زهرة موهبته بما يملكه من خيال وعاطفة لتنثر عطرها هكذا على وجوه الشخصيات التي يرسمها؟ قليل من الفنانين تمكنوا من ذلك وتركوا بصماتهم التي لا تخطؤها العين ولا تتجاوزها الذاكرة. ومن هؤلاء يبرز الفنان الباهر علي المندلاوي الذي يقيم الآن معرضه الشخصي (خارج المرايا) على قاعة الواسطي بدار الأزياء العراقية. هذا الفنان الذي خرج من الساحة المستديرة للكاريكاتير العراقي ليشق لنفسه طريقاً معبداً بذهب الموهبة والمثابرة، ساعده في ذلك ثقافته الواسعة التي جعلته يدرك تفاصيل وعمق الشخصيات التي يرسمها.
يمضي مبدعنا المندلاوي في هذا الدرب الملون، لينثر حوله أعمالاً تمتزج فيها الدعابة مع السحر، وتنسجم الروح مع الاشكال، بعد أن وُضِعَتْ الخبرة في مكانها الصحيح. فينتج عن ذلك كله فناً، ربما قابلاً للتوصيف، لكنه بعيد عن المجاراة. هناك مثل شعبي هولندي يقول (البداية الجيدة هي نصف قيمة العمل) وهذا ما حدث مع علي المندلاوي حين رسم بورتريت السياب في بداية الثمانينيات ويدهشُ كل من يراه. ليمسك بعدها بدفة مغامرته في رسم البورتريت ويدفعها الى أقصاها، فيحصد جائزة في هذا البلد ويدخل لجنة تحكيم في بلد آخر ويشارك في بينالي هنا ومعرض مهم هناك، وهكذا نَمتْ زهرة المندلاوي لتصبح بستاناً من البورتريهات المذهلة.
تابعت أعمال علي المندلاوي منذ أكثر من ثلاثين سنة بدافع إعجابي بأعماله وبحكم الصداقة التي ربطتني به، فسحرني وهو يحول الغيمة الى مطر، ويجعل الجدران نوافذ، ويناشد الريشة فتتحول بين أصابعه الى طير السعد، كل ذلك يصحبه خيال واسع وتقنية فريدة وقيمة جمالية عالية وحضور أخّاذ. فلم يكن على فناننا المندلاوي سوى أن يغمس فرشاته بالالوان، ليتحول الأمر الى حلم مليء بالبالونات والشموع والأشعار التي تأخذنا بعيداً، هو الذي أصبح فن الكاريكاتير على يده فن السهل الممتنع والممتع معاً.
تأثير أعمال علي المندلاوي يشبه ما تمنحه الحكايات السحرية التي جاءت من مكان خيالي وهي تقترب منا بحكمة، حكايات يستلهمها من شخصيات واقعية، ليمضي معها بعيداً وهو يصنع إسطورته الشخصية على درب رقيق ومُلَوَّن ومضيء. كيف فعل ذلك ومن اين له هذا القاموس من الالوان والبهجة والأعياد التي لا تريد أن تنتهي ولا تتوقف؟
الفن الحقيقي هو ان تفتح أبواباً كانت مواربة، وتسلك طريقاً لا يسير بها أحد، وهذا ما قام به فناننا المندلاوي، الذي سار بطريقه الشخصي باحثاً عن وجوه يرسمها بمحبة عاشق، ليزيدها إشراقاً وقيمة، وبذات الوقت يرفع رصيده الجمالي برسوم ومائيات ساحرة.
هناك ميزة أخرى في أعمال فناننا المندلاوي، وهي إضافة لجمالها حين تعرض في صالات العرض، فهي مناسبة وبدرجة تفوق الوصف للطباعة ايضاً، وهذا ناجم عن خبرته التي إمتدت لأكثر من أربعين سنة مع رسوم الاطفال، وذلك ما منحه الدراية والفطنة الدقيقة في توزيع المساحات والتونات والكتل، وتحسس هيئتها قبل الطباعة وبعدها، وهذه ميزة نادرة تمنحه الكثير من الخيارات في التعامل مع تجود به موهبته الكبيرة.
الفنان الحساس يهذب روحه ويحاول ان يجد معادلاً جمالياً لرماد المشاكل والأزمات، وهذا ما فعله المندلاوي حين صالح الحياة بألوان الطفولة، وغطاها بزهور النرجس. انه يرسم كمن يطلق حمامة سلام لا تخلو من الدعابات التي يحبها الجميع، بل إن ورقته البيضاء هي في الأصل حمامة، أراد الإحتفاء بها فـألبسها ثياب نوروز، لهذا حين تطير رسوماته نحو المعارض تحمل معها هديلاً وأنغاماً وروح دعابة مليئة بالمحبة وروح الأمل.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top